nge.gif

    د. اليان مسعد: نهاية البحار الشجاع حنا مينه

    الآرامي التائه و قبطان بحر امورو الكبير يترجل الساعة الحادية عشرة إلا خمس دقائق صباح 21-8-ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏جلوس‏‏‏2018
    بالعناية المشددة بالمشفى الفرنسي بدمشق, وكنت آخر من تكلم معه ورمقني بلطف ثم أغمضت له عينيه للأبد لقد سقط عن أمه سوريا بما لا مفر منه للبشر و دون ألم كما تسقط ورقة خريفية عن امها الشجرة سقط الذي تعمد بماء البحر بالاسكندرون ولم يتعمد بماء الاردن كيوحنا ترجل عن 94 عاما بعد ان هزمته الشيخوخة

    حنا مينه
    (مواليد9 آذار-1924
    الوفاة 21 آب-2018)
    روائي سوري ولد في مدينة اللاذقية. ساهم في تأسيس رابطة الكتاب السوريين واتحاد الكتاب العرب و يعد حنا مينه أحد كبار كتاب الرواية العربية مع نجيب محفوظ ومرشح لنوبل للاداب وتتميز رواياته بالواقعية
    السياسية والاجتماعية والطبقية

    حياته
    عاش حنا مينه طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون على الساحل السوري. وفي عام 1939 نزح مع عائلته والكثيرين إلى مدينة اللاذقية بعد الاحتلال التركي مباشرة نتيجة الاضطهاد تجاه السوريين هناك و اللاذقية هي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم كبحار على السفن والمراكب. اشتغل في مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات، ومربي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية إلى صحفي أحيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة بوزارة الثقافة، إلى روائي.

    بداياته مع الكتابة
    البداية الأدبية كانت متواضعة، تدرج في كتابة العرائض للحكومة ثم في كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة.

    أرسل قصصه الأولى إلى الصحف السورية في دمشق بعد استقلال سوريا و اخذ يبحث عن عمل وفي عام 1947 استقر به الحال بالعاصمة دمشق وعمل في جريدة الانشاء الدمشقية حتى أصبح رئيس تحريرها .

    بدأت حياته الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية وللآسف ضاعت من مكتبته فتهيب من الكتابة للمسرح، كتب الروايات والقصص الكثيرة بعد ذلك والتي زادت على 30 رواية أدبية طويلة غير القصص القصيرة منها عدة روايات خصصها للبحر التي عشقة وأحبه، كتب القصص القصيرة في البداية في الاربعينات من القرن العشرين ونشرها في صحف دمشقية كان يراسلها، أولى رواياته الطويلة التي كتبتها كانت (المصابيح الزرق) في عام 1954 وتوالت إبداعاته وكتاباته بعد ذلك، ويذكر أن الكثير من روايات حنا مينه تحولت إلى أفلام سينمائية سورية ومسلسلات تلفزيونية.

    مساهمته في رابطة الكتاب السوريين
    ساهم حنا مينه مع لفيف من الكتاب اليساريين في سوريا عام (1951) بتأسيس رابطة الكتاب السوريين، والتي كان من أعضائها
    صلاح دهني
    مواهب كيالي
    حسيب كيالي
    مصطفي الحلاج.... وآخرون كثر
    نظمت الرابطة عام (1954) المؤتمر الأول للكتاب العرب بمشاركة عدد من الكتاب الوطنين والديمقراطيين وااتقدميين في سوريا والبلاد العربية وكان لحنا مينه دورا كبيرا في التواصل مع الكتاب العرب في كل أنحاء العالم العربي و ساهم بشكل كبير في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، وفي مؤتمر الاعداد للاتحاد العربي التي عقد في مصيف بلودان في سوريا عام 1956 كان لحنا مينه الدور الواضح في الدعوة إلى ايجاد وإنشاء اتحاد عربي للكتاب، وتم تأسيس اتحاد الكتاب العرب عام 1969 وكان حنا مينا أحد مؤسسيه.

    حنا مينا أب لخمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولاده، وهو ممثل ناجح ومعروف. شارك في بطولة المسلسل التلفزيوني (نهاية رجل شجