12.png

التحريض الطائفي في إعلام ما بعد "الربيع العربي".. (ملف)

في التقرير السنويّ الذي أعدّته اللجنةُ العليا للتنسيق بين القنوات العربيّة، الصادرِ سنة 2014،[1] تبيّنَ أنّ القنوات الفضائيّة الدينيّة تحتلّ المركزَ الخامس من مجموع القنوات الفضائيّة العربيّة، وعددُها حوالي 1400.

بيْد أنّ المسألة ليست محضَ استثمار سياسيّ وإيديولوجيّ وثقافيّ؛ فعلى أثر زلزال "الربيع العربيّ" بشكلٍ خاصّ، بات لهذا القطاع بعدٌ اقتصاديٌّ ضخمٌ أيضًا، نظرًا إلى ما يحقّقه من عائداتٍ وما يتلقّاه من تمويلٍ ودعم. فحجمُ الاستثمار الاقتصاديّ في قطاع القنوات الفضائيّة الدينيّة اليوم يقدَّر بحوالي 6 مليارات دولار، مصدرُ أغلبِها الدولُ الدينيّةُ الأربع الأهمّ في المنطقة: المملكة العربيّة السعوديّة، والإمارات العربيّة المتحدة، وقطر، وإيران.[2]

هذه المحطّات التلفزيونيّة والفضائيّة الدينيّة تتخصّص بالوعظ والإرشاد وتوجيهِ شؤون المؤمنين في كلّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من حياتهم اليوميّة، مُعفيًا إيّاهم من إعمالِ العقل والتفكير الحرّ. لكنْ، إلى جانب هذه الوصاية البطريركيّة على عقول المشاهدين المؤمنين، ثمّة تجييشٌ وتحريضٌ مذهبيّان، يمضيان جنبًا إلى جنب مع تلبية مصالح الجهات المموِّلة والدول الداعمة، وبلغا ذروتَهما بعد "الربيع العربيّ."

وعلى الأثر، ازدهرتْ مجموعةٌ من الدعاة الدينيين يتقنون التقديمَ التلفزيونيّ، ولغةَ الإعلام، ومختلفَ أنواع الأعمال الاستعراضيّة والدعائيّة، تمامًا كنجوم السينما؛ بل هم ينافسون هؤلاء في معدلات "تريند" المشاهدات وأعداد المتابعين (followers) على مواقع التواصل الاجتماعيّ. وهم، عبر سيلٍ من الفتاوى والأحكام الاعتباطيّة (عن التلصّص والإرضاع والآثار والكرسيّ مثلًا؟)[3] يكدِّسون الثروات، ويحقّقون مداخيلَ خرافيّةً جديرةً بأولئك النجوم.

في هذا السياق، قدّرتْ مجلّةُ فوربس الأمريكيّة مجملَ ثروة الداعية المصريّ الشهير عمرو خالد بحوالي 52 مليون دولار، وكان قد حقّق رقمًا قياسيًّا في مداخيله الإعلاميّة للعام 2008 (2،5 مليون دولار). وإلى جانبه أسماءٌ لامعةٌ أخرى، أمثال الداعية الكويتيّ طارق سويدان، بدخلٍ سنويّ يُقدَّر وسطيًّا بمليون دولار؛ والداعية السعوديّ عائض القرني بـ 533 ألف دولار؛ والداعية المصريّ عمر عبد الكافي بـ 373 ألف دولار؛ والداعية السعوديّ سلمان العودة بدخل سنوي يُقدّر بـ 267 ألف دولار.[4]وهم يعيشون في أرقى الفنادق، مع أساطيل السيّارات الفارهة، وكلّ ما تتطلّبه حياةُ النجوميّة من متطلّبات. فعمرو خالد خضع لعمليّات تجميل؛ ومنذ فترة ليست بالبعيدة كان الداعية المصريّ مصطفى حسني قد أثار أزمةً عبر إطلالته بتيشيرت ماركة Philipp Plein يصل ثمنُها في مصر إلى حوالي 20 ألف جينيه.

قدّرتْ فوربس ثروة عمرو خالد بـ 52 مليون دولار

الشارع الدينيّ الشيعيّ أيضًا له "نجومُه." فهناك أسماء معروفة جيّدًا في إيران تعمل على النمط  نفسه، مثل: محمد تقي مصباح يزدي (الذي قَدّرتْ فوربس ثروتَه بحوالي 50 مليون دولار)، وواعظ العبسي، وأسماء أخرى مشابهة، خصوصًا في العراق.

السبُّ العلنيّ، واللعنُ المتبادل، والتجييشُ الصريح والغرائزيّ، من العلامات الثابتة اليوم في القنوات الدينيّة، وبخاصّةٍ تلك التي تلعب على أوتار الانقسام الشيعيّ - السنّيّ في المنطقة. واللافت أنّ القنوات الأهمّ التي تؤدّي دورَ"الطليعة المقاتلة" من الطرفيْن، وتضخّ الخطابَ الأكثرَ تطرّفًا وعدوانيّة، لا تبثّ من الوطن العربيّ، بل تكاد تكون متجاورةً في العواصم الغربيّة، لا تفصل بينها إلّا بضعةُ شوارع.

