متى تكون الحرّيّة.. بنتَ المركزيّة؟.. حدبث الثلاثاء.. ح 48

أ بهجت سليمان في دمشق[ حدبث الثلاثاء: الحلقة الثامنة والأربعون " 48" ]

[ متى تكون الحرّيّة.. بنتَ المركزيّة ؟ ]

[ من الحرّيّة إلى الدّيموقراطيّة و أسرار التّنظيم ]

● د. بهجت سليمان

■ الدّيموقراطيّة ليست وصفة اجتماعيّة أخلاقّية تُطبّق على الجروح ، فإذا بها مسحة رسول .. و لكنّها نظام سياسيّ مشروط بنسبة من الوعي الاجتماعيّ و حالة وعي عالية ، تؤسّس للحرّيّة التي هي زحف للعقل نحو الضّوء و تخلّص من قيود الثّقافة القاتلة و المميتة و المخزونة ، في أسرار الأدمغة و المشاعر و الأحاسيس المحّنطة منذ قرون و قرون .■

■ و الحرّيّة ليست مرتبطة بالدّيموقراطيّة ارتباط الطّلب بالبرهان ، و إنّما هي حالة من الوعي الذي يتّسع له عقل معاصر أدرك شروط الاستمرار في العالم أمام تهديدات الزّوال و الانقراض . ■

1 في تزاحم مصطلحات و مفاهيم السّياسة ، المعاصر ، و الذي كان له نقطة انعطاف حادّة مع ”ثقافات”الحداثة ، تداخلت المدلولات المتمايزة في مصطلحات تبدو واحدة في المؤدّى ، على رغم ما يفصلها ، في ما بينها ، من حدود و شروط استعماليّة و واقعيّة و محدّدة و عيانيّة ، لا يمكن تبادلها بالاختزال أو الضّم أو الممازجة الكيفيّة أو التّرادف و ربّما حتّى في التّداعي الدّلاليّ .
من أهمّ ما ظهر من آثار ذلك الازدحام ، كان ما جرى ، و يجري إلى اليوم ، الخلط به في ما بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة على أنّهما مصطلحان يقولان الشّيء نفسه ، مع أنّ الواقع التّاريخيّ ، قبل الواقع العيانيّ ، قد كذّب هذا الزّعم و جعل منه واقعاً استثماريّاً لشيء أو لأشياء مغايرة و ربّما متناقضة مع الدّلالات المفهوميّة الأساسّية لكلا الاصطلاحين .
لقد صار ، اليومَ ، من المقبول القول بأنّ جميع المعتقدات الأساسّية أو المركزيّة في ما يعني البشر مجتمعين ، إنّما تنطلق من مآزق أو نحديات شخصيّة كما تبدو ، في ما هي تلخّص سيرة الإنسانّية أو ذلك الجزء من السّيرة الذي يعني الجميع ..
وليست الحرّيّة بهذا المعنى استثناءً يمكن أن يضغط على الجانب الرّخو من تلك القناعة ، بل لعلّها تساهم في تأكيدها ، نظراً لتعلّق مشكلة الحرّيّة بحدود فعل و قناعة و إيمان كلّ فرد بشريّ على حدة ، كما لتعلّقها بحدود الوجود البشريّ كظاهرة سوف تبقى مُلغَزَة ..
وحيث صار الإنسانُ المعاصر يقصُرُ مسألة الحرّيّة ( و الدّيموقراطيّة ) على توقّي العنف و الاستبداد و الّتعسّف ، كان ملازماً لذلك اختلاط مفهوم الحرّيّة الغائم مع مصطلح الدّيموقراطيّة الأكثر غموضاً في مفهومه المتحرّك ، منذ أوّل نشأته الفلسفيّة عند الإغريق و حتّى يومنا هذا ، فإذا نحن أمام ثقافة معاصرة لا تفرّق و لا تعرف كيف تفرّق بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ، في غضون تداخل المفهومين بالفعل و عدم اكتراث التّصنيفات السّياسيّة الرّاديكاليّة ، بعزل الحدّين عزلاً نظريّاً و لا عملّياً ، مما أثار الحاجة المتكرّرة للبحث في كلّ من المفهومين من النّاحية الفلسفيّة على أقلّ تقدير..
و يحسن بنا في هذه المناسبة الفصل المفهوميّ بين ”الدّيموقراطيّة” و ”الحرّيّة” و العودة ، فلسفيّاً ، أخيراً ، للبحث في إطار الحرّيّة ، السّياسيّ ، و في العلاقة بين الحرّيّة و المركزيّة على عكس ما يُشاع في الثّقافة االسّياسيّة المعاصرة.

● أوّلاً - في الدّيموقراطيّة :

2 لن يُفيدنا أن نتناول هذا المفهوم من حيث تناوله أو بدأه الآخرون بالتّناول ، و لذلك كان حريّاً بنا أن ننطلق من آخر ما استقرّت عليه أنواع الفهوم المختلفة للدّيموقراطيّة كمفهوم و مصطلح و مشكلة في الوقت نفسه .
أثبتت الممارسة السّياسيّة التّاريخيّة للدّيموقراطيّة ، أنّها ، بالإضافة إلى ما هو معروف عنها ، تبدو كمشكلةٍ في طغيان انفصال القرار السّياسيّ ”الجماعيّ” - و هذا من تعريفات الدّيموقراطيّة - مسلّحين بأقوى الأسلحة الاجتماعّية التي تسوّغ الطّغيان و الاستبداد ، و هي وصول هؤلاء إلى موقعهم المغتصَب ، بواسطة الاجتماع أو الإجماع النّسبيّ التّمثيليّ الذي تعبّر عنه الدّيموقراطيّة خير تعبير .
و فيما تتحوّل ”الدّيموقراطيّة” إلى سوق تنافسيّ للمال و الإعلام و القّوة الاحتكارّية للمصالح الكبرى و جبروت المدّ العولميّ المعاصر ، فإنّه ما من أحد يجرؤ على نقد ”الدّيموقراطيّة” بعد أن ناضلت من أجلها الشّعوب و الدّول و القوميّات على مدار تاريخ طويل ، جعل من ممارساتها أفعالاً محصّنة بإسمها المثير و المضلّل لكلّ فهم عامّيّ و شعبويّ للسّياسة ، بوصفها - ( الدّيموقراطيّة) - حكم الجماهير أو حكم الشّعب.
و المفارقة الكبرى ، المعاصرة ، هي في أنّ مفاهيم و هيئات و جمعيات للدّفاع عن ”حقوق الإنسان” ، إنّما كانت أن ظهرت ، أوّل ما ظهرت ، في المجتمعات و الدّول التي يُفترض أنّها ملاذٌ للدّيموقراطيّات بمختلف أنواعها ، و أنّها هي أوّل و أرقى من أبدعت في التّطبيق السّياسيّ مضمون مصطلح ”الدّيموقراطيّة” في المفهوم و الممارسة على حدّ سواء.

3 في الحرب و السّلم نستطيع أن نضبط ظاهرة معاصرة جدّاً ، يحقّ لنا أن نسمّيها سُعار الدّيموقراطيّة أو سُعار الحضّ على الدّيموقراطيّة أو سُعار فرض ما يُسمّى بالدّيموقراطيّة على شعوب و دول العالم بالقوّة المسلّحة ، التي يعزّز منها فروض الاستثمارات المالّية الرّيعيّة لرأس المال الماليّ العالميّ و إخضاع العالم للنّظام النّقديّ الواحد ، الذي تتولّى تدبيره سياسات صندوق النّقد الدّوليّ الذي يقع مقرّه في ( واشنطن ) ، و البنك الدّوليّ الذي يقع مقرّه أيضاً في ( واشنطن ) ، و البنك المركزيّ الأميركيّ:

[ النظام الاحتياطي الأمريكي ( بالإنجليزية: Federal Reserve System ) ( ويترجم أحيانا إلى العربية الاحتياطي الفيدرالي ) جهاز حكومي فيدرالي، يعمل في الولايات المتحدة عمل البنوك المركزية في الدولالأخرى من العالم. أسس عام 1913 بموجب قانون الاحتياط الفيدرالي بعد سلسلة من الأزمات المالية ( وخصوصا تلك التي وقعت عام 1907 ). ]
المدعوم من قبل أكبر وأكثر العائلات اليهودّية ثراءً و قوّة و انتشاراً و تحكّماً في (أميركا) و في العالم ؛ و التي تقود بمجملها سياسة ”فرض”(؟) ”الدّيموقراطيّة” على هذا العالَم الذي يتضاءل أكثر فأكثر تحت حوافر غيلان هذا ”الّنظام الدّيموقراطيّ” العالميّ المزعوم .
من المعروف جيّداً كيف تقود هذه ”المؤسّسات النّقديّة” العالميّة دول العالم و كيف تتحكّم بمصائر شعوبها و أفرادها عن طريق ”الإقراض” المخّطط و المشروط ، أو من خلال ”إعادة الإعمار” ذات الأهداف السّياسيّة التي يتولّى سنّها و صياغتها ”البنك الدّوليّ” ، بعد أن تعمل القوى و الدّول و الاحتكارات الأعتى همجّية و بربريّة في العالم ، أصحاب تلك المؤسّسات الماليّة العالميّة ، على تدمير اقتصادات الدّول و إشعال الحروب و تفتيت الإنسان و إملاق الشّعوب .

4 تبدو ”الدّيموقراطيّة” ، على هذا الطّراز ، النّظامَ العالميّ الأكثر ”عدالة”في توزيع الفقر على البشريّة ، و الأكثر تحقيقاً للمساواة في تطبيق الظّلم و القهر و العوز و الحرمان على الإنسانّية جمعاء ، تلك التي لا نصيب لها بالمشاركة في حكومة الأرض .
فهي ( أي : الدّيموقراطيّة ) ” النّظام ” العادل في سحق الشّعوب تحت مسمّيات من الأوهام المصنوعة على قدّ مصلحة رأس المال الماليّ الرّيعيّ العالميّ ، و الذي يستفيد منه القلّة أو النَّدرة الذين يوزّعون جشعهم المسعور في مؤامرة فكريّة ثقافيّة ، تنتظم المنظومات السّياسيّة الرّاديكاليّة بتوجيه و تعاون مع هذا ”النّظام العالميّ” شديد التّعقيد و الإبهام ، مسخّراً تلك الأنساق ”الثّقافيّة” ضدّ دولها و شعوبها ، لقاء جملة من المصالح الهزيلة و الوعود العملاقة التي تقزّم أحلام هؤلاء بالتّبشير بديموقراطيّة لفظيّة - إسميّة ، لا تتعدّى أن تكون هيمنة على العالَم .

5 يقتضي منّا ”التّفكيك” المفهوميّ أن لا نقبل بعد اليوم خرافات العالم السّياسيّة ، كما هو الأمر بالنّسبة إلى بعض الخرافات ”العلميّة” الهزيلة واسعة الانتشار في عقول البشر .
لقد أثبت العالَمُ ، و هو يُثبت باستمرار ، أنّ الكثير من المفاهيم التي استوردناها و حفظناها حفظاً ببغاويّاً ، إنّما هي بحاجة إلى وقفة فكريّة طويلة معها ، بنقدٍ و تفكيك عميقين ، كما هو حاصل ، اليومَ ، مع الكثير من النّظريّات العلميّة الكاذبة و العاجزة و التي اعتبرت من المسلّمات و المصادِرات و البديهيّات حتّى الآن .
إنّ أمثلة تصدير ”الدّيموقراطيّة” إلى الشّعوب التّواقة إلى الطّعام و الشّراب بشرف و كرامة ، كادت أن تنطلي حتّى على عقول ”مفكّرين” أو أنّ موقعهم في معادلات العالم الافتراضّية ، يتطلّب منهم الانضمام إلى جوقة ”الَّسحَرة” الذين ينامون مُطْمَئِنّين إلى سذاجة شعوب و دول العالم الهزيلة في السّياسة و الاقتصاد و التّنمية و الوطنيّة .
و في أثناء ذلك يصنع المتحكّمون بمصائر البشر الخلافات و الحروب المختلفة ، و التي أخطرها الحروب الدّاخليّة بين الشّعوب و حكوماتها الوطنيّة بعلّة قيام الثّورات ”الدّيموقراطيّة” في البلدان الضّعيفة ، من أجل إضعافها و إدخالها في المزيد من المشكلات التي ليس لها حلّ ، سوى بالتحاق هذه الشّعوب بمنظومات العالم التي تستثمرها ، بهدف المزيد من إخضاع و إذلال العالم الذي ينبغي أن يكون سوقاً ماليّة لرأس المال الماليّ الرّيعيّ العالميّ ، بغية صناعة إنسانيّة عاجزة عن أن ترتقي إلى مصافّ العقلانّية العمليّة التي بفضلها فقط يجري فحص خرافات السّياسة و العلوم التي تروّج للدّيموقراطيّة المعولمة .

6 و بالقدر نفسه الذي يوحي لمغسولي الأدمغة أنّ الحلول المختلفة لمشاكل و إشكاليّات التّنمية ، تكمن في ما يُسمّى بالدّيموقراطيّة ؛ يتصور هؤلاء الآلات المتخلّفة أنّ جميع حلول كلّ المشاكل و المصاعب و المحالات النّظريّة و العمليّة ، إنّما هي كامنة في الأنظمة " الدّيموقراطيّة " التي تعمل من ورائها قوى الاستبداد العالميّ على مسخ الشّعوب و الدّول و الأفراد إلى مخلوقات اعتبارّية أو افتراضيّة ، يجري التّحكّم بها ببعض المفردات الإسمّية التي لا يُمكن أن تتطابق مع مدلولاتها العملّية على أرض الواقع ..
و قد جرّبت تلك المفاهيم و كانت النّتائج العمليّة جملة من المآسي التي تتوالد بعضها من البعض الآخر في متوالّيات مركّبة و معقّدة تتجمّع فوق رؤوس أفراد الشّعوب الضعيفة ، من دون أن تقدّم أيّ حلّ لأّية مسألة تاريخيّة عالقة .
و على العكس ، فإنّه في ظلّ هراءات الدّيموقراطيّة و ما إليها ، فإنّ الدّول تُصاب ، بالجملة ، بالخضوع و الإذعان لمهندسي سياسات العالم ، فتفقد الدّولة ذاتها بذاتها في صراعات مفهوميّة هامشيّة تسمح للمستثمرين العالميين بوضع اليد ، و بحيازة كاملة ، على تلك الدّول بمن فيها من شعوب و أفراد و جماعات و اقتصادات و سياسات و أحلام .
و تفشي بقعة الظّلام و الظّلم تلك بموجب قاعدة حسابيّة بسيطة ، و لو أنّ أحداً لم يعتبرها بجدّيّة و وضوح ، و هي تحويل الصّراعات بين المجتمعات بدولها المفتوحة على الحيازة المتزايدة ، مع الدّول المغلقة بمجتمعاتها المهزومة ، و ذلك بتحويل الصّراع إلى صراع ”ثقافيّ” ، أيضاً ، تُنتج أفكاره في ”المركز” العالميّ ، و يكبر عليه الاشتغال الفارغ و المزّيف و العنيف في مجتمعات ”الأطراف” .
و بعد ذلك فإنّ الأهمّ يكون قد وقع ، و هو تحييد دول الأطراف وتحويلها إلى نَظّارة سلبيين إلى العالم ، في ما هم يقتتلون على ثقافات ”الآخر” تلك التي لا تعني شيئاً بالنّسبة إليه .
و من جديد تتكرّر هذه المأساة بنظر ”الثّقافة” ، فيتحوّل العنف ك بكل بساطة ، إلى المجتمعات المتخلّفة ، فتغدو أجراماً و هياكل فارغة ليس لها فضاء لتدور فيه ، فتنفلت من جاذبيّة العالم الواقعيّ إلى جاذبيّة المجاهيل السّياسيّة و الفيزيائيّة و الكونيّة بمستقبل عدميّ و مجهول .

7 فقط في لعبة ”الدّيموقراطيّة” تكون النّتائج كارثيّة على الدّول و المجتمعات الطّرفيّة في نظام العالَم ، بحيث أنّ التّهديد بالزّوال الوجوديّ يُصبح تهديداً عمليّاً في أوسع و أسرع عمليّة انقراض اجتماعيّ و اقتصاديّ و سياسيّ ، مؤسّسة على التّناحر العنفيّ في هذه ”الأمكنة” الّشاردة من جغرافيا العالم الفاعل و الفعليّ ، بحيث يؤول أمل الشّعوب في هذه الأماكن الجغرافّية في البحث عن مخلوقات أقلّ سوءاً و أقلّ جشعاً و أقلّ توحّشاً ، لتكون ممثِلةً لتلك الشّعوب في أقلّ السّوء الممكن و ليس في أفضل صفات ممثّليهم في الحكم .
هكذا تتراجع الأحلام يوماً بعد يومٍ لتصبح أحلاماً في مقاومة الفناء و ليست أحلاماً في صناعة المصير . و في هذه الأثناء تنمو و تتنامى تلك الطّبقة السّياسيّة التي أدركت وجودها في هذه الّلعبة الخطرة على الإنسان ، لتٌُبدع في وسائل استغلالها للأفراد و المجتمعات ، بوصفها المنقذ السّياسيّ الوحيد لأحلام الأفراد باستمرارهم ، على نحو ما ، و على أيّ نحو من الأنحاء .

8 إنّ الدّيموقراطيّة التي أصبحت شيئاً فشيئاً مقنترنة بالثّقافة ، لا بدّ لها من أن تُعيد تشكيل العالم الاجتماعيّ - السّياسيّ وفق منظورها الدّونيّ إلى مجتمعاتها ، في تواطئيّة تاريخيّة نادرة و قد أصبحت بالتّدريج عرفاً سياسيّاً يكون مجرّد التّفكير النّقديّ فيه شيئاً من قبيل تهشيم المقدّسات و احتقار المبجّلات السّياسيّة ، للمؤسّسات التي أتقنت دورها بوصفها أمراً واقعاً و وحيداً ربّما يختفي الواقع و العالم كلّه .. إذا ما هي اختفت أو تعرّضت للزّوال.
و لا مرَاءَ في أنّ العالم المعاصر الذي بدأ عصر عولمته منذ انهيار الاتّحاد السّوفييتيّ ، الذي يعتبره البعض نهاية مبكّرة للقرن العشرين ، قد تصدّر المنظر السّياسيّ العالميّ ، بوصفه عالم النّظام الدّيموقراطيّ الجديد الذي تجاوز الحداثة في المفاهيم و االمصطلحات ، بينما تجاوز حداثة ”الدّيموقراطيّة ” عمليّاً من دون شرح ظروف و معالم هذا التّجاوز ، بل و على العكس ، فإّنه يُبدي تقديسه للدّيموقراطيّة المنتصرة على واقع الحرب الباردة و زوال ما اخترعوا له إسم النّظام الشّموليّ الشّيوعيّ ( الاشتراكّي ) ؛ و هو بناء على هذه الألعوبة الإعلامّية الواسعة ، استطاع أن يتصدّر مشهد العالم السّياسيّ على أنّه النّظام الوحيد الممكن ، بدليل انتصاره على نقيضه التّاريخيّ المتمثّل بالاتّحاد السّوفييتيّ ، فتمكّن مع ذلك من بث دعايته الإغرائّية الهائلة و المثيرة ، على أنّه النّظام المنقذ للبشر من سطوة ما أسماه ”الشّموليّة الشّيوعيّة”..
لم يتقدّم هذا النّظام ، على رغم واحديّته العالميّة ، إلّا بالجريمة و ”المكارثيّة” و العنف ، فيما صدّر كلّ ذلك على أنّه ”الدّيموقراطيّة” و التي لاقت لها أصداء أسطورّية في السّوق السّياسيّ العالميّ الهزيل .

