الصفحة الرئيسية
n.png

د. بهجت سليمان: في الدّين و السّياسة.. مقدّمة نقديّة في "ثقافة" السّلطة و الدّين

[ الحلقة الخامسة والسبعون "75" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]أ بهجت سليمان في دمشق


{في الدّين، و السّياسة.. مقدّمة نقديّة في "ثقافة" السّلطة، و الدّين}


● د. بهجت سليمان


تُذكّرنا بدايةُ القرن الواحد و العشرين في "الشّرق الأوسط" بالواقع الذي كان سائداً في (أوربّا) في القرن السّادس عشر، هذا القرن الذي انحلّتْ فيه الرّوابط العائليّة و الاجتماعيّة، و انتُهِكَتْ فيه الأفكار القوميّة، و نشبَتْ فيه الحروب الدّينيّة و السّياسيّة و استبيح فيه كلُّ مُحرّمٍ من أجلِ حفنةٍ من الأمراء و الملوك.

و لأنّ "الإنسان" كائنٌ واحدٌ في كلّ زمان و مكان، له الطّبيعة المتشابهة و التّصوّرات المتقاربة و الاهتمامات و الحالات الفطريّة المتطابقة في الأمل و الألم و النّزوع إلى الحريّة و السّعادة و التّطلّع إلى تحقيق أهداف أساسيّة واحدة تتعلّق بالوجود و الدّيمومة النّسبيّة و الدّفاع عن الحياة و الحقوق،...، إلخ؛

فإنّ علينا أن ندخل إلى واقعنا مدخلاً تاريخيّاً يُقارب لنا ظروف الإنسان الغربيّ في التّاريخ، في الفكر و الفلسفة و السّياسة، لنكون على دراية مقارنَة و نقديّة لظروفنا الرّاهنة، من جهة أنّنا محكومون ببعض "الحتميّات التّاريخيّة" المتعلّقة بالوعي الإنسانيّ و ظروف تغيير الواقع، نحو ما يُقرّره العقل و المنطق البسيط أنّه الأفضلُ و الأكثر ضرورة و مستقبليّة، بدلاً من أن نتردّد في وعينا القاصر الذي أدّى إلى ما نحن فيه، اليوم، من جحيم هذه الحرب الشّعواء؛

هذا و لا نرمي، أكيداً، إلى استنساخ تجارب الآخرين، و هذا ما أكدناه مراراً، و لا داعي للخوض، ثانية، فيه.

لا ينفصلُ تاريخ العالم. إنّ أيّ حدثٍ في الزّمان الإنسانيّ، أينما كان، و متى كان، إنّما هو، في المحصّلة، حدثٌ يعمّ العالم بطريقة أو بأخرى؛

و من هنا كان علينا، عندما نريد تفسير محيطنا و واقعنا و حاضرنا، بما في ذلك مشكلاتنا و معاناتنا المعاصرة، أن نعود دوماً إلى التّاريخ لاستنطاقه، باعتبار أنّ المؤثّرات المتواترة و المتراكمة في الواقع الذي نعيشه، هي مؤثّرات عالميّة، بالدّرجة الأولى، لأنّ كلّ ما نعيشه اليومَ من أحداث هو نتاجٌ تاريخيّ للقوّة العالميّة و العنف الإنسانيّ.

يُجمع مؤرّخو الأحداث و العالَم على أنّ تاريخ الاحتلال التّركيّ للقسطنطينيّة في عام (1453م) ، كان بداية الانتقال من "العصر الوسيط" (القرون الوسطى) إلى "العصر الحديث"، حيث انهارت "الإمبراطوريّة البيزنطيّة"، و هاجر مشاهيرها و فنّانوها و أدباؤها و علماؤها إلى (إيطاليا) ليبدأ ، هناك ، في مدن (إيطاليا) المجزّأة ، "عصر النّهضة" الأوروبّيّ ، عصر الأحاسيس و الرّومانسيّات و الفنون البصريّة التّقليديّة كالرّسم و النّحت و الأدب و العلم و السّياسة..
مع ما رافق ذلك من "انفلات شخصيّ" و رفض للقيود الموضوعيّة في العالم ، الأمر الذي جعله عصراً "متهتّكاً" و "مُجُونيّاً" إلى حدّ كبير بالنّسبة إلى القيم الأخلاقيّة المسيحيّة بخاصّة و مطاليبها "الأخلاقيّة" المتشدّدة؛

و الذي انتهى ، في رأينا ، إلى "الإصلاح الدّينيّ" في ( أوربّا ) في أوائل القرن السّادس عشر الذي جاء به (مارتن لوثر) (1483- 1546م) ، في عام (1517م) و أعلن عنه في رسالته الشّهيرة التي تضمّنت ، بشكل خاصّ ، نقد الكنيسة الكاثوليكيّة و "لاهوت التّحرير" ؛

هذا على رغم أنّ "الانقلاب" على "القديم" بدأ منذ القرن الرّابع عشر ، فلم ينقضِ هذا "القرن" حتّى كانت "الفلسفة الإسميّة" قد ظهرت لتواجه "الفلسفة السكولائيّة" (السّكولاستيكيّة) ، المدرسيّة ، التي كانت تمثّل "علم الكلام" الكنسيّ الكاثوليكيّ و تعاليمه النّقليّة التّلقينيّة ، و تحطيم "العلم" الطّبيعيّ "الأرسطيّ" ، و تمرّد "الأمراء" على السّلطة "البابويّة" ، و ظهور "الإقطاعات" الأولى التي أسّست للعصر الإقطاعيّ الأوروبيّ .

توجّه القرن السّابع عشر الأوربّي نحو الاتّجاه العقليّ و "نقد التّراث" و تحرير العقلانيّة من كوابحها و قيودها الدّينيّة . و لقد رافق ذلك ظهور "الفلسفة الطّبيعيّة" أو ما سمّي "الفلسفة الإنسانيّة" التي تطوّرت بسرعة كبيرة إلى "المذهب الإنسانيّ" الذي سارع بالقطيعة مع "الدّين" و الهجوم على "السّكولائيّة" و طريقة فهمها للعالَم ، و تقويض جميع مرتكزات "ثقافة" العصر الوسيط .

عندما استقلّت الفلسفة عن الدّين صار بالإمكان أن تتطوّر الفلسفة باتّجاه مشكلات الواقع و الإنسان ؛ و من هنا انتقلت (أوربّا) إلى "عصر الأنوار" مع (لوك) و (هوبز) و (مونتسكيو) و (روسّو) و آخرين ؛

و ظهرت النّزعة "الإنسانيّة" (الحداثة) في الأدب و الفنّ و السّياسة ، و كان ذلك أن تجلّى كلّه في "الثّورة" البورجوازيّة الفرنسيّة (1789م) ، في قطيعة تاريخيّة عزّزت معطيات "الثّورة الصّناعيّة" في (إنكلترا) التي فجّرها اكتشاف و صناعة "الآلة البخاريّة" (1784م) ؛

ثمّ "الثّورة الصّناعيّة الثّانية" في (أوربّا الغربيّة) عندما تم استخدام الطّاقة الكهربائيّة في "الإتّصال" و "المواصلات" و "الإنتاج" عام (1870م) .

في هذا الغمار بدأت "الفلسفة" تُعنى ، أكثرَ فأكثر ، بالمشكلات الإنسانيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة ، و بشكل أقلّ بالمشكلات الأخلاقيّة المتّصلة ، على الأغلب ، بالميتافيزياء ؛
غير أنّ "الميتافيزياء" توجّهتْ إلى طرح "مشكلات أساسيّة" هي من صلب جوهر "الإبستمولوجيا" من مثل "معرفة ما هو كائن" ، إذ لا تنفصل "الإبستمولوجيا" عن "الميتافيزياء" .

[ انظر : ريتشارد شاخت . رواد الفلسفة الحديثة . ترجمة د. أحمد حمدي محمود . الهيئة المصريّة العامّة للكتاب"]

في هذه الفترة التي بدأ معها ما يُسمّى في (أوربّا) "العصر الحديث" ظهرت أفكار و مؤلّفات مباينة للماضي ، بدأت مع (ديكارت) (1596- 1650م) الذي بحث في طبيعة الله و العالم و الأشياء و الكائن و الامتداد و المادّة و العقل و الجسم .

كانت هذه البحوث و الاهتمامات ، بطبيعتها ، ذات طابع "ثوريّ" في الفكر الإنسانيّ الحديث .
بعده ، بحث (ليبنتز) (1646- 1716م) الذي يُعتبر "واحداً من الأفذاذ بالعقل الفلسفيّ في تاريخ الفلسفة برمّته" ، في أمور مستقبليّة و غريبة عن عصره ، فأفاض في "منطقه" حتّى وصل إلى "نظريّة الكومبيوتر" و "إنشاء لغة مثاليّة" للتّفاهم العالميّ ، و انشغل ببحوث "تطوّر العلوم" ، و ببحوث في "الحقائق" ، و في "الله" و "العالَم" .

[ المصدر : ص(55- 56) ]و

من المعاصرين لزمن المقدّمات الحداثيّة الكبيرة كان (اسبينوزا) (1632- 1677م) ، عملاق الجرأة في التّفكير ، و الذي اكتسب شهرته ، كيهوديّ ، في أنّه واحد من "الهراطقة" و "الملحدين" ؛
حيث كان له تأليفه كتاب "الأخلاق" "الذي يُعتبر من أبرز الأنساق الميتافيزيقيّة في تاريخ الفلسفة عن بكرة أبيه" ، مع أنّه كان صاحب "نزعة وجوديّة" تجنح نحو الكآبة الفلسفيّة المعروفة عند الوجوديين .

[ المصدر : ص(85)] .

عاصر ذلك الزّمن (لوك) (1632- 1704م) الذي لم يكن لوذعيّاً أمام أفكار (ليبنتز) و (اسبينوزا) ، حيث بالغ (لوك) بتواضعه ، و لكنّه ادّعى ، في مواجهة هؤلاء "العقلانيين" بأنّ جميع أفكارنا ليست سوى انطباعات بسيطة للإحساسات الخارجيّة و الدّاخليّة على السّواء ، ممهّداً لِ(بركلي) الطّريق .