من لندن (حيث ياسر الحبيب) تُسبّ عائشة

فمن لندن تُرسم خرائطُ الكره واللهيب والقتل والتفجير بين الأعظميّة والكاظمية في العراق، وتُسَبُّ عائشة، ليَحصدَ حيُّ الكرادة في بغداد الدماءَ. وعبر مصطلحات ضارية جاهزة، نجد لدى كلّ منبرٍ إعلاميّ ترسانةً تحريضيّةً كاملةً، مخصّصةً ومجهّزةً للتعبئة والحقد وإذكاء أبشع أنواع العنف. فقنوات مثل الأنوار (قناة شيعيّة متطرّفة مقرُّها بغداد، وقد مُنعتْ من البثّ غيرَ مرّةٍ بسبب خطابها التحريضيّ والطائفيّ)، وأهل البيت (قناة شيعيّة أخرى متطرّفة، مقرُّها في كاليفورنيا، حيث يقيم مؤسِّسُ القناة ومذيعُها الشهير الحسين اللهياري)، تتناول مهمّةَ القضاء على "الناصبيّة" بوصفها مهمّةً مقدّسةً، وذلك عبر بثّ تلفزيونيّ مستمرّ على مدار 24 ساعة. وفي المقابل، فإنّ أشباه وصال وصفا تبيح دمَ "الروافض،" داعيةً إلى قتلهم وتهجيرهم، باعتبار ذلك من أعظم درجات "الجهاد."

كلا النمطين وجهان لعملةٍ واحدة. قنوات تلفزيونيّة مهووسة، يقودها ويديرها متعصّبون يكاد يُشَكُّ في صحّتهم العقليّة والنفسيّة، أمثال ياسر الحبيب وحسن اللهياري من جهة، ومحمد الزغبي ومحمد صابر من جهةٍ أخرى. معاركُ ناريّة، وخُطبٌ ملتهبة، وبكاءٌ على الهواء، وأشعارٌ حماسيّة، وألفاظٌ نابية. هؤلاء هم "قادةُ الرأي" في عالم الأصوليّة العربيّة، ونجومُ حيّزٍ ضخمٍ من فضاء الإعلام العربيّ الحديث: إعلامِ ما بعد "الربيع العربيّ."

يزن زريق
الآداب

سوريا

[3] فمثلًا، أفتى الداعيةُ المصريّ أسامة القوصي بجواز "تلصّص" الشابّ على خطيبته خلال استحمامها ليشاهدَ منها ما تمْكن رؤيتُه كي يبتَّ بأمر زواجه منها. وأفتى الدكتور عزّت عطيّة بحقّ المرأة العاملة في إرضاع زميلها في العمل، منعًا للخلوة المحرّمة؛ إذ قال إنّه إذا كان وجودُ الاثنيْن في غرفة مُغلقة، وكان ذلك من مقتضيات ظروف العمل، فعليها أن تقومَ بإرضاعه خمسَ رضعات تبيح لهما الخلوةَ ولا تحرِّم الزواج، مع حقّ المرأة في خلع حجابها أمام مَن أرضعته وتوثيق هذا الإرضاع رسميًّا. ومن الفتاوى المثيرة إباحةُ الشيخ مرجان الجوهري تدميرَ الأهرامات والمعابد الأثريّة لأنّها أصنامٌ وتماثيلُ من زمن الجاهليّة، مضيفًا خلال لقاء له على إحدى الفضائيّات المصريّة أنّه هو الذي حطّم تمثالَ بوذا في أفغانستان خلال وجوده مع أعضاء تنظيم القاعدة هناك. ويبقى رأيُ الشيخ السلفيّ اليمنيّ العلّامة الحبيب عمر بن حفيظ في "الكرسيّ" من أغرب الآراء، إذ اعتبر أنّه من أخطر المفاسد التي ابتُليَتْ بها أمّتُنا العظيمة، وأنّ المرأة التي تجلس عليها تُعتبر زانيةً.

[4] http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/business/newsid_7261000/7261877.stm

******

الإعلام ما بعد "الربيع": ما يطلبه المحرِّضون ــ المموّلون

من طرائف تاريخ الإعلام، على الأقلّ منذ منتصف القرن الماضي حتّى نهايته، "البلاغ رقم واحد،" وهو الخطوةُ المتمِّمةُ لأيّ انقلابٍ عسكريّ، بعد أنْ تكون السيطرةُ قد تمّت على الثكنات والمقرّات الرسميّة ومبنى الإذاعة والتلفزيون.