9 فلسفيّاً ، نحن أمام ظاهرة تاريخيّة مركّبة تُسمّى ”الدّيموقراطيّة” ، غير أنّ النّقد النّظريّ السّياسيّ ، و العمليّ ، لهذه االظّاهرة ، سوف يأخذنا فلسفيّاً إلى “مشكلة” أخرى مرتبطة بها عضويّاً أشدّ الارتباط ، وهي مفهوم ”الحّريّة” ، و هو المفهوم الملازم للّديموقراطيّة بدون أدنى لَبْسٍ أو غموض ؛ غير أنّ الواقع يقدّم لنا الإثبات وراء الإثبات على زيف هذا الاصطلاح المفهوميّ ، و ذلك كنتيجة عن زيف المفهوم السّياسيّ المرتبط به.

● ثانياً - في الحرّيّة:

10 يحاجج البعض على أنّ مشكلة ”الحرّيّة” هي مشكلة أخلاقّية ، ثمّ يصمتُ عن باقي أبعاد هذه المشكلة.
وإذا كانت الفلسفة تستطيع إدماج ”الحرّيّة” و ”الدّيموقراطيّة” ، بوصف ”الحرّيّة” مشكلة سياسيّة تتّصل بالدّيموقراطيّة ، فإنّنا نستطيع ، إذاً ، مغالبة العِناد السّياسيّ في مضمونه و الذي يفضّل فصل المسألتين ، الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ، بعضهما عن البعض الآخر ، بصفة أنّ ”الفلسفة” تستطيع الرّبط بينهما من جانب” الأثر ” الوجوديّ لمضامين المصطلحات المفهوميّة ، كأثر سياسيّ و إنسانيّ ، و هو الحقل الواقعيّ للفلسفة أيّاً كانت منطلقاتها و مراميها و أغراضها الفكريّة.
و لعلّنا قبل أن نستبق هذا المنخرط الفلسفيّ ، نأتي بشيء جديد على ”الحرّيّة” نفسها بوصفها مشكلة سياسيّة أيضاً في الفكر السّياسيّ المعاصر و في الفلسفة السّياسيّة على التّحديد.
لا يمكن بحال من الأحوال تجاهل مسألة أنّ الحرّيّة السّياسيّة هي إحدى نتائج تطبيقات الدّيموقراطيّة كمفهوم سياسيّ.
و مع أنّ مفهوم ”الحرّيّة” نفسه مفهوم غائمٌ لأنّه مفهوم بقدر ما هو واسع و حيويّ ، فإنّه بالقدر ذاته مفهوم من المفاهيم المشروطة بشدّة بجملة واسعة من الشّروط و الاعتبارات التي إذا حاولنا إحصاءها ، فإنّها لن تنتهي.

11 إنّ جوهر ”الحرّيّة” هو القدرة على الاختيار . و يبدو هذا التّعريف الأفضل من سواه للحّريّة كأنّه لا يقول شيئاً في السّياسة ، مع أنّ السّياسة كلّها قائمة على الاختيارات الاستراتيجّية الكبرى المرتبطة بمآل و مصير الدّول و المجتمعات.
عندما وعدتْنا الدّيموقراطيّة بوعودها الكاذبة ، كان من أهمّ وعودها لنا أن نحكم أنفسنا بأنفسنا ، مباشرة أو بالتّمثيلات المختلفة و اختيار الحاكمين ؛ و هذا شكلٌ قصيويّ للحرّيّة ، فهل ثمّة تناقض ، عمليّاً ، بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة ؟

12 ربّما كان علينا البدء بالحديث في ”الحرّيّة” قبل الحديث في ”الدّيموقراطيّة” لكون ”الدّيموقراطيّة” نفسها لا تقوم إلّا في ظروف الوعي بحرّيّة الاستخدام لمنتجات ”الثّقافة” و الفكر..
و لكنّ ما دعانا إلى البحث أوّلاً في مسألة ”الدّيموقراطيّة” هو أنّ التّشابك الدّلاليّ السّياسيّ للدّيموقراطيّة هو أظهر في الممارسة من ”الحرّيّة” ، على اعتبار ”الدّيموقراطيّة” أوثق علاقةً بالسّياسة من ”الحرّيّة” التي تبدو بالفعل مشكلة فلسفيّة إشكاليّة ، حيث لا ُينقص من إشكاليّتها سوى معالجتها كمسألة سياسيّة و ليس كمشكلة أخلاقّية .
و إذا كان لنا أن نبحث كلّاً من الدّيموقراطيّة و الحرّيّة كشؤون سياسيّة ، و هما في محصلة الممارسة كذلك ، فإنّنا نكون قد فعلنا الصّواب .