توجّه (لوك) ، أساساً ، إلى "الإبستمولوجيا" ، حيث قال في مؤلّفه الأشهر "المقال" ، "إنّ غرضي [هو] البحث في أصل المعرفة الإنسانيّة و يقينها و مداها ، إلى جانب مسائل كالاعتقاد و الظّنّ و التّصديق ، و درجاتها" .

[ المصدر : ص(123)] .

في هذا المناخ و في العصر نفسه ظهر (بركلي) بفلسفة تعتبر نقيضاً لفلسفات العقلانيين الكبار ، السّائدة ، فيما رفض وجود أيّ عالم خارجيّ بمعزل عن الأحاسيس و المشاعر .

في جميع الأحوال فإنّه يهمّنا أيضاً كيف نظر "الآخر" إلينا –كمسلمين – لأنّ "الآخر" ، في الكثير من الأحوال ، يشكّل مرآة للذّات ، إن لم يكن هذا الأمر من الأمور الدّائمة التي علينا التّبصّر فيها و الوقوف عندها عندما ننظر إلى أنفسنا في معايير العالم .

نظر (سبينوزا) إلى "المسلمين" – و ربّما كان ينظر في ذلك إلى "الأتراك" كإمبراطوريّة عالميّة – في صورة هي أقرب إلى الطّغيان الفكريّ و التّعصّب الجاهل ، و اضطهاد المؤمنين ، و سيادة الأحكام السّابقة ، و الوقوع في الخرافة .

يقول (د. حسن حنفي) في تقديمه لترجمته لكتاب (سبينوزا) "رسالة في الّلاهوت و السّياسة" ، "إنّ القصد من الوقوف على آراء (سبينوزا) في الإسلام و المسلمين ، إنّما هو الوقوف على إثبات المشكلات المشتركة ، و الحلول المشابهة التي قدّمها سبينوزا و الفلاسفة المسلمون ، (...) فقد تكون هناك مواقف فكريّة واحدة للفكر الحرّ بالنّسبة للدّين ، أو قد تكون هناك أبنية واحدة للنّصّ الدّينيّ أيّاً كان ، يستطيع كلّ مفسّر أن يصل إليها" .

[ اسبينوزا . رسالة في الّلاهوت و السّياسة . ترجمة و تقديم : د. حسن حنفي . مراجعة : د. فؤاد زكريا . دار التّنوير للطباعة و النشر و التوزيع . بيروت . الطبعة الأولى – 2005م . ص(7- 8)] .

كان ( سبينوزا) سابقاً على (كانط) و (هيجل) (..) في تحديد الصّلة بين الفكر و الواقع ، أو بين الدّين و الدّولة ، أو بين مهمّة المفكّر و مهمّة السّياسيّ ، في حين أنّ (مالبرانش) اقتصر على التّبشير بالمسيحيّة حتّى حدود (الصّين) ، و أن (باسكال) رضي بملكوت السّماوات و رفض ملكوت الأرض كما فعل (أوغسطين) من قبل ، و أنّ (ليبنتز) قدّم مشروعاً لغزو (مصر) باعتبارها نقطة الالتقاء بين الشّرق و الغرب ، أي أنّها "الرّابطة الجوهريّة" التي يبحث عنها (ليبنتز) في حساب التّفاضل و التّكامل و في حساب الاحتمالات" .

[ المصدر : ص(11)] .

بالمقارنة مع (ديكارت) المهادن لسلطة الكنيسة البابويّة ، كان (سبينوزا) "مارقاً" و عدوّاً للسّلطات و الدّين ما عرّضه لمحاولات اغتيال عديدة و متكرّرة .

يقول (سبينوزا) : " إنّ حرّيّة التّفلسف لا تمثّل خطراً على التّقوى أو على سلامة الدّولة ، بل ىإنّ القضاء عليها [هو] قضاء على سلامة الدّولة و على التّقوى ذاتها في آن واحد" .

[ المصدر : ص(107)] .

إنّ النّاس ، و فق (سبينوزا) ، لا يعرفون حقيقة الدّين ، و هُمْ بدلاً منها يؤمنون بالخرافة ، و هذا الشّأن هو الشّأن نفسه في معظم أو هام النّفس و دوافع الجنون الشّديد .

[ راجع ، المصدر : ص(108- 110) ] .

و يقول (سبينوزا) : "لم تنجح إجراءات الخرافة و جنون الدّين بقدر ما نجحت عند المسلمين ، حيث تُعدّ المناقشة اليسيرة كفراً و حيث تطغى الأحكام السّابقة على الحكم الصّحيح ، و حيث لا يمكن للعقل السّليم أن يُدلي برأي أو أن يُبدي مجرّد شكّ بسيط" .

[ المصدر : ص(111)] .

من وجهة نظر أخرى ، أكثر عدالة ، يمكننا أن نقف على رأي أحد علماء الأديان في العالم ، البروفيسور و النّاسك الرّوحيّ (د. هوستن سميث) ، يقارب فيه الوضع التّاريخيّ و السّياسيّ للإسلام في العالم فيقول :

" كان الإسلام و أوربّا ، في الأربعة عشر قرناً الماضية ، عدوّين و في حالة حرب . و نادراً ما تكون لدى الشّعوب صورة عادلة و منصفة عن أعدائها" .

[ أديان العالم . تأليف البروفيسور و النّاسك الرّوحيّ د. هوستن سميث . تعريب و تقديم سعد رستم . دار الجسور الثّقافيّة . الطّبعة الثّالثة . حلب – 2007م . ص(465)] .

نحن نعتدّ أكثرَ بالمبكّرين جدّاً الأوائل في تاريخ الفكر العالميّ الحرّالحديث الذين كان لهم موقف فكريّ صريح و جريء ، عقلانيّ و متحرّر ، على رغم ظروفهم الإنسانيّة "الخائفة" و معاناتهم من الاضطهاد و التّمييز الاجتماعيّ و الدّينيّ و السّياسيّ ، إذ بَدَوا ، على حقيقتهم ، أبطالاً ، فيما لا يبدو ذلك ، اليومَ ، على أدعياء الفكر ، عندنا و عند الغرب ، من أصحاب الوجاهة الاجتماعيّة و الأكاديميّة و السّياسيّة ، و التّأثير .

إنّنا نعتقد بأنّ من سبقونا ، في العالم ، نحو اغتنام معطيات الحضارة المعاصرة و الإسهام في صناعتها ، هم من الأوائل الذين يُقتدى بهم ، عند الأفراد و المجتماعت و الدّول ؛

ذلك لأنّ معرفة الحقائق ، بمعزل عن إمكانيّة ممارستها و الظّروف المانعة أو المساعدة في ذلك ، هو ، في حدّ ذاته ، عملٌ متجاوزٌ يخضع إلى آليّات التّطوّر الموضوعيّة ، و لو أنّه واجه "المقاومة" المتوقّعة من قبل قوى واسعة و ذات سطوة محدودة أو محدّدة في مجتمعنا المتردّد .

يقول (اسبينوزا) ، أحد عمالقة فلاسفة الفكر الحرّ في التّاريخ :

" عندما قلتُ إنّ لأصحاب السّلطة الحقّ في تنظيم كلّ شيء و إنّ كلّ قانون رهن بإرادتهم ، لم أكن أعني القانون المدنيّ وحده ، بل كنت أعني أيضاً القانون المتعلّق بالشّؤون الدّينيّة ، الذي ينبغي أن يكونوا هم أيضاً المفسّرين له و المدافعين عنه .

"(...) إنّ الكثيرين من "الكتّاب" ممّن رفضوا الاعتراف للسّلطة العليا الحاكمة ، بحقّها في تنظيم الشّؤون الدّينيّة ، و أبَوا عليها حقّها في تفسير "القانون المقدّس" ، (...) إنّما بَذَروا عناصر الفرقة في الدّولة ، بل و كانوا يبحثون عن وسيلة للاستيلاء على السّلطة .

" إنّ الدّين لا تكون له قوّة القانون إلّا بإرادة من هم لهم الحقّ في الحكم ، و أنّه ليس هناك حكم خاصّ يمارسه الله على البشر و يتميّز عن ذلك التي تمارسه السّلطة السّياسيّة ، و أنّ ممارسة العبادات الشّرعيّة و أفعال التّقوى الظّاهرة يجب أن تتّفق مع سلامة الدّولة و مصلحتها ؛ (...)

" إنّ العمل بقانون الله هو العمل بالعدل و الإحسان تنفيذاً لأوامر الله . و ينتج عن ذلك أنّ الحكم الإلهيّ بقوم عندما يأخذ العمل بالعدل و الإحسان قوّة القانون و الأمر . (...) و العدل و الإحسان لا يأخذان قوّة القانون و الأمر إلّا بحقّ الدّولة . (...)

" إنّ الدّين لا يكتسب قوّة القانون إلّا بإرادة من لهم الحقّ في الحكم ، و إنّ الله لا يُباشر حكماً خاصّاً على البشر إلّا بواسطة أصحاب السّلطة السّياسيّة" .

[ اسبينوزا . رسالة في الّلاهوت و السّياسة . ترجمة و تقديم : د. حسن حنفي . مصدر مذكور آنفاً . ص. ص(420- 425)] .

و يقول :

" لاشكّ أنّ الحبّ المقدّس للوطن هو أسمى صورة للشّعور بالتّقوى يستطيع إنسان أن يُظهرها . فلو زالت الدّولة لكان معنى ذلك زوال كلّ شيء خيّر ، و ضياع الأمن في كلّ مكان ، و لانتشر الرّعب و الفسوق ، و عمّ الفزع في كلّ مكان" .

[ المصدر : ص(425)] .

لا أظنّ إلّا أنّ (سبينوزا) يتكلّم على قانون تاريخيّ مدنيّ و إنسانيّ صالح في جميع التّاريخ الماضي ، و صالح في عصرنا ، أقلّه ، حتّى هذا الحين .