هذا السيناريو قد أضحى من الماضي بعد تغيّر الوسائل والتقنيّات، ليُطلَّ علينا القرنُ الحاليّ بسيناريو عكسيّ؛ ذلك لأنّ أيَّ انقلابٍ اليوم بات يبدأ من خلال الإعلام بوسائله كافّةً، ويتحقّق النصرُ فيه عند القدرة على التكيّف واستثمار الوقائع.[1]

يصعب على أيّ باحثٍ هذه الأيّامَ، بعد انطلاق مرحلة "الربيع،" أنْ يقدِّم تلخيصًا ناجزًا لحالة الإعلام العربيّ كجزء من حال الأمّة، وهو ربيعٌ عاصفٌ ما زالت نارُه متّقدةً على مساحة بلاد العرب، وما زال الزلزالُ في ذروة ارتجاجاته العنيفة على كلّ صعيد. لكنْ تُمْكننا قراءةُ بعض العناوين التي تدلّ على خطورةِ ما حدث، وما سيحدث لاحقًا بناءً على وقائع اليوم.

إعلامُ الأمس: ما يطلبه المستمعون

الإساءة التي ارتكبها أحمد سعيد، عبر إذاعة صوت العرب، حين تبجّح بانتصار الجيش المصريّ على العدوّ الإسرائيليّ في حزيران 67، لتتبيّنَ الهزيمةُ العربيّةُ الكاسحة على أرض الواقع بعد ساعات، أشّرت إلى أنّ العالمَ العربيّ عاش سنواتٍ طويلةً على تناقضٍ عميقٍ وفاضح: الإعلامُ الرسميّ للترفيه و"لِما يطلبه المستمعون" من أغانٍ، والحقيقةُ السياسيّةُ والعسكريّةُ وأخبارُ الطقس عند إذاعتيْ لندن ومونتي كارلو.

"من دمشق هنا القاهرة": حلمُ ليلةٍ ناصريّة؟

شكّلتْ هذه العبارةُ المكثّفة، التي أطلقها الإعلاميُّ السوريُّ عبد الهادي بكّار إبّان العدوان  الثلاثيّ (الإسرائيليّ - الفرنسيّ - البريطانيّ) على مصر سنة 1956، وبعد انقطاع بثّ الإذاعة المصريّة الرسميّة، والوحيدة يومها في مصر، بفعل الغارات الجوّيّة المعادية، العنوانَ الزاهي للحقبة الناصريّة و"التضامن العربيّ المشترك." وقد سبقتْ ذلك موجاتٌ من التضامن الإعلاميّ والجماهيريّ مع قضيّة فلسطين والعداءِ للكيان الغاصب.

هذه الرمزيّة أشّرت إلى أهمّيّة الإعلام في مقاربة القضايا العربيّة. لكنّ هذه الرمزيّة سقطتْ لاحقًا بسبب الجهل في كيفيّة إدارة المعارك، وسوءِ إدراك التحوّلات العالميّة في مقاربة "المسألة اليهوديّة،" وصولًا إلى اللحظة المشؤومة المتمثّلة في اتفاق كامب دايفيد، وإخراجِ مصر من الصراع العربيّ - الإسرائيليّ، ونموّ الشعارات القطْريّة الضيّقة التي أجهضت العملَ العربيَّ المشترك.

من هنا لا نستطيع قراءةَ اللوحة الآن من غير الارتكاز إلى أخطاء تلك الحقبة من تاريخنا، بالإضافة طبعًا إلى الهزائم العسكريّة المتتالية، قبل أنْ يفتتح لبنانُ عصرًا جديدًا بمقاومته وتحرير أرضه من الاحتلال الصهيونيّ من دون قيدٍ أو شرط.

إعلامُنا الجديد: ما يطلبه المُستعمِرون

هذا الاستهلال السابق ليس لإعادة قراءة ذلك التاريخ بما له وما عليه، بل هو اختصارٌ دالٌّ على محطّاتٍ كان للإعلام العربيّ دورٌ سلبيّ في تظهير الحقيقة، وفي ابتعاده عن الناس؛ ما فَسح المجالَ أمام وسائلَ جديدةٍ كي تتلاعبَ بساحاتٍ فارغة، وكي تدفعَ الأمورَ في اتجاه أجنداتٍ ومصالحَ خارجيّة.

وإذ تستحيل مقاربةُ ملفّ الإعلام في مطلع القرن الحاليّ من دون تسمية مؤسَّساتٍ ووسائلَ بعينها، فإنّه يمْكننا - نظرًا إلى كثرتها وتعدّدها - أخذُ أشهرها على الإطلاق، قناة الجزيرة القطريّة، مثالًا ساطعًا على خديعةٍ مورست على الناس بنجاح.

بدت الجزيرة، في أولى مراحل عملها، في صورةٍ بهيّةٍ، وديناميّةٍ، وسريعةٍ، على خلاف الإعلام الرسميّ الجافّ الذي كان مسيطرًا على الفضاء الاعلاميّ. وظهرتْ في أداءٍ علميٍّ ومهنيٍّ غيرِ مسبوقٍ عربيًّا، من حيث تنوّع الآراء وتعدّدها.