13 ليس هنالك أيّ تناقض بين الدّيموقراطيّة و الحرّيّة ، عندما ندخل في السّياسة من المدخل الأخلاقيّ ؛ و لأنّ الأمور لاتجري ، عادة ، على هذا المنوال فنحن لهذا سوف لن نجد التّناقض بين الحرّيّة و الدّيموقراطيّة فقط ، بل و سوف نعيش تناقضاً ذاتيّاً لكلّ منهما مع نفسه ، داخل نفسه ، على حدة ، ذلك لأنّ الممارسة السّياسيّة تفترض ضمناً ممارسة الحرّيّة و الدّيموقراطيّة في الدّولة الوطنيّة ، ممارسة أخلاقّية ، بحيث أنّ كلّ انحراف أخلاقيّ - و هذا ما هو شائع في السّياسة! - يجعلنا ننظر بعين التّناقض إلى علاقة الدّيموقراطيّة بالحرّيّة ، مع أنّه لا يمكننا تصوّر ممارسة أيٍّ من الدّيموقراطيّة و الحرّيّة خارج مبدأ ”التّنظيم” المسمّى ، عادة ، في هيئة المؤسّسة ، بـ”النّظام”.
غير أنّ المسائل عندما تُطرح في العمل للممارسة ، فإنّها تأخذ أشكالاً و صيغاً و أولويّات مختلفة في التّنفيذ ، إلى الدّرجة التي ، غالباً ، ما يُستعاد معها تعريف ”المفاهيم” نفسها ، بحكم تجاورها أو تباعدها عن ضروراتها في الأدوات و المراحل و الزّمان و المكان ، و ما يفرضه كلّ ذلك من خصوصيّات في القراءة و التّفسير.
من أكبر الأخطاء الّشائعة هو اعتبار الحرّيّة ( الّليبراليّة ) و الدّيموقراطيّة متلازمتين اجتماعّيتين و سياسيّتين . و من الأخطاء الملازمة لهذا ، هو اعتبار أنّ الدّيموقراطيّة هي أساس الحرّيّة و ليس العكس.
و في هذه المناسبة فإنّ علينا أن نصحّحَ هذا القلب المفهوميّ ، بأن نقول إنّ ما تحتاجه الدّيموقراطيّة الحقيقيّة ( أو المستحيلة ) ، و أوّل ما تحتاجه في الوعي الاجتماعيّ و الإدراك السّياسيّ ، إنّما هو القدرة على المحاكمة و المفاضلة و التّفضيل و الاختيار ، و َبدَهيّ أنّ كلّ ذلك هو من مستلزمات الحرّيّة و من مستلزمات تعريفها بالذّات.
غير أنّ علينا أن نسارع في استدراك أمر شديد الأهّميّة ، و هو أنّ ”الحرّيّة” ، بوصفها مسألة اجتماعيّة - سياسيّة ، هي حالة غير مرتبطة بالدّيموقراطيّة بوصف هذه الأخيرة شكلاً من أشكال الحكم السّياسيّ أو صفة جوهريّة لنوع محدّد من النّظم السّياسيّة . و نقول هذا الأمر مستشهدين ، أوّلاً ، بالتّاريخ ، حيث لم يكن انقسام” الطّبقة الأرستقراطيّة” البريطانيّة في أواخر القرن الثّامن عشر و أوّل القرن التّاسع عشر ، إلى حزبين هما ”المحافظون” و ”الأحرار” ، في إطار الحكم الملكيّ ( الفيكتوريّ ) ، كنظام سياسيّ ، نابعاً من أسس ”النّظام” السّياسيّ نفسه ، بقدر ما كان نابعاً من تطوّر الوعي الاجتماعيّ للطّبقة الثّالثة الصّناعيّة النّاهضة في قلب النّظام السّياسيّ ”الملكيّ” و في قلب النّظام الاجتماعيّ ” الأرستقراطيّ ”..
و لقد أسّست مفاهيم الحرّيّة تلك لمستقبل اجتماعيّ و سياسيّ و فكريّ راديكاليّ ، كان سببه الأوّل - على ما نقرأه في تاريخ تلك الفترة - هو ”الثّقافة” التي كانت جوهر ”الحرّيّة” و ”الأفكار الحّرة” ، هذا مع العلم أنّ حزب ”الأحرار” ظلّ طيلة حكم الإرهاب في ”الثّورة الفرنسيّة ” ( اليعقوبيّون ) ، مناهضاً للثّورة الفرنسيّة و تحوّلاتها الاستبدادّية ، مع أنّه حزب كان يؤيّد ”الرّاديكاليّات” في وجه النّظام السّياسيّ ”الملكيّ” البريطانيّ.
إنّني أعني ، هنا ، أنّ الحرّيّة ليست مرتبطة بالعنف السّياسيّ و لا بنظام الحكم السّياسيّ الدّيموقراطيّ ، و إنّما هي حالة من حالات الوعي الاجتماعيّ الذي يتّسع رويداً رويداً ليجعل زحف العقل السّياسيّ الحثيث في ”الدّولة” ، متحوّلاً من متحوّلات الحرّيّة نفسها في إطار ”التّنظيم”.

● ثالثاً - في الحرّيّة و المركزيّة:

14 عندما نذكر ”التّنظيم” الذي هو معادل عمليّ تحتيّ ل ” النّظام ”، فإنّ أوّل شيء يُستدعى إلى التّفكير الذي يُحصّن نفسه بالواقعيّة السّياسيّة ، إنّما هو ، بالبداهة ، ”المؤسّسة”..
هذا كما أنّ ما يستدعيانه ، و أعني ”التّنظيم” و ”المؤسّسة” ، كأدوات للحرّيّة ، كما استنتجناها أعلاه بالبرهان الفلسفيّ ، كأوّل ما يستدعيانه في التّفكير ، إنّما هو ”مركزيّة” الحرّيّة ، و هي التي لا تتناقض ، البتة ، مع ديموقراطيّة ”النّظام السّياسيّ” ، بعد أن أوضحنا أنّ ”الحرّيّة” ، نفسها ، هي ليست مرتبطة بـ“نظام سياسيّ” دون أخر.

15 كثيرة هي ”المفاهيم” التي نعتنقها ممّا يحتاج إلى إعادة التّأمّل و النّقد و القراءة الجديدة المستمرّة لمضامينها و مدلولاتها ، و منها هذه التي نناقشها في هذا الحديث.
تعودت ”الثّقافة” التي غالباً ما نتوجّه إليها ، نحن ، بالرّفض و النّقد االدّائمين ، على أن تضحّي بالواقع لقاء حفنة من ”المجرّدات”.
إنّ التّجريد الفلسفيّ - السّياسيّ الصّحيح ، و لكي يتحوّل إلى ثقافة حقيقيّة مثمرة ، لا بدّ له من أن ينطلق من ملموسات و محسوسات تمثيليّة في الواقع ، ليكون تجريداً فلسفيّاً تركيبيّاً و منطقيّاً وفق ما يذهب إليه المناطقة في ذلك.
و هذا الأمر ينطبق أوّلاً على ”المفاهيم” الإشكالّية الكبرى كهذه التي تشغلنا من مثل الدّيموقراطيّة و الحرّيّة و المركزيّة و التّنظيم.
و يقتضي هذا الوضع ، أوّل ما يقتضي ، معرفة المدلول و المضمون و الحدود التي تؤطّر مختلف ”المفاهيم” السّياسيّة التي هي ، عادة ، ما تنعقد حولها الخلافات الفكرّية و السّياسيّة من النّاحيتين النّظريّة و السّلوكيّة في تناقضات القوى و السّلطات الاجتماعّية صاحبة المشاريع السّياسيّة الصّريحة أو المضمرة ، و التي تصل إلى حدود استخدام القوّة و العنف في تجارب إثبات حقيقتها الصّحيحة أو الموهومة ، و ما يجري اليوم في سورية هو ليس خارج هذا المجال و الإطار.