و من المفيد تكرار مؤدّى سياق فكرة عند (سبينوزا) ، و هي أنّ أمر تنظيم شؤون الدّين في الدّولة ، يجبّ ألّا يُفوّضَ إلى موظّفين حكوميين ، مهما علت رتبهم و مناضبهم ، و لكنّه هو من اختصاص "السّلطة السّياسيّة" التي تُشير هنا إلى آليّات السّيادة .

و إذا كان "مفهوم الدّين هو إظهار مفهوم الإنسان لنفسه" (فيورباخ . أصل الدّين) ؛ فإنّ ما يستجدّ معنا ، في نقدنا لسلطة الدّين الثّقافيّة ، في (سورية) ، هو أنّ "الممارسات الدّينيّة" الرّسميّة ، المؤسّسيّة ، تُظهر تفاوتاً كبيراً ، مقصوداً و خطيراً ، في استقلال المؤسّسة الدّينيّة في أحكامها و ممارساتها و ما يترتّب على ذلك من تمايز اجتماعيّ تاريخيّ ، ثقافيّ و سياسيّ ، بين الدّين و الدّولة ، لمؤسّسة الدّين في الدّولة ، تمايزاً يجعل من الدّولة خادمة مباشرة للدّين ؛

مع أنّ الحقيقة يجب أن تكون في أن يُمثّل "الدّين" خادماً للدّولة و الشّعب و المجتمع و الأفراد ، و ذلك بما يُوفّره للدّولة من أدوات لتّنفيذ "أوامر الله" ، بدلاً من تسخير الدّولة من أجل فائدة "المؤسّسة الدّينيّة" ، السّياسيّة ، التي تستقلّ أكثر فأكثر عن هموم المجتمع و الدّولة و الأفراد في "مشروع" مُريب .

و عندما نطرح المبدأ العلمانيّ القائل بفصل الدّين عن الدّولة ، فإنّما نهدف إلى تأكيد هذه الممارسة ، بحيث يكون قرار السّيادة محتضناً الدّين ، كلّ الأديان ، لا أن يكون الدّين محتضناً أو مستغرِقاً للدّولة ، و ذلك في أيّ جانب سياسيّ سياديّ .

يُرتّب هذا الحديث أموراً عديدة تتعلّق بنقد "المؤسّسة" الدّينيّة السّياسيّة التّاريخيّة ، بما في ذلك تسلّط "الدّين" على مبادئ الحياة الاجتماعيّة العامّة ، إذ أنّ في انهيار الاجتماعيّ الثّقافيّ تبدّداً للسّياسيّ ، و ذلك مهما اعتقدت السّلطة ، الدّولة ، غير ذلك .

في تاريخنا الثّقافيّ العربيّ – الإسلاميّ ،عادةً ما كان يجري الهروب من قضايا الفكر الفلسفيّة و فقه العالَم إلى "علم الكلام" الذي اعتبر شبيهاً بالفلسفة أو المنطق ، و اجتهادات أهل "الشّرع" ، على تموضعهم الأيديولوجيّ ، باستثناء قلّة من الفلاسفة المتنوّرين في تاريخنا ، و الذي جرى التّعتيم عليهم في وسائل الثّقافة و التّربية و التّعليم و الإعلام و ما إلى ذلك .. ، حتّى النّهاية .

يتربّى الفرد في مجتمعنا و يتعلّم حتّى المرحلة الثّانويّة العالية ، و لا يسمع بفلاسفة و مفكرين عرب – مسلمين أمثال (الكندي) و (إبن رشد) و (الفارابي) و (إبن سينا) ، بل و حتّى (الجاحظ) [المعتزليّ] على رغم أنّه صاحب فكر يمثّل قراءة "المعتزلة" للإسلام و قضايا الإيمان و العبادة ، كفرقة إسلاميّة خرجت خارج "السّرب" ؛

أو (إبن المقفّع) أو (أبو الفرج الأصفهانيّ) أو (إبن خالكان) أو (إبن الرّاوندي) أو (جابر بن حيّان) و (إبن باجة) ، و شاعر الفلاسفة و فيلسوف الشّعراء (أبو العلاء المعرّيّ) ؛

حيث اتّهم ، أغلبهم إن لم يكونوا كلّهم ، بالإلحاد و الزّندقة ،هذه الصّفة التي كانت يوصم بها كلّ صاحب تفكير متنوّر و عقلانيّ يُخالف شرع السّلاطين و نسق التّدجين المعمول به في سياسات "الخلافات" .

من المفارقات المؤسفة في تاريخنا المنكوب بأمثاله أن يُفوّضَ (إبن تيميّة) "الوهابيّ النّجيب"(!) بتقرير "صحة أصول مذهب أهل المدينة" و "ضبط علوم الشّريعة في الإمامة و الدّيانة" و عند "أئمّة علماء الأمصار .. من سائر الأعصار" .

[ انظر كتابه الموسوم بِ"مجموع فتاوى (إبن تيميّة)"] .

و لعلّك واجدٌ في هذا "الأثر" أفظع فنون الكذب و النّفاق عن النّبيّ العربي (محمّد بن عبد الله) ، معتمداً في ذلك أضعف الرّوايات المأخوذة عن طغاةٍ في "الإسلام" ، حتّى أنّه قام بِ"تفقيهِ" (سعد بن أبي وقاص) ، بمفعولٍ رجعيّ جدّاً .. ، مع أنّ حادثة صحيحة الرّواية ، واحدة ، لم تثبت على "فقه" (الوقاص) ؛ هذا ، مع أنّ أوثق مصادره (إبن تيميّة) هي عن ذلك المحدّث المشبوه المعروف بِ(أبو هريرة) .

[ انظر : المصدر أعلاه ، و بخاصّة ص(25- 26)] .

غاضتْ روح الإسلام الثّوريّة المؤمنة باكراً جدّاً بعد الدّعوة المحمّديّة الشّريفة ، في مغاور العصبيّة القبليّة و شهوة السّلطة و العودة إلى طواغيت الجاهليّة ، و ما كان لذلك إلّا أن يترك أثره المباشر في بنيةٍ دنيويّة متطرّفة أخذت شكل التّحزّب الدّينيّ – السّياسيّ بين "أبناء الدّين الواحد" ؛

و لأوّل مرّة يكتسب "الاجتماع" العربيّ تضمّنه للفكر السّياسيّ الإسلاميّ ، بغضّ النّظر عن قيمته ، أو قيمة أفكار أطرافه العديدة ، بعد أن كان هذا الفكر في "الجاهليّة" جنينيّاً و محدوداً و ملحقاً و تابعاً يقوم على الثّأر المباشر و لوازم ذلك الوضع من تبعيّات متنافسة و مختلفة للأجنبيّ .

و إذا كانت الفرقة و الانشقاقات الفكريّة الحادّة و المسلّحة قد ظهرت مبكّراً في تاريخ الإسلام ، و أعني بها ، بخاصّة ، حروب الدّين التي قامت بعد غياب رسول الله السّيّد محمّد ، فإنّ هنالك ظاهرة أخرى جديرة بالتّفهّم لها و التّركيز عليها ، إذ أنّ لها اتّصالاً مباشراً بحاضرنا الثّقافيّ السّياسيّ اليوم .

فلقد "ظهرت العداوة من بدعة تعيين وليّ العهد و حصر الخلافة في بيت واحد ، كما تفشّت أمراض المنافسة و الحقد بين أفراد البيت الأمويّ، و لقيت المؤامرات في "البلاط" أرضها الخصيبة (...) و ما لبثت تلك الأوضاع أن تطوّرت بسبب الاضطرابات التي أحدثتها الفرق السّياسيّة و العقائديّة في الإسلام" .

[ انظر : الفكر السّياسيّ في الإسلام . تأليف د. محمود أيوب الشناوي . مركز الكتاب للنّشر . القاهرة . الطّبعة الأولى – 2006م . ص(76)] ؛

و هذا على رغم التّحيّز الفاضح ، للقبليّة القرشيّة ، الذي يسلكه مؤلف هذا الكتاب ، و اعتماده في تعريفاته للسّلطة و الدّولة و الإمامة .. ، و الغلبة ، إلخ ، على مؤلّف وحيد تقريباً هو (إبن خلدون) الذي كانت فيه "العقائديّة" الصّريحة في "المقدّمة" تُبعده عن النّزاهة في رواية تاريخ الإسلام بالحجّة و الدّليل و البحث عن "الحقيقة" المجرّدة .

كان لِ"الحديث" دورٌ هامٌ في تاريخ النّزاعات الإسلاميّة ، حتّى أنّ مستشرقاً هو (شيريل بينارد) قد دعا هذا الواقع بما سمّاه "حروب الحديث" .

يقول : "و منذ الأيّام الأولى للإسلام تقريباً ، كان أصحاب الآراء المتعارضة يصوغون آراءهم و تفسيراتهم استناداً إلى الحديث النّبويّ في المقام الأوّل .
"و مع هذا فلا يمكن أن يكون الحديث في نهاية الأمر أكثر من أداة تكتيكيّة ثانويّة ، و ذلك لأسباب عدّة ، فَ"الحديث" لا يُقدّم رأياً حاسماً في أيّة قضيّة ، إذ هو يتّسع لكلّ الآراء المتعارضة تعارضاً تامّاً في شرعيّة متساوية" .

[ انظر : الإسلام الدّيموقراطيّ المدنيّ . شيريل بينارد . نقله إلى العربيّة (إبراهيم معوّض) . تنوير للنشر و الإعلام . مصر . الطّبعة الأولى – 2013م . ص(97)] .

و إذا كان هذا هو رأي "المستشرق" ، فإنّه رأيٌ مغالِطٌ بوضوح ؛

إذ لا يُمكن للحديث "النّبويّ" أن يكون داعماً لجميع تيارات الاختلاف الإسلاميّ ، باعتبار أنّه لا يَصِحّ ولا يليق بِ"الرّسول" هذا الكمّ الهائل من التّناقض السّياسيّ المتناسب مع الاختلافات و الخلافات و الشّقاقات الإسلاميّة السّياسيّة العميقة ؛

و إنّما لم يُدرك هذا "المستشرق" واقع انتحال الأحاديث و تزوير كلام "الرّسول" ، و اختراع "السّلطة" السّياسيّة ، أو السّلطات السّياسيّة المتعاقبة ، ما يُناسبها من رواة للحديث و من مرويّات للحديث ، الأمر الذي طغى على الحقيقة المحمّديّة في إهاب "الحديث" ، المزعوم .