مرّرت الجزيرة مسألتيْن خطيرتين: استضافةَ صهاينة، وإعطاءَ القرضاوي مساحة واسعة

في المضمون شاكست الجزيرة المملكةَ السعوديّة في بعض القضايا، وتعاطفتْ مع المقاومة الفلسطينية واللبنانيّة. لكنّها، مع الوقت، مرّرتْ مسألتيْن خطيرتيْن: استضافةَ صهاينة، وإعطاءَ الشيخ يوسف القرضاوي وفتاويه مساحةً واسعةً من خلال برنامج الشريعة والحياة.

وفي لحظة قرارٍ ضمنيّ، انقلبت الجزيرة على كلّ مفاهيمها وشعاراتها: فقد اندفعتْ بشكلٍ هستيريٍّ في التحريض المذهبيّ والطائفيّ،[2] والتأليبِ السياسيّ، وبثّ الأخبار الملفّقة.[3] وكان "شاهدُ العِيانِ" نجمَها الدائمَ في التغطية الخبريّة والتحليل، وتركيبِ "سيناريوهات وهميّة،"[4] ما ساهم في إحداث البلبلة وسفكِ الدماء في غير دولة عربيّة. وهناك عشراتُ الأحداث الموثّقة التي اختلقتْها الجزيرة اختلاقًا. وقد غطّت الأمرَ بقرار سياسيّ خليجيّ مستتبَعٍ للغرب الاستعماريّ من جهة، وبفتاوى مذهبيّةٍ مقيتةٍ قادها القرضاوي، ومن بعده عشراتُ المفتين، من جهةٍ أخرى.[5]

كما تجاهلت الجزيرة، شأن العربيّة (وغيرها)، قمعَ الاحتجاجات في البحرين وفي الأردن، وذلك من أجل حفظ العلاقات السياسيّة للدولتيْن اللتيْن تحتضنهما (قطر والسعوديّة) مع النظاميْن البحرينيّ والأردنيّ. وعلى نحوِ ما قُدّمت "الحريّةُ" و"الديمقراطيّة،" فإنّ الموضوعيّة في إعلام الجزيرةومثيلاتها كانت شارعًا ذا اتجاهٍ واحد، لا يمكن التفاوضُ حوله أو النقاشُ فيه؛ فإمّا أنْ تكون معه، وإمّا أن تكون ضدّه.

وبالطبع فقد لحقتْ بالجزيرة وغيرها عشراتُ المحطّات والمواقع الاعلاميّة والمنصّات الإلكترونيّة التي تعمل باشراف جهاتٍ سياسيّةٍ وتمويليّةٍ واحدة، ومنها محطّاتٌ مخصّصة للتحريض المذهبيّ والقبليّ والجهويّ والدينيّ مثل قناة صفا وقناة وصال.

الإعلام الإلكترونيّ: سيفٌ قاطعٌ الآن وغدًا

منذ حرب الخليج الثانية عملتْ دولُ الغرب على إعطاء الإعلام حيّزَ السبْق في التصوير والتهويل والتهليل وغسلِ الأدمغة، ما جعله قوّةً لا تُضاهى. ولمّا كان المتحكِّم بهذه اللعبة ماثلًا في مركز القرار الغربيّ حصرًا، فقد استطاع أنْ يوجِّه كلَّ ذلك الإعلام وومفاهيمِه ومصطلحاتِه حيث يشاء. وبالتأكيد لن يكون توجيهُه إلّا وفقًا لأجنداته ومصالحِه الماليّة في استعمار هذه المنطقة وتدمير كلّ مصدر قوّةٍ داخلها.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ على نطاقٍ جماهيريٍّ واسع، وتوافرها لكلِّ من يشاء، ومن دون ضوابطَ قانونيّة أو أخلاقيّةٍ أو مهنيّة، باتت لكلِّ مَن يرغب فرصةٌ كبيرةٌ في التعبير والنشر على هواه. وهنا كانت الطامةُ الكبرى في مرحلة "الربيع العربيّ." فقد انفجرت البيئاتُ العربيّة على كلّ التناقضات، وسقطتْ عناوينُ "الحريّة" على مذبح الفلتان، وطفتْ على السطح كلُّ الاختلافات، وغدا كلُّ فردٍ مشروعَ منظِّرٍ ومحرِّض. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن ترابط المواقيت بين انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ عالميًّا، وانفجارِ كلّ الأقطار العربيّة داخليًّا.

وكي نعلم مدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعيّ، يمكن أنْ نورد الأرقام التالية عن ترتيب الدول العربيّة من حيث أعداد مُستخدمي الفيسبوك سنة 2017:[6]

مصر (أكثر من 33 مليون مستخدم، 37% من السكّان)، السعوديّة (أكثر من 18 مليون مستخدم، 58% من السكّان)، الجزائر (أكثر من 16 مليون مستخدم، 43% من السكّان)، العراق (أكثر من 13 مليون مستخدم، 40% من السكّان)، المغرب (أكثر من 12 مليون مستخدم، 38% من السكّان)، الإمارات (أكثر من 8 مليون مستخدم، 94% من السكّان)، سوريا (أكثر من 6 مليون مستخدم، 37% من السكّان)، تونس (أكثر من 5 مليون مستخدم، 55% من السكّان)، الأردن (أكثر من 4 مليون مستخدم، 66% من السكّان)، السودان (أكثر من 3 مليون مستخدم، 8% من السكّان)، ليبيا (أكثر من 2 مليون مستخدم، 49% من السكّان)، الكويت (أكثر من 2 مليون مستخدم، 71% من السكّان)، لبنان (أكثر من 2 مليون مستخدم، 56% من السكّان)، قطر (أكثر من 2 مليون مستخدم، 95% من السكّان)، اليمن (أكثر من 2 مليون مستخدم، 8% من السكّان)، عُمان (أقلّ من مليون مستخدم، 41% من السكّان)، فلسطين (أقلّ من مليون مستخدم، 34% من السكّان)، البحرين (أقلّ من مليون مستخدم، 73% من السكّان)، جيبوتي (أقلّ من مليون مستخدم، 20% من السكّان)، موريتانيا (أقلّ من مليون مستخدم، 11% من السكّان)، جزر القمر (أقلّ من مليون مستخدم، 9% من السكّان)، الصومال (أقلّ من مليون مستخدم، 8% من السكّان).

أيقوناتُ الثورات

كان لافتًا في كلّ انطلاقة حَراكٍ في أيّ قطرٍ عربيّ ظهورُ بعض الشخصيّات الجديدة على المسرح لتلعب دورًا رئيسًا في التعبئة والتحشيد، فيسارع الإعلامُ ومؤسّساتُ المركز الغربيّ إلى تلميعها، وتكبيرِها، ومنحِها الجوائزَ والتكريمات بشكلٍ مضخّم أحيانًا كثيرة. وعلى سبيل المثال: وائل غنيم في مصر؛ وتوكّل كرمان في اليمن؛ وعبد الباسط الساروت في سوريا؛ وآلاء صلاح في السودان. واللافتُ الآخرُ غيابُ أيّ موقفٍ لكلّ هذه الشخصيّات - الرموز من "إسرائيل،" لا بل تماهى بعضُها مع الطروحات الإسرائيليّة، وأفكارِ "السلام والحريّة والديمقراطيّة" الغربيّة حصرًا، فغيَّبَ الحديثَ عن السيطرة الغربيّة على منطقتنا العربيّة ونهبِ ثرواتها وتدميرِ بناها التحتيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

كان لافتًا ظهورُ شخصيّات جديدة لتلعب دورًا رئيسًا في التعبئة (الصورة: توكّل كرمان)

ما يشبه الاستنتاجات

يشكّل هذا العرضُ نتيجةً طبيعيّةً لواقع حال إعلامنا ومجتمعاتنا على حدّ سواء. فبقدر هشاشة خطابنا الإعلاميّ على المستوى العربيّ، كانت مجتمعاتُنا هشّة أيضًا. وقد أسهمت الأنظمةُ الحاكمة، والأحداثُ التي مرّت ببلادنا، في استمرار بنى الهشاشة والتخلّف؛ ما جعل جملةً من الأزمات الإعلاميّة تطفو إلى سطح الأزمة العربيّة، نذكر منها:

- غيابَ المؤسّسات الإعلاميّة العامّة التي تخاطب عقلَ الجمهور وحاجاتِه، لا غرائزَه، وتعمل على إظهار الجوانب المشرقة من الإصلاح الدينيّ، بعيدًا عن الطائفيّة. وهذا يتطلّب إعادةَ النظر في بنى المؤسسات الدينيّة والدعويّة، وفتحَ المجال أمام الاجتهاد كي نُنقذَ ما يمكن إنقاذُه، بعد المنزلقات الخطيرة التي وصلنا إليها. وبكلّ أسفٍ نقول إنّ ما حصل بسبب التعبئة التحريضيّة الإعلاميّة، أثناء "الربيع العربيّ" بشكلٍ خاصّ، لم ينطلقْ من فراغ، بل وَجد ما يُسعفه من الوقائع التاريخيّة والفتاوى والمراجع القديمةِ والجديدة.

- اجتياحَ وسائل التواصل الاجتماعيّ كلَّ تفاصيل حياتنا اليوميّة. وهذا يدفعنا إلى ضرورة القيام بدراساتٍ معمّقة عن كيفيّة مواجهة أضرارها واستعمالاتها من قِبل أعداء الأمّة العربيّة.

- افتقارَ المقاومة الوطنيّة (بكلّ فصائلها، الإسلاميّة واليساريّة والقوميّة، في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق ومصر واليمن والبحرين،...) إلى منبرٍ إعلاميٍّ جامع. وربّما يتطلّب ذلك، من قَبلُ، صياغةَ مشروعٍ وطنيّ مشترك (سياسيّ، اقتصاديّ، إعلاميّ،...) يُخرج هذه القوى من قُطْريّتها، ويمكّنها من مخاطبة عقل الجمهور الواسع المؤيِّد لها؛ وللاعلام هنا دورٌ مهمٌّ بالطبع.

- الخَرْقَ الإسرائيليّ لبنية المجتمع العربيّ التحتيّة، وهو خرقٌ يمكن أن تكون أبعادُه أخطرَ من توقيع اتفاقات مُعلنة مع العدوّ؛ الأمرُ الذي يُوجب استدراكَ مفاعيله.

إلى ذلك، ينبغي اتّخاذُ إجراءات عمليّة في المجالات الآتية:

- مواكبة الإعلام لتطوّر المقاومة العسكريّة في فلسطين. وهذا يحتاج إلى تكافل الجميع لتسخير القوى لصالح القضيّة الأمّ، حتّى تعودَ فلسطين قبلةَ الأحرار وبوصلةَ الحريّة.

- تقديم مقاربة إعلاميّة وخطاب إعلاميّ مختلف تجاه مسألة الأقلّيّات الدينيّة والمذهبيّة والعرقيّة واللغويّة والقبليّة حتى لا تبقى منفذًا لدخول الأعداء والطامعين الى مجتمعاتٍ تنهشها التفرقة.

- العمل الحثيث على صياغة مشروع سياسيّ واقتصاديّ وإعلاميّ متماسك وكبير. فقد تبيّن، بعد كلّ ما حصل في "الربيع العربيّ" بشكلٍ خاصّ، أنّ أفعال التخريب أعمقُ وأخطرُ ممّا كان متوقّعًا. وها نحن نشاهد مجتمعاتنا تنتقل من أزمة الى أخرى، ومن فلسفة تدمير ذاتيّ إلى أخرى.

بيروت


[1] ليس أدلَّ على ذلك من اجتياح العراق سنة 2003، بناءً على جملة من التقارير الإعلاميّة والاستقصائيّة لمُخبرين وإعلاميين، ترتّب على إثرها موقفٌ أمريكيّ ودوليّ، أفضى إلى حرب راح ضحيّتَها أكثرُ من مليون عراقيّ.

[2] برنامج الاتجاه المعاكس تضمّن تكثيفًا للضخّ الطائفيّ المقيت. للاطّلاع مثلًا:

[3]  شكّلتْ أحداثُ درعا في آذار 2011، على سبيل المثال، مادّةً مهمّةً للتضخيم الإعلاميّ على قناةالجزيرة. بل إنّ عزمي بشارة نفسَه، المعادي للنظام السوريّ بشكل شرس، يعترف بما يناقض رواياتالجزيرة في بدايات الأزمة السوريّة عن تعذيب أطفال درعا واقتلاع أظافرهم من قِبل مفرزة الأمن السياسيّ. فهو يقول: "هناك روايات وشائعات كثيرة عن تعذيب الأطفال، تذْكر أنّ الأطفالَ المعتقلين تعرّضوا للحرق والكيّ وقلع الأظفار... الخ. وهذه الروايات كلّها مبالغاتٌ غير صحيحة كما يبدو (كما تبيّن لنا أيضًا من شهادات متطابقة لوائل رشيدات ورائد أبا زيد ونزار الحراكي)..." عزمي بشارة، سورية: دربُ الآلام نحو الحريّة، محاولة في التاريخ الراهن (بيروت: المركز العربيّ لدراسة السياسات، 2015، ص 84).

[4]  في بعض تقارير الجزيرة يعاد التقاطُ صور المجموعة المتظاهرة نفسها، لكنْ من زوايا متعدّدة، ما يخلّفُ انطباعًا لدى المشاهدين أنّ عددَ المتظاهرين بالآلاف. وفي الإمكان التنبّهُ إلى الفرق الواضح بين ما يقدّمه مديرُ مكتب الجزيرة في دمشق، وما تقدّمه غرفةُ التحرير المسؤولة عن الصورة في الدوحة: https://www.youtube.com/watch?v=84odOzLWM6k loading

[5]  كانت فتاوى القرضاوي قد أسهمتْ في انفلات أعمال العنف من عقالها في السنوات الأولى للحرب السوريّة. ومن نماذج هذه الفتاوى إباحتُه  قتال كل من يؤيّد نظام بشار الأسد، ولو كان عالمَ دين؛ وجاء ذلك في سياق هجومه العنيف على الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي: 

[6]  المصدر: weedoo. http://cutt.us/DCtr4

 

 

 

 

 

 

******

 

مكر التاريخ "المزعوم" إذ يعيد نفسَه في الدراما العربيّة؟

 

لا يطيق بعضُ الحكّام العرب الصبرَ على انتظار ابتلاع الشعوب "كبسولةَ" التطبيع للشفاء من "مرض" الكرامة المزمن. ولهذه الغاية، لا بدّ من وضع آلتهم الإعلاميّة الجبّارة في خدمة ذلك الهدف "النبيل." هكذا استيقظ القومُ في أبو ظبي فجأةً، هذا العامَ، على شخصيّةٍ تاريخيّةٍ تُدعى محيي الدين ابن عربي (1165 - 1240) وقرّروا تقديمَ مسلسلٍ تلفزيونيّ عنها، ولسانُ حالهم: "الشيخُ الأكبر" رمزٌ للانفتاح والحكمة وقبولِ الآخر، فلماذا لا نستعيدُ سيرتَه التي ألهمتْنا المضيَّ قدُمًا نحو "سلام الشجعان"؟ والمسلسل عنوانُه: مقامات العشق، من كتابة محمد البطوش، وإخراج أحمد إبراهيم أحمد، وبطولة مصطفى الخاني ويوسف الخال (2019).