16 أدّى ذلك كله ، من ضمن ما أدّى إليه ، إلى إعادة طرح مفهوم ”الدولة” نفسه أمام الفكر السّياسيّ ، في سورية ، من جديد ، و كأنّه يُطرح للمرّة الأولى بعد كل تاريخ نظريّة الدولة الطويل . هكذا تقهقر المجتمع و ”النّظريّة” و القيم و الأخلاق و المفاهيم إلى انزلاقات ربّما تكون غير ارتداديّة ، حيث تستقرّ في مآويها المظلمة الجديدة و مساحاتها الممسوخة في عقول الفاعلين.
تفسّخ المجتمع و انفسخت الدّولة في المفهوم و تآكلت في الحاكميّة و تضعضعت في التّنظيم.
تضاربت مفاهيم ”النّظام” مع ”التّنظيم” مع ”الحرّيّة” مع الدّيموقراطيّة” مع ”المؤسّسة” مع ”الحكومة” مع ”الدّولة”..
حتّى بدا كلّ ذلك و كأنّه غير مسبوق ، في الأصل ، و هذا ما أثار الشّكوك الفكريّة النّظريّة و العمليّة ، بالرّؤى الاجتماعّية و السّياسيّة و المشاريع الفلسفيّة كلّها في وقت واحد معاً ، إلى الحدّ الذي بدت فيه الأمور خارج نطاق الواقع و الوقائع و القانون.

17 غير أنّ المشكلة ، كما نراها ، نحن ، هي مشكلة مشخّصة ببساطة المفاهيم التّاريخيّة الثّابتة في الاجتماع و الّسياسة ، و هي تنحصر في طرفيّتي ”الحرّيّة” و ”المركزيّة” و ما بينهما من عناصر مؤلِّفةٌ لهذا الامتداد الذي تخفّى مظهريّاً لسبب أو لأسباب كثيرة لن نخوض فيها ، هنا ، الآن ، حفاظاً على هيبة ”الكلمة” و ”المعلومة” و ”الفكرة” و ”الدّولة” في آن معاً.
ليس هناك ، بالمرّة ، أيّ تناقض بين المركزيّة و التّنظيم من جهة ، و بين الحرّيّة من جهة أخرى.
هكذا نرى و نقول و يقول معنا آخرون في تاريخ الفكر ، أيضاً ، فلسنا نبتدع الأفكار الغريبة عن العالم و لو أنّنا نقدّر أنّها ، و بالتّأكيد ، أفكار جديدة علي بعض ”مثقّفينا” ، جرّاء جهلهم الذي ليس له علاج و لا دواء.

18 يقول ( إيزايا برلين ) أشعيا برلين - الباحث الاجتماعيّ و السّياسيّ و المنظّر و الفيلسوف الرّوسيّ - البريطانيّ الّليبيراليّ المعاصر ( 1997 - 1909 ) ؛ و الملقّب ب [ أفضل متحدثي العالم ، و أكثر قارئي القرن إلهاما ً، و أفضل عقول هذا الزمن] في نبذته عن ” الحرّيّة و خيانتها ” ، يقول:

“ كان جوهر الحرّيّة كامناً دوماً في القدرة على الاختيار كما تشاء ، لأّنك تتوق إلى الاختيار ، غيرُ مُكرَه ، غير مُرهَب ، و غير منجرف في نظام ضخم ما ؛ و أمّا في حقّ المقاومة ، ففي ألّا تكون شعبويّاً ، و أن تدافع عن قناعاتك لمجرّد كونها قناعاتك . تلك هي الحرّيّة الحقيقيّة ، و من دونها ليس ثمّة حرّيّة من أيّ نوع ، ولا حّتى توهّمها ”.

[ إيزايا برلين - الحريّة وخيانتها - الحرّيّة : خمس مقالات عن الحرّيّة ].

و لكنّ (برلين) لا يقف عند ذلك ، و حسب ، بل ينتقل إلى القول : ”صحيح أنّ الحرّيّة لا تقلّ عن كونها هدفاً عظيماً و قيمة بحدّ ذاتها كالسّعادة و العدالة و الحب .. إلّا أنّه ليس ثمّة مكسب من جعل الحريّة متلائمة ، في أيّ من معانيها ، مع هذه القيم ، أو مع شروط الحرّيّة ، أو عبر مزج أنماط مختلفة من الحرّيّة معاً..
إذ لا يوجد نموذج كّليّ للحرّيّة أو صيغة مفضّلة للحرّيّة الشّخصيّة أو المجتمعيّة ؛ و أنّ الحرّيّة ليست القيمة الوحيدة التي بإمكانها أو ينبغي بها ، تحديد السّلوك ، و ذلك مثلما أنّ اعتبارها غاية ، هو أمر شديد التّعميم ؛ إذ يمكن لحرّيّة أن تجهضَ أخرى ، و يمكن لحرّيّة أن تواجه عقبات ، أو تفشل في خلق شروط تجعل حرّيّات أخرى ، أو درجة أكبر من الحرّيّة ، أو حريّة أشخاص آخرين ، أمراً ممكناً.
“ فالمعنى الحقيقيّ للحرّيّة هو التّحرّر من القيود و من الخضوع لآخرين ، و كلّ ما يتبقّى هو توسيع لمجال المعنى ، أو مجاز.
إنّ النّضال من أجل الحرّيّة يعني السّعي لإزالة العقبات التي تمنع ممارستها ، و الصّراع من أجل الحرّيّة الشّخصيّة يعني السّعي إلى كبح التّدخّل و الاستغلال والاستعباد ، ومن طرف أشخاص غاياتهم خاّصة بهم ، وليسَ بالضّحيّة ”.

19 ثمّة خطأ خادع و مُغرِق عند ”محبّي الحريّات” بغض النّظر عن تصميمها المسبق كإشكاليّة في قلب ”المركزيّة” بالذّات..
و هذا الأمر الخطير هو ما جعل ( إيزايا برلين ) يقول:
( إنّ الاختلاف بين الحركات السّياسيّة في القرن التّاسع عشر عمّا هي عليه في القرن العشرين ، هي اختلافاتٌ شديدة الحدّيّة ، و تنبع من عوامل لم تتحقّق قوّتها الكاملة ، إلّا بعد أن اتّخذ قرننا [ العشرين ] مساره ؛ إذ أنّ ثمّة حاجزاً يفصل ما هو ماضٍ أكيد و منقضٍ مع ما ينتمي بشكل شديد التّحديد إلى يومنا الحاليّ.
و لا يجب أن تُعمينا اعتياديّة هذا الحاجز عن جِدّته النّسبيّة . إنّ أحد عناصر الاستشراف الجديد هي فكرة التّأثيرات اللاواعية و اللاعقلانّية التي تُثقل على قوى العقل ؛ و فكرة أنّ إجابات المشكلات لا توجد في الحلول العقلانّية ؛ بل في إزالة المشكلات بحدّ ذاتها بوسائل غير الفكر و الجدال.
إنّ التّفاعل بين التّراث القديم الذي اعتبر التّاريخ ساحة معركة بين القوى سهلة التّمييز للنّور و الظّلمة ، العقل و الظّلامّية ، التّقدّم و التّخلّف ؛ أو بين الرّوحيّة و الإمبريقّية ، الحدس و المنهج العلميّ ، المؤسّساتيّة و الفردانيّة . و الصّراع بين هذا النّظام ، و في الجهة المقابلة ، العوامل الجديدة المتعارضة بشكل عنيف مع السيكولوجيّة الأنسنّية للحضارة البورجوازيّة ، هو - إلى حدّ بعيد - تاريخ الأفكار السّياسيّة في عصرنا )

