nge.gif

    د. فيصل دراج: أن تكون يسارياً اليوم؟

    يستمد السؤال شرعيته من أسباب كثيرة: ففي العالم المتعولم، الذي نعيش فيه، لا يزال اليسار، في أشكاله المختلفة، قائماً يتكشف في مناهضة العدوان العسكري على الشعوب الصغيرة المقاومة، كان ذلك على لبنان وفلسطين واحتلال العراق، أم على شعوب أخرى. بقدر ما يتجلّى في رفض العنصرية واستنكار الهيمنة الأمريكية على العالم. يستأنف هذا الفعل موقفاً يسارياً (قديماً) كان يقول بلغة ليست من هذا الزمان: حق الشعوب في تقرير مصيرها. والأساسي في هذا ليس قوة الموقف أو ضعفه، بل التأكيد أن العالم كان محكوماً، ولا يزال، بموقفين متناقضين: موقف يقول بالتحرر وآخر يلغي الحقوق ويعترف بالمصالح الإمبريالية.
    وإلى جانب البعد السياسي المباشر،ِ المتحدث عن حقوق الشعوب، يوجد البعد الاقتصادي، المتحدث عن الفقر والاستغلال والبطالة، ذلك أن الرأسمالية الليبرالية دفعت بالاستغلال إلى آفاق غير مسبوقة، ساعد على ذلك ضعف النقابات وتراجع القوى السياسية اليسارية، بعد (انتهاء الحرب الباردة). وهناك النزوعات  الأيديولوجية المختلفة، التي يعمل المنتصر فيها على تخليق (الجماعات المتجانسة). أكان ذلك عن طريق أيديولوجيا الاستهلاك الموسّعة في الدول المتقدمة، أم عن طريق (الحركات الدينية الجماهيرية)، التي لا تقول بالطبقات والفقر والغنى، بل تكتفي بثنائية مجردة: المؤمنون والكفار. وفي مقابل هذه النزوعات، التي تلغي السياسة بلغة غير سياسية، هناك العمل الفكري والنقدي، الذي يتحدث عن ضرورة الوعي السياسي وينقد التضليل الفكري ويطالب بذاتية إنسانية  مفكرة، إذ لا فعل بلا سياسة، ولا سياسة إلا بفرد يعرف الفرق بين الصحيح والخطأ.
    لا يزال العالم بعد (الحرب الباردة)، مثلما كان قبلها، مع فرق هائل في ميزان القوى السياسي، الذي جعل من الولايات المتحدة قوة سياسية ـ عسكرية شبه مطلقة. وعلى الرغم من الآثار المادية الهائلة الصادرة عن (الثورة المعلوماتية)، التي أدخلت الإرسال والاستقبال (الثقافي) إلى عصر جديد، فإن الجوع وغطرسة القوة وانتشار الأوبئة وتزايد الأمية كل هذا لا يزال قائماً، بل تفاقمَ وتمدّد وتوسع.
    إذا كان الاندراج في العولمة القائمة وسيلة لمواجهتها، فإن الاندراج في اليسار المتعولم، الذي تشخصنه حركات اجتماعية متعددة، ضرورة للإنسان العربي الذي يريد أن يكون يسارياً. تصدر شرعية السؤال، في وجهه الأول، من الاعتراف بالعالم الراهن وبما يدور فيه، من وجهة نظر التصدي ـ ولو بقدر ـ للوجوه العدوانية فيه.
    أما الوجه الثاني، وهو الأكثر أهمية ربما، فيعود إلى الماضي، ذلك أن ماضي الحركات اليسارية يشكل جزءاً داخلياً من حاضرها، ويحدّد مستقبلها،إن اعترفت بهذا الماضي، ولم تتنكر له، وقُرئ بطريقة نقدية. بل يمكن القول: إنه من الصعب جداً أن يكون الإنسان العربي يسارياً إن لم يتمتع بذاكرة يسارية قوية، بلغة معينة، أو بذاكرة ثورية، بلغة ثانية، أو بذاكرة شيوعية، بلغة ثالثة.ولعله من العبث كل العبث أن يتحدث إنسان عربي اليوم عن اليسار، دون أن يعرف التاريخ الثقافي ـ السياسي الذي جاء منه، والمكوّنات المختلفة التي تندرج في هذا التاريخ. ولعله من العبث الأخلاقي المقيت أن يتنكر (المتعلم العربي)، الذي يريد أن يكون يسارياً، لتاريخ كفاحي واسع صاغه عشرات الألوف من الحالمين الثوريين، الذين واراهم التراب.
