أسعار المواد الغذائية المستوردة في سورية أعلى بثلاثة أضعاف أسعارها عالمياً.. والسبب الاحتكار!

هل تعلمون أن مراقبة أسعار المواد المستوردة وضبطها كفيلان بتغطية المبالغ المطلوبة لزيادة الأجور؟ لكل نوع من السلع المستوردة بضعة أشخاص يحتكرون استيرادها ويتحكمون في أسعارها في سوق يقبضون عليها من دون وجود منافسة تفرض آلية عملها تخفيضاً في الأسعار، لكن هذا لا يحصل، وما يحصل أنهم يحولون عامة الشعب إلى مستهلكين مرغمين على الشراء بتلك الأسعار الاحتكارية.

هل تعلمون أن ما تدفعونه من أسعار لقاء الحصول على المواد الغذائية المستوردة يفوق الأسعار العالمية بنحو ثلاثة أضعاف، رغم الأجور المتآكلة في سورية؟!
تظهر بيانات جمركية تتكرر دائماً في المديرية العامة للجمارك أن هناك شخصاً أو شخصين فقط يحتكران استيراد مادة السكر، ولأنها مادة محتكرة يصبح الحال أنه عندما يكون سعر طن السكر لا يتجاوز 500 دولار عالمياً، يستطيع المستورد الذي يشحن باخرة لا تقل سعتها عن 12.5 ألف طن سكر أن يحصل على تسعيرة أقل قد تصل إلى 400 دولار للطن، وكذلك الحال مع بقية المواد الغذائية التي يسيطر عليها عدد محدود جداً من الأشخاص قد لا يتجاوز 2-3 أشخاص فقط، وهذا يعني أن سعر طن الرز يتراوح بين 200- 400 دولار حسب نوعه، أي إن وسطي سعر أي كيلو رز يجب ألا يفوق 240 ليرة، في حين سعر الكيلو الجيد لا يقل عن 650 ليرة!


أضعاف
يؤكد الخبير الاقتصادي د. علي كنعان أنه إذا نظرنا للعديد من السلع الغذائية فإننا نجد الأسعار الحالية تفوق الأسعار العالمية بنحو ثلاثة أضعاف، وذلك بحجة رفع الأسعار من الشركات المصدرة الأجنبية، أو الاستيراد عن طريق المرفأ اللبناني، أو شراء الدولار من السوق السوداء بسعر يفوق تسعيرة البنك المركزي بنحو 150 ليرة.
يضيف د. كنعان أنه إذا أخذنا العوامل الثلاثة المذكورة بالحسبان نجد أنها لا ترفع السعر أكثر من 50%، وهذا يعني أن الفوارق الباقية في الأسعار هي احتكار وتحكم في السعر.

وقد أصدرت وزارة المالية مذكرة تفيد بأنه يحق للجمارك إذا شكّت في سعر سلعة معينة أن تشتري25% من الكميات المستوردة بالسعر الذي يعلن عنه المستورد عند إدخال بضائعه إلى الجمارك، لأنهم غالباً ما يضعون فواتير بأسعار مخفضة بغية التهرب من الرسوم الجمركية، كأن يضع سعر الطن من مادة ما بمبلغ 50 ألف ليرة، وهذا يعني أنه سيدفع 5 آلاف ليرة لرسوم تصل إلى 10 %، بينما يمكن أن يكون السعر 300 ألف ليرة، وعندما يطرحها في السوق الداخلية فيكون بسعر أعلى، يضيف د. كنعان أنه إذا قمنا بجردة أسعار للمواد الغذائية المستوردة نجد أنها تتقارب مع بعضها بارتفاع أسعارها المحلية عن الأسعار العالمية بنحو 2-3 أضعاف، وهذا يعني أنه تهرب من الرسوم الجمركية، ومن ثم وضع سعراً احتكارياً!


العلاج

يضيف د. كنعان أنه لعلاج مظاهر كهذه أحدثت هيئة المنافسة ومنع الاحتكار منذ 2005، وأصبحت تراقب السلع والأسعار والمستوردين والمصدرين، لكيلا يتخصص تاجر وحيد بالاستيراد أو التصدير، ويضع الأسعار الاحتكارية، ولكن على ما يبدو أن هذه الهيئة إما أنها غير مفعلة، أو أن المستوردين يُدخلون البضائع لتاجر وحيد بأسماء متعددة، وتالياً يفلتون من قبضة هيئة المنافسة ومنع الاحتكار.