بديهيٌّ القولُ إنّ من حق أيّ أمّةٍ أو دولة أو جماعة جعْلَ الفنّ سلاحًا تدافع به عن قضاياها التي ترى أنّها محقّة... لكنْ شرطَ ألّا يكون ذلك عن طريق الخداع والتزوير والانتقائيّة. فهل توافر هذا الشرطُ هنا؟ أمْ أنّ التجارب السابقة تثبت العكس؟

السلام ليس خيارًا حكيمًا دومًا. و"الحكمة" التي أملتْ ذلك الخيارَ تقتضي، هي ذاتُها، الحربَ على جبهاتٍ أخرى. لذا كان البحثُ في العام الماضي عن شخصيّةٍ مغايرةٍ تمامًا، مع الاعتماد دائمًا على الكاتب نفسه (الأردنيّ محمد البطوش). يومَها، وُفّقتْ "أبو ظبي للإعلام" في العثور على شخصيّةٍ تاريخيّةٍ أخرى، لم تدخلْ حربًا إلّا انتصرتْ فيها. فلم تجد المحطّةُ ضيرًا في إقحامها في الحرب المفتوحةِ على قطر، والمستترةِ مع عُمان، والباردةِ مع إيران. والشخصيّة هي المهلّب بن أبي صفرة الأزديّ.

والمهلّب هو "فارسٌ من دبا،" كما يُطلق عليه صنّاعُ المسلسل.[1] ولكنّ دبا التاريخيّة تنقسم اليوم إلى ثلاثة أجزاء: دبا الفُجيْرة، التابعة لإمارة الفُجيْرة؛ ودبا الحصن، التابعة لإمارة الشارقة في دولة الإمارات العربيّة المتحدة؛ ودبا البيعة (أو ولاية دبا)، التابعة لمحافظة مسندم في سلطنة عُمان. ولم يسبقْ أن نسب أحدٌ تلك الشخصيّةَ الجدليّة، صاحبةَ التاريخ الحافل، إلى غيرِ عُمان. وهكذا اشتعل الخلافُ بين الجارتيْن قبل عرض المسلسل، الذي استبقته السلطنةُ بعقْد ندوةٍ تاريخيّةٍ لإثبات أحقيّتِها في نسبة ذلك القائد إليها ورفضها "سرقَتَه"؟                                                       

لا ينفي المسلسلُ الحقيقةَ التاريخيّةَ المعروفة عن كون الجغرافيا العُمانيّة هي الموطنَ التاريخيَّ للخوارج، انطلاقًا من حادثة إعلان "لقيط بن مالك" نفسَه ملكًا على الأزديّين، وتمرّدِه على الخليفة أبي بكر الصدّيق، ورفضِه دفعَ الجزية إلى بيت مال المسلمين، معلنًا أنّ الزكاة في عرفه هي ذهابُ مال أغنياء الأزد إلى فقرائهم، وصولًا إلى قيام الخوارج في وجه عليّ بن أبي طالب بعد معركة صفّين، رفضًا لتحكيم عَمْرو بن العاص وأبي موسى الأشعريّ. ومعلوم أنّ ثمَّة رأيًا عامًّا خليجيًّا لا يمكن تجاهلُه، وإنْ لم يرتقِ إلى مرتبة الموقف الرسميّ المعلن، يقوم على الربط بين أمرين:

- "وسطيّةِ" عُمان اليوم، وتمايزِها عن "أشقّائها" في مجلس التعاون، وذلك في مقاربة ملفّاتٍ كثيرةٍ (ليس بينها ملفُّ التطبيع مع العدوّ الإسرائيليّ للأسف).

- واستقلاليّتِها في أغلب المراحل التاريخيّة، منذ عهد الخلفاء الراشدين وصولًا إلى الحقبتيْن الأمويّة والعبّاسيّة، مع التنظير للأمر كأنّه سياقٌ تاريخيٌّ واحد، حافلٌ بشقّ عصا الطاعة، والخروجِ على وليّ الأمر، والخروجِ تاليًا من الإسلام.

غير أنّ ثمّة التباسًا هنا بين المنطقيْن لم يتكفّلْ أحدٌ بشرحه. وهو التباسٌ لا حلَّ له إلّا بالتنازل عن إماراتيّة المهلّب، أو عُمانيّة لقيط! فهل يستقيم أن يَخرج "ظالم" الحكيم، وابنُه الشجاعُ والمحنّك "المهلّب،" و"لقيط" المتمرّدُ الذي أخذته العزّةُ بالإثم، ومَن أتى بعده من الخوارج، من بطن قبيلةٍ واحدةٍ وأصلٍ واحد وبقعةٍ جغرافيَّةٍ محدَّدة، وفي زمانٍ واحد، وبَعد هذا يكون الأوَّلُ إماراتيًّا والثاني عُمانيًّا؟!