    إن تماسك المنظور من تماسك مرجعه التاريخي  الذي لا يتجلى واضحاً إلا بالاعتراف بالتاريخ الثوري العربي، منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم. فقد صاغ هذا التاريخ روّاد كبار في مجالات مختلفة: فكرية وثقافية وسياسية وأدبية ونقابية. يقوم الأمر كله، اليوم بالذات، في التمييز بين تصور رخو فقير يقيس (التاريخ اليساري العربي) بمعايير الهزيمة والانتصار، وتصور أخلاقي ـ عقلاني يدافع عن الصحيح والموضوعي والأخلاقي  في الحاضر والماضي معاً. فلا تعني هزيمة اليسار، وهي في العالم العربي ساحقة، بفساد أفكاره كما يقول البعض، أو بـ (تبعيته)، كما يقول بعض آخر. ذلك أن الانتماء إلى اليسار يعني، موضوعياً، الدفاع عن التحرر الوطني تحرّر الإنسان، رجلاً كان أم امرأة، وتمتع الإنسان بحقوق المواطنة الثقافية والسياسة والاقتصادية، وإدراكه أن الصهيونية قوة تهدّد وحدة الوطن العربي وتحول دون تقدمه.
    سؤالان أساسيان يفرضهما الموضوع: ماذا كانت هوية الإنسان الشيوعي، على سبيل المثال، في زمن مضى؟ وما هو النقد الذي يمكن أن يقع على هذه الهوية اليوم؟
    الجواب عن السؤال الأول بسيط: الطبقة العاملة هي مرجع. الممارسة، والماركسية اللينينية هي الإطار الذي ينظّم  الرؤية ويهندس المنظور، والأممية البروليتارية في شعارها الشهير: يا عمال العالم اتحدوا. هذه هي عناصر ثلاثة متكاملة تحدد الانتماء الطبقي والمرجع النظري والاندراج في حركة كونية أساسها طبقة عمالية متحزبة تحرر العالم وتحرر ذاتها في آن. ما الذي بقى من هذا كله؟ هذا أمر جدير بمعالجة مستقلة. أما الجواب عن السؤال الثاني فشهير، بل أشهر من اللازم، وعناصره كثيرة: نقد البيروقراطية  والهرمية الحزبية المتكلسة، الجمود العقائدي، اختصار النظرية على جملة كلمات جاهزة، الالتزام بطبقة وهمية، الالتحاق بالرفاق الكبار، تشكيل خريطة طبقية مخترعة، وصولاً إلى التحليل والتحريم.
    ولكن ما قيمة هذا النقد اليوم؟ لا أظن أن له أهمية كبرى، فلم يبق أحد يقول إن الماركسية منتصرة لأنها تمثل الحقيقة، وغادر الرفاق الكبار منذ زمن. وتداعت الأحزاب الشيوعية العربية قبل أن يتداعى غيرها. وبسبب هذا فإن قراءة التاريخ الشيوعي العربي لا تنتج معنى إلا من خلال قراءة التاريخ التنويري العربي كله، ذلك أن إعادة الاعتبار إلى هوية الماركسي اليوم تستدعي إعادة الاعتبار إلى كل ما هو تنويري في العالم العربي، لأن التطور اليساري لحظة متميزة من تطور الفكر التنويري. فأن تكون يسارياً، وبعيداً عن الجمل الجاهزة، هو أن تكون مستنيراً ومدافعاً عن التنوير.
    لا يتعيّن التنوير المنشود بالدفاع عن العقل والعقلانية، بل ينقد الشروط التي تمنع الإنسان عن استعمال عقله بشكل عقلاني، وعن احتياز ثقافة راقية تميز بين العقل الصحيح والعقل الفاسد، لأن المسألة ليست في وجود العقل أو عدم وجوده، بل في الربط بين استعمال العقل والقيم الإنسانية الكونية. يحيل السؤال مباشرة إلى الإفقار الإنساني الشامل الذي يتكامل فيه، عربياً، الإفقار الاقتصادي والتعليمي والثقافي، والذي ينتج في النهاية (السواد)، بلغة طه حسين، أي الجموع البشرية الهائلة، التي تطمئن إلى الغرائز تعرف غيرها.