معروف لدى الجميع كيف كانت الظّروف القاسية التي أحاطت بالدّعوة المحمّديّة في (مكة) من قبل القرشيين ، و كيف كان لهذا الأمر تبعاته الباقية أبداً في التّاريخ الإسلاميّ الّلاحق ، و بخاصّة ، على "التّحزبيّة" الإسلاميّة التي ضحّت بحقيقة العقيدة الإسلاميّة و أهدافها الأولى و أسباب الوحي .. ؛

و كان لصلح الحديبيّة المعروف (627م) ، دورٌ أساسيٌ في بدء المعاناة السّياسيّة للنّبيّ العربي محمّد ، هذا إذا اعتبرنا أن هجرته إلى "يثرب" (المدينة ، في ما بعد) ، في (621 أو 622م) ، كانا لدواعٍ أمنيّة لاستقرار و نموّ و أمان و متانة و سلامة دعوته .

يقف التّاريخ مذهولاً أمام وفاة النّبيّ الأعظم ؛ فيما انصرف (عليّ بن أبي طالب) إلى تسجيَةِ رسول الله ، كانت السّياسة تعقد رايتها في "اجتماع السّقيفة" .

لا نهدف من وراء هذه السّرديّة المعروفة للجميع ، اليوم ، أن ننكأ ذاكرة الماضي من جديد ، بقدر ما هو في أملنا أن نكون قادرين على تلمّس الخيط الأركيولوجيّ السّياسيّ الممتدّ منذ عهد النّبي محمّد ، في الإسلام السّياسيّ الذي لم يُبارح الطّامعون بالسّلطة من شَدَّهِ إلى الماضي ، في وجه المعاصرة السّياسيّة الّلادينيّة التي يطمح إليها المجتمع و الدّولة ، للّحاق بركب الحضارة ضدّ ثقافة الهيمنة التي تفتّ من عضد المؤسّسة الاجتماعيّة و السّياسيّة ، حتّى اليوم ، و تخرّب البنية الثّقافيّة للسّلطة و الأفراد و السّياسة في إطار المفاعيل الرّجعيّة للفكر السّياسيّ الإسلاميّ ، الذي ظهرت نزوعاته ، باكراً ، مع غياب الرّسول و التحاقه بالرّفيق الأعلى ، و انفلات العصبيّة القبليّة العربيّة من جديد ؛

فيما راحت هذه "العصبيّة، نفسها، تتحضّر من أجل التِهَام المستقبل و الهيمنة على القادم السّياسيّ منذ ذلك الحين.

أصبح، الآن، واضحاً عرضُنا من مقابلة نبذة من تاريخ الغرب بنبذة من التّاريخ العربيّ الإسلاميّ، من أجل أن نقول إنّ تاريخنا، كأيّ تاريخ في العالَم، يحمل، بطبيعته، بذور التّسلّط الذي يسحق الأهداف الأخلاقيّة و الاجتماعيّة التي تتبنّاها "السّياسة" في مشروعها المتعثّر دوماً، نحو التّقدّم و الحضارة؛

و إذ أنّنا لم نستطع، حتّى اليوم، بدافع أو بآخر، أن نتوجّه بالنّقد العقلانيّ لحاضرنا الذي يشكّل امتداداً شبه خطّيّ للماضي البائس، فإنّ الثّقافة التي ينبغي أن تكون هي محلّ النّقد أوّلاً، و من ثمّ نقد "السّياسيّ" الذي يتبنّاها، لن تفتأ تعيد إنتاج نفسها أبداً في وسط من الخوف الأخلاقيّ الذي تعتمده "السّياسة" كدليل عمل سوف يُفضي إلى الخراب تلو الخراب.

إنّ نقد "الدّينيّ" في صيغة "الثّقافيّ"، أو العكس، هو المطلب العقلانيّ الأكثر إلحاحاً على الفكر السّياسيّ، اليوم، من واقع أنّ الكثير من الجرائم الاجتماعيّة و السّياسيّة و الموبقات الأخلاقيّة الفرديّة و الجماعيّة، إنّما يجري ارتكابها، بحقّ الأبرياء.. باسم الدّين و بوسائل الدّين و بذريعة الدّين.
ربّما كان إنقاذ الدّين، نفسه، من هذه التّبعات، لا يتحقّق إلّا في ظلّ انحسار الدّين عن ساحة الجريمة الاجتماعيّة و السّياسيّة المرتكبة بحقّ "السّيادة" السّياسيّة و ما يتعلّق بها من حقوق للأفراد و المواطنين، و تولّي الدّولة، في صيغة "المؤسّسة" السّياسيّة السّياديّة، حماية الدّين من نفسه و حماية المجتمع من مزاعم المتديّنين الذين يصنعون القرار الثّقافيّ و التّربويّ بين أفراد المجتمع الذي أصبح في، هذه الحالة، ضحيّة مرّتين؛
مرّة من جور "الثّقافة" في صيغة الدّين و التّديّن القبليّ و العنصريّ المفضوح؛
و مرّة أخرى من السّياسة نفسها، في مؤسّساتها الخاملة و الأنانيّة، إذ تراجعت أمام سطوة خرافة "مؤسّسات" الدّين، و استفادت من التّضليل الذي مارسته، بالتّعاضد، مع الدّين، على السّيادة السّياسيّة و المجتمع، و الجميع.