ويرى د. كنعان أن الكرة تبقى في ملعب وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في البحث عن آلية تسعير، والأسعار العالمية بهدف الوصول للأسعار الحقيقية التي تتناسب مع عدالة التسعير.

وأن عدالة التسعير تعني أن يحصل المستورد على ربح يتراوح بين 10-25%، فجميع التشريعات القانونية والدينية والأخلاقية تقر بعدم تجاوز الأرباح لهذه النسبة، لأن اقتصادية الربح تشكل جزءاً من التكلفة، أما في بلادنا، وفي ظل هذه الظروف التي تمر فيها سورية فقد أصبحت التكلفة جزءاً من الربح، أي إن التاجر يستورد السلعة بنحو 100 ليرة ويبيعها بنحو 300 ليرة، وهذا يعني أننا نستطيع رفع دخول المواطنين من خلال التقيد بعدالة التسعير.


الوساطات والمحسوبيات

وعما يمنع تطبيق هذه العدالة بالتسعير، قال د. كنعان، إنها الوساطات والمحسوبيات واستخدام العلاقات الاجتماعية لتسعير منتج معين بهدف زيادة الأرباح، رغم أن جميع الأنظمة والقوانين المعمول بها تحارب احتكار الأسعار. ويدلل د. كنعان على قوله هذا بوجود كميات كبيرة من المواد المستوردة تفيض عن حاجة السوق والاستهلاك، وأن من يتجول في الأسواق يجد جبالاً هائلة من السلع الغذائية، فكيف تكون الأسعار احتكارية مع وجود الكميات الكبيرة المستوردة؟ويجيب، إن هذا يعني أن طريقة التسعير كانت غير حقيقية، وتدخلت فيها الوساطة والمحسوبيات ليخرج فيها السعر المحلي أعلى من العالمي بثلاثة أضعاف.


تخفض الدخل

وعن آثار الأسعار المرتفعة على المواطنين والاقتصاد يقول د. كنعان إنها تخفض دخول المستهلكين، والقدرة الشرائية لأصحاب الرواتب والأجور، فيصبح 80% من السكان يستهلكون ما يعادل 20% فقط.
من الآثار أيضاً ارتفاع تكاليف الصناعة الوطنية وتخفيض قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية، وكذلك تخفيض حلقات التصنيع فيما بين المنتجين وتراجع حجم الإنتاج الصناعي بدلاً من تطوره، وهذا ما نلاحظه في الوقت الحاضر من انخفاض في حجم الصناعة مقارنة بحالها لعام 2010 رغم كل التحفيز المستمر من قبل الدولة.


التنسيق

يطرح الاختصاصي الاقتصادي كنعان الحلول التالية لمن يرغب في مكافحة ظاهرة الاحتكار ويرى أن من بين الحلول المقترحة:
إحداث هيئة عليا للأسعار في سورية تهتم وتضبط وتراقب الأسعار حتى وصولها إلى المستهلك النهائي.
إطلاع الهيئة على أسعار البورصات العالمية بهدف التعرف على السعر العالمي. التنسيق بين وزارتي المالية والتجارة الداخلية والجمارك وغرف التجارة والصناعة للوصول إلى السعر العادل.

إن الأمر المعمول به هو تطبيق مقولة السعر العادل في كل الهيئات والفعاليات الاقتصادية الذي يعتمد على أن الربح هو جزء من التكلفة، وليس العكس، أي لا أن تكون التكلفة 50%، بينما الربح 300%، وهذا معمول به في الدول الرأسمالية الاحتكارية كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

يذكر أن المواد التي يستوردها التجار للاستهلاك النهائي يتم تسعيرها من قبل الجمارك ووزارة التجارة الداخلية، وذلك استناداً إلى «بوالص» الشحن، أو فواتير الشراء، وعادة تأخذ الوزارة أسعار البورصة العالمية بالحسبان عند تسعير هذه المواد.

تشرين

October 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
8574443

Please publish modules in offcanvas position.