[ ص( ٧٥- ٧٦ ) ].

إنّ الشّيء الصّريح الذي يحذّر منه (برلين) ، في عصرنا هذا ، هو التّناقض ما بين ”الفكرة” و ”المؤسّسة” ، و هو الأمر الذي يعيدنا ، من جديد ، في إطار بحثنا المحدّد ، إلى مشكلة ”الحرّيّة” و”التّنظيم” ، وبمعنى آخر ، بين ”الحرّيّة” و ”المركزيّة”.

20 يغلب علينا ، نحن بني البشر ، مواصلة الأفكار أو التّجارب التي سبقتنا من دون أن نتعلّم ملكة ”النّقد” ، الهائلة ، و التي تمنعنا من إعادة الفشل الذي كان نتيجة لتلك الأشياء و الأفكار و الممارسات السّابقة تاريخيّاً علينا ، و ذلك لسوء مروءتنا و قلّة حيلتنا ( أتحدّث على ”المثقّفين” الدّعيين ) و الجهل الذي لا يرغب أصحابه بتجاوزه جرّاء الحركة الدّائمة للفكرة نفسها ( و أيّاً تكن ) و الحركة المَوجيّة العاتيّة التي تتلاطم أمواجها حولنا و نحن في حالة غياب.
إنّ كلّ ”مفهوم” نظريّ يُحبَّذ أن يُمارس ، إنّما ينبغي أن يكون في حدود الوضعيّة التّاريخيّة للفكرة ، و هذا ما يُجنّبُنا ممارسة ”الحتميّات” الخادعة ، و التي هي إحدى أهمّ صفات الانعزالّية و التّاريخانيّة في مسيرة الممارسة و الفكر السّياسيّيَن.
و الحرّيّة مفهومٌ غير محدّد كما قد يبدو للوهلة الأولى ؛ و على رغم كلّ ما حاولنا تبيانه من أنّ ” الحرّيّة” ليست نظاماً سياسيّاً كالدّيموقراطيّة - مثلاً - بل هي مشروع أخلاقيّ فلسفيّ سياسيّ ، يمنح - عند تحقّقه في إطار المؤسّسة ، إطار ”المركزيّة” - و يُضيف إلى الأدوات الاجتماعّية ميزة إظهار الخصائص الإبداعّية للأفراد و الجماعات ؛ فهو ليس”مفهوماً” (الحرّيّة) ”أنارشيّا”ً ( أناركيّاً - فوضويّاً ) من أجل ذاته ؛ و هكذا نفهم ، مرّة أخرى ، قول (برلين) من أنّ الإجابات على أسئلة المشكلات لا توجد في الحلول العقلانّية[ و ذلك مهما بدت كذلك ، عقلانّية ] ، و إنّما بإزالة المشكلات بحدّ ذاتها [ و نسفها من جذورها ] بوسائل غير الفكر و الجدال.

21 هكذا أصبحنا ندرك ، الآنَ ، أبعاداً جديدة للمفاهيم ، مع الأسرار المحيطة بكلّ منها.
فالدّيموقراطيّة ليست وصفة اجتماعيّة أخلاقّية تُطبّق على الجروح فإذا بها مسحة رسول ، و لكنّها نظام سياسيّ مشروط بنسبة من الوعي الاجتماعيّ و حالة وعي عالية ، تؤسّس للحرّيّة التي هي زحف للعقل نحو الضّوء و تخلّص من قيود الثّقافة القاتلة و المميتة و المخزونة في أسرار الأدمغة و المشاعر و الأحاسيس المحّنطة منذ قرون و قرون.
و الحرّيّة ليست مرتبطة بالدّيموقراطيّة ارتباط الطّلب بالبرهان ، و إنّما هي حالة من الوعي الذي يتّسع له عقل معاصر أدرك شروط الاستمرار في العالم أمام تهديدات الزّوال و الانقراض..
و قد ترتبط الحّريّة بالمركزيّة و التّنظيم و لو بالتّضحية بالدّيموقراطيّة في المجتمعات التي لم تخرج شعوبها ، بعد ، من شرنقة القبليّات و الكمّيّات و العنصريّات و ما إليها من محدوديّات تمنع ممارسة الشّخص لخياراته الاجتماعّية و السّياسيّة التّاريخيّة و الحقيقيّة ، لعدم نضوج المحمولات الثّقافيّة على حواملها الرّجعيّة.
و المركزيّة طريقة في النّظام السّياسيّ و القرار السّياسيّ ، مرتبطة بالتّنظيم الذي تعجز عنه المجتمعات ، بثقافاتها القبليّة ، فيكون التّنظيم مرتبطا بالمركزيّة السّياسيّة المجرّبة في مقاومتها للخيانات العظمى و الإتجار بالمبادئ و المجتمعات و الشّعوب.
و النّظم السّياسيّة ليست قائمة من الخيارات يتمّ فيها السّحب على الحظّ و القدر و التّقدير ، و إنّما هي أنظمة ذات طبائع متعلّقة بالمرحلة الاجتماعيّة و السّياسيّة التي وصلتها الشّعوب و الأفراد في الثّقافة و وعي الحرّيّة و استيعاب الدّيموقراطيّة و الوقوف بجدارة على حافّة المسؤوليّات التّاريخيّة المطروحة في مرحلة سياسيّة تمرّ فيها الدّول و المجتمعات ، و قابليّاتها على الانتقال نحو المرحلة التّالية في سلّم التّطوّر العالميّ و التّقدّم التّقنيّ و التّنمويّ.
و هكذا نجد أنّ الظّروف المتواضعة المتوفّرة أمام الأّمة و الدّولة ، هي كثيراً ما تجعل الحرّيّة نفسها بنت المركزيّة و التّنظيم ، اتّقاءً لشرور الفوضى و الفوضويّة..
بينما تجعل الدّيموقراطيّة نفسها بنت الحرّيّة ، و ليس العكس ، مع أنّ تلك التّخطيطة ليست تخطيطة خطيّة أو حتميّة تاريخيّة ، و لا تطمح إلى انعزاليّة تاريخانيّة في التّنظير.