    أن تكون يسارياً اليوم هو أن تدافع عن أمرين: الفضاء السياسي والإنسان القابل للتسييس. ولكن ما معنى السياسة؟ ليست السياسة هي الأحزاب، وجدت أو لم توجد، بل هي الاعتراف بقوة الكلام كنقيض للعنف والتأديب والعقاب. ذلك أن اعتبار الكلام أساس لتبادل الأفكار بين البشر، تعبير عن ارتقاء قيمي ـ ثقافي، يجهر بالمساواة ويرفض احتكار القول من طرف يضع ذاته فوق الأطراف الأخرى. ولهذا فإن القبيلة لا سياسة فيها، لأن رئيس القبيلة تجسيد لكل أطراف قبيلته.
    يبدأ الكلام من الفرد القادر على الكلام، وتبدأ السياسة من فرد حر يرفض ويقبل ويختار (بدائل سياسية) متعددة متنافسة، فمثلما لا توجد الطبقات فرادى، فإن الأحزاب السياسية، بالمعنى القوي للكلمة، لا توجد فرادى، لأن الحزب الوحيد يمنع عن غيره حق الكلام. ولكن هل هناك أيضاً طبقة متجانسة واضحة الحدود ولا تختلط بغيرها؟ لا جواب، إلا من عناصر ثلاثة ضرورية: القبول بفكرة المتعدد، التي تخترق الطبقات والأفكار والأشخاص، السيرورة الموضوعية المفتوحة، التي تقرأ الواقع وتسعى إلى تحويله من وجهة نظر التحرر الإنساني الذي يقلص الفروق بين البشر، في مجالات الحياة المختلفة.
    ما موقع النظرية في كل هذا، وأين (الصراع الطبقي في النظرية)؟ وما هو شكل العلاقة بين نظرية وممارسة تحيلان على إنسان يريد أن يكون يسارياً؟ يأتي الجواب من المواضيع الأساسية التي (تعتقل) التحرر الإنساني، وهي: بناء فضاء سياسي جديد، الافتقار الاجتماعي الشامل، التحرر الوطني من الإرادات الخارجية. فلا يمكن لليساري أن يكشف عن الفرق بين منظوره ومنظور الإنسان اليميني إلا في فضاء  سياسي يتيح للطرفين أن يعبرا عن أفكارهما بحرية كاملة. وبداهة فإن توليد الوعي السياسي، الذي ينتج يسارياً يتطلع إلى جمهور يساري، يبدأ من القضايا الحياتية اليومية وشكل مقاربتها، ومن الحوار مع المضطهدين والمغبونين الذين يتطلعون إلى حقوق إنسانية مشروعة ولا يستطيعون  تحقيقها. فالسياسة تبدأ من المشخّص وتتكوّن حوله، وتنطلق من الحياتي الملموس ولا تكترث بما يليه، وتدور حول الحاجات وسبل إشباعها، وتتمحور حول إنسان أنساه الإكراه أبعاد إنسانيته. وبسبب ذلك فإن الحديث عن العولمة وآثارها والسيطرة الاستعمارية وغطرستها والصهيونية وجرائمها إذ يبدأ بالإنسان ومنه، لأن الإنسان كان، ولا يزال، منطلق السياسة والنظرية والرواية والفنون وأشكال تأمل الماضي والمستقبل معاً. إن قراءة هذه المواضيع من وجهة نظرة تحويلها، هو الذي يحدّد معنى النظرية في نزوعاتها المتعددة.
    كان عبد الرحمن منيف يقول: (الهنا والآن)، ويقوم بتشريحهما. أن تكون يسارياً اليوم هو أن تقترح (شيئاً ما) يغير (الهنا والآن)، علماً أن التغيير سيرورة تاريخية مفتوحة.

     

     


     النور 442 (30/6/2010)

    September 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    1 2 3 4 5 6 7
    8 9 10 11 12 13 14
    15 16 17 18 19 20 21
    22 23 24 25 26 27 28
    29 30 1 2 3 4 5

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8100539

    Please publish modules in offcanvas position.