المهلّب هو "فارسٌ من دبا،" كما يُطلق عليه صنّاعُ المسلسل

وليس معلومًا إنْ كان اختيارُ قطريّ بن الفُجاءة، دون غيره من أعلام الخوارج، ليكون الشخصيّةَ الثانيةَ في المسلسل من حيث الأهميّة بعد المهلّب ناجمًا عن صداقةٍ حقيقيّةٍ وطيدة ربطتْ بين الرجلين فعلًا، قبل أن تفرّقَهما السياسةُ لاحقًا، أو هو مجرّدُ رسالةٍ سياسيّةٍ أخرى أراد صنّاعُ المسلسل توجيهَها. فثمّة رأيٌ يعتبر أنّ قطريّ بن الفُجاءة هو اسمُ الرجل، يقابله رأيٌ آخر يعتبر أنّه لقبٌ ناتجٌ من مولده في موضعٍ بين البحرين وعُمان يقال له "الأعدان" (وهي اليوم "المعدان") الواقعة شمال دولة قطر. ويغدو سوءُ الظنّ مبرَّرًا حين نعرف أنّ قطريًّا أخذتْه العزّةُ بالأثم، هو أيضًا، حين اعتبر نفسَه أشجعَ فرسان العرب وأشعرَهم. ولا يتبقّى أمام المُشاهِد سوى المفاضلة:

- بين موقف المهلّب الذي يفضِّل أن يكون في آخر جيش وليّ الأمر على أن يكون قائدًا في جيش غيره؛

- وبين امتعاض قطريّ بن الفجاءة من جعله وصديقه في مؤخّرة الجيش، وتكليفِهما إعادةَ الهاربين ومداواةَ الجرحى، وهما على ما هما عليه من البسالة والشجاعة والخبرة في فنون القتال (الحلقة التاسعة). وهذا الامتعاض سيَنتج منه خروجُ "قطريّ" في النهاية من جيش المسلمين، وانضمامُه إلى نافع بن الأزرق، مؤسّسِ الخوارج.                                                            

وكما "أتقن" صنَّاعُ المسلسل اختيارَ الشخصيّة التي تَخدم طرحَهم، فقد "أتقنوا" اختيارَ المرحلة الزمنيّة أيضًا. فمن محاسن "الصدف" أنّ الفرسَ حضروا هنا أيضًا. وقد حضروا كمعتدين، وكخطرٍ حقيقيٍّ داهم، فتصدّى بعضُ العرب "الشجعان" لمهمَّة التحضير لمواجهتهم، و"تخاذل" البعضُ الآخر. ولعلَّ هؤلاء المتخاذلين هم أنفسهم من يضايقون تاجرَيْن، يهوديًّا ونصرانيًّا (إسرائيل وأميركا مثلًا؟) لم يأتيا إلى سوق البصرة إلّا سعيًا إلى تحصيل رزقهما الحلال، فلم ينصفْهما غيرُ والد المهلّب، "ظالم بن سارق،" الذي حاضَرَ في التجّار، مذكّرًا إيَّاهم بأنّ محمّدًا وعيسى وموسى جاءوا برسالةٍ واحدة، هدًى للناس كي يهنأوا بعيشهم، ويحلَّ عليهم السلام (الحلقة الثامنة). فَيا لَمَكر التاريخ حين يعيد نفسَه؟

كما أنَّ ثمَّة التباسًا آخر لا يمكن فصلُه عن تأرجح بعض دول الخليج بين الليبراليّة، بنسختها المهجَّنة، وبين الدين، بنسخته الأكثر تشدّدًا. فمقولةُ المسلسل الأساسيّة يمكن استخلاصُها من "محاضرات" ظالم بن سارق، الذي لا ينفكّ على امتداد حلقات المسلسل يهجو الحروبَ، وينتقد الدعوةَ إلى الإسلام بحدّ السيف، ويدعو إلى إعمال العقل وتكريسِ قيم التسامح والتعايش؛ في حين أنّ المسلسل قائمٌ أصلًا على تمجيد قائدٍ عسكريٍّ عُرِفَ ببطشه وقسوته. فهل يريدنا صنّاعُ المسلسل أن نعتنق الإسلامَ على مذهب المهلّب، أمْ على مذهب أبيه؟ وهل هم يمتلكون أصلاً إجابةً حاسمةً على هذا السؤال؟

بيروت

[1] المهلّب بن أبي صفرة - فارس من دبا. قصَّة وسيناريو وحوار: محمد البطوش. إخراج: محمد لطفي. إنتاج: مؤسّسة أبو ظبي للإعلام (2018). تمثيل: معتصم النهار (المهلّب)، منذر رياحنة (قطَري بن الفجاءة)، خالد القيش (ظالم)، روبين عيسى (أم المهلّب)، جلال شموط (الفجاءة)، علاء قاسم (لقيط).

الملف من مجلة الآداب

November 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
27 28 29 30 31 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
عدد الزيارات
9044905

Please publish modules in offcanvas position.