******

فعقّب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

(ديمقراطية أضاعت مركز حريتها في المركزية واللامركزية !)

في حديثك تنعطف الحريات مبتعدة عن طريق الديمقراطيات الغامضة و متزحلقة على نسوة و بنسوة نسين عقابهن بين ظفائر شعرهن المتدلي على العيون أو المتخفي ببراقع الديمقراطية التي تنتج أكثرية اللون الأسود و ما أدراك ما الديمقراطية حين تحتلّها و تحت ذرائع التصويت ميليشيات من القطعان و قطعان من الميليشيات المسلحة بالجهل الأسود لا لترفع الخفاء عن امرأة تخفت عن عالمها و أخفت نفسها بحسابات افتراضية و لا لتنقذ عالم المرأة و الرجل و الساسة و الفلاسفة من شيزوفرينيا الاختباء خلف شاشات الرأي دون أدنى جهدٍ أو تحدي الخوف في ملامسة الشارع كي يعلو رأيه فوق مخدة الحسابات الوهمية لكنْ لا ليصل خرافة الصخرة المعلقة أو المعارج المتأرجحة بل لينتج بعداً أسطورياً سيزيفياً في التحدي مهما كان الجحيم قاسياً و مهما كان السواد حالكاً بل لتضرب كلّ أساس للديمقراطية الزائفة باسم تعرجات الدين المفصلة على مقاسهم و مطباته المخترعة على تأويلات مصالحهم و لتضرب كلّ بعدٍ روحيّ للدين بتزييفه أكثر و طرح معانٍ مشبوهة باسم الديمقراطية اللاوطنية للابتعاد عن كل مركز وطني للديمقراطية و ضرب كل نقطة حقيقية للحرية بمركزيتها الإنسانية و بلا مركزيتها التطبيقية !
و عليه :

١)الديمقراطية ليست هي اشتعال الأوراق العالمية لتدمير البلدان و حرق مراكز قيامها بحجة استبداد الحكّام التي تناقض أهلية الأديان أو بحجة عدم تداول السلطة كما يشتهي قطيع المراحل المتسابقة إلى جدع أنوف القائمين عليها كلما قامت لها و لدولتها قائمة في قلب المركز العالمي للقرار الذي لا يريد دولاً ناجحة بقرار مستقل و لو كانت قمة الديمقراطية على المستويين الديني و الأهلي المجتمعي و المدني بل يريد دولاً فاشلة ديمقراطياً أو تابعة ديكتاتورياً و لن يقبل إلا رغماً عنه دولاً مستقلة على طريق الديمقراطية أو في جوف الديكتاتورية فيعمل على زرع الفتن داخلها و خلخلتها لتهديم بنيانها و تقويض أركانها بأسطوانة ضرورة تداول السلطة مهما كان هذا التداول المرسوم في أقبية الخارج غير قابل للتطبيق و مهما كانت الشعوب غير مؤهلة لهذا التداول بمفاهيمه الغربية و هي نفسها أول من سيدق المسامير في نعشه و بمطرقة الدين القاسية نفسها !

٢)الحرية هي أم المركزية بتفاصيلها اللامركزية و هي بنت المركزية بتقاطعاتها المركزية و اللامركزية و هذا ما يجعل الحبل السري بين الحرية و الديمقراطية في رحم الانتماء سر التنظيم بالتغذية و الوصل و التبادل المستمر
فالحرية هي فردية تتدرج إلى الجماعة بينما الديمقراطية جماعية تترسخ فهماً و وعياً لدى الفرد الواحد عندما يطرد همجيته و يدرك وعيه الذاتي و المجتمعي و الوطني و يلجم غرائزه و ردود أفعاله !

٣)الحرية تنظمها ديمقراطية تكوينها و لا تعيقها ديكتاتورية قرار و شكل تكوينها و هنا الفرق الجازم و الشاسع بين الشرق و الغرب الذي يبين بشكل لا لبس فيه محاولة هذا الغرب خلق الثغرات بين الدولة و المجتمع لتفجير الوطن برمته و جعله مطية لمصالح القوى العالمية الكبرى و هذا ما لم تستطع الدولة كحكومة توضيحه و توعية الناس عليه بالشكل الصحيح لإنقاذ هذا الوطن السوري العظيم بالتضافر مع جهود القائد العالمي الاستثنائي الدكتور بشار حافظ الأسد !

٤)رأس المال العالمي الذي تحركه مافيات أسروية تدير الديمقراطية باتجاه تسفيه الإنسان و جعله قطيعاً كبيراً يهش عليه المالكون العالميون الحصريون لخانات تغيير الانظمة العالمية كما تشتهي خزائنهم و كما تقتضي طرق ترويضهم لمن يغرد خارج سربهم التابع الخانع الراكع هو الذي ينشر كذبة الديمقراطية كي يصدقها الفارغون من أنفسهم قبل كلّ شيء فكيف بالفارغين من أنفسهم و من عقولهم في مجتمعات مفخخة معيشياً و لاهوتياً ؟!

٥)ليبرالية الرأسمالية و رأسمالية الليبرالية و الرأسمالية الليبرالية هي التي طغت على اشتراكية الديمقراطية مع حرية الإنسان و لم يعد اقتصاد السوق الاجتماعي إلا قاعة من قاعات تجار الرقيق الذين يسيطرون على العالم باسم التمدن و المدنية و العولمة و العصرنة هذه الرأسمالية الليبرالية أنتجت مفاهيماً تجارية هجينة أول ما تتاجر بالإنسان و تستخدم أسلوب تحريره و الدفاع عنه كي تسلبه ما تبقى من عقل سرقته التكنولوجيا و لم تستعده جيوب الأوطان المنكوبة اجتماعياً و اقتصادياً !

٦)لنا بحديثك الحر أن نحاول فك شيفرات الحرية في أوطاننا كي تفرز دولة ديمقراطية بمعناها الصحيح و أن نحاول معرفة جينات الديمقراطية كي لا تبقى أجنتها تائهة في سوق العالم الأسود !
لك السلام الحر الديمقراطي دكتورنا الغالي بهجت سليمان

August 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
28 29 30 31 1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
7699383

Please publish modules in offcanvas position.