***

فعقّب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

يقول "فرويد" رضي العلم عنه: "الدين يعود إلى زمن طفولة البشرية أمّا الآن و قد شبّت البشرية فيجب بالتالي ان يُترك خلفها!"

لا أدري هل يعرف فرويد طبيعة قطعان الدين المسيِّسين و المسيَّسين و في حال كان لا يعرف فهل يعرف القاعدة المستشرية لدينا كحكمة عربية ربما مستوحاة من الغرب "من شبّ على شيءٍ شاب عليه!"

في بلداننا يتبع ما صدّر من أحاديث تقول "كل مولودٍ يولد المولود على الفطرة و أبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه!"

فإذا كانت ثقافة الفطرة في بلداننا مسيّسة فعلى ما تبّقى من عقول البعض في بعض شعوبها السلام!

ذات نقاشٍ مع مسؤول في منظمات حزب البعث في حماة يعرف نفسه جيّداً نقدت الحالة الغوغائية لممارسة الدين و المعارضة فيه ضمن حلقة من حلقات اتجاه فيصل القاسم ذي الوجه الأسود المعاكس لكلّ اتجاه نبيل في هذا العالم استضاف فيها خبير الجماعات الإسلامية "أحمد موصلي" و شيخ هذا المسؤول ذي الفطرة البيضاء كما قال لي وقتها حتى أنّ وجهه ناصع أكثر من يد موسى البيضاء عندما خرجت من جيبه على ذمة هذا المسؤول المنافق في حزب من المفروض أنّ في صلب دعواه فصل الدين عن الدولة لا أسلمتها و لو بحسن نية إذا لم نقل بسوء نية!

شيخه "عبد الجليل السعيد" ذي الوجه الأبيض المختار و من شدة بياضه صار أبيض من الحجر الأسود في مكة و هو الذي فُطم على الخيانة بإرادة الله و مشيئته كما يزعم الكثيرون من أهل الخرافة المغيبين عن العصر و الزمن و التاريخ كي ينتصروا لمن يقف معهم و لو على الخبث و الباطل و النفاق فقط أو يستنصروا بمن يناصرهم و لو كان أجهل الجاهلين و أخبث الخبثاء لأنّهم بفطرتهم المزعومة غيبوا عقولهم فغابوا و لم يميّزوا كما قال القرآن الذي احتكروه لهم دون أن يحاولوا معرفته بين الخبيث و الطيب "و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أَوَلو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً و لا يهتدون!"

فيومها قال لي اذهب و راجع فطرتك لأنني نقدت شيخه الغوغائي الفارغ اللا عقلاني

و أجبته إذا كانت الفطرة الموروثة و الاعتناق المسبق سيجعلانني حماراً أهديك إيّاهما و أتمنّى لك العلاج السريع عند أقرب مصحّة تنقذك من فطرة الغوغائية و التخلف و التغييب فجنّ جنونه هذا قبل أن يصبح أمين منظمة من منظمات البعث في حماة فكيف و قد أمسى؟!

هناك ستغدو حتماً شيزوفرينيا النفاق و الفطرات المتحولة في أوجها الخرافي المذهل و سيسخره المسخّرون للتغييب العقلي أو لتهدئة القطيع و الهشّ عليه بعصا المهادنة و الامتثال لاعتناقاته و أعرافه و موروثاته بدلاً من رفعه و جعله في مصبّات و مصافي الدول المتقدمة الحداثية العصرية بجعل هذا الدين سلطة روحية لا سلطة دنيوية زمنية بعد إسقاط فكرة السلطة الزمنية للخلافة و صلاحيتها في كلّ عصرٍ يجنّد ضمنه المجنِّدون القطعان على هواهم الذي يخضع في أحايين لا تنتهي إلى مشاريع تريد ابتلاع الأوطان و جعل شعوبها مطية إلى تدميرها الممنهج!

على المفكرين أن يجعلوا المزاج السلطويّ يقترب من فك شيفرات الحالة الشعبية الجماهيرية بالصدمة حيناً و بالظرفية التمثيلية أحياناً و بالمجابهة المباشرة لترهاتهم في أحايين كثيرة

و على المزاج السلطوي أن يتخلص من عقدة الديمومة و أصحابه يرددون عن غير قناعة الملك لله و البقاء لله بينما يفعلون في سبيله الإفناء كأطول لعبة دموية في التاريخ الإنساني المعاصر على الأقل كوننا نحياه أو نقترب من أحداثه الدراماتيكية!...

لسلاسلك دين الأوطان حيث يزهر الفكر و الإنسان دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

October 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
30 1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31 1 2 3
عدد الزيارات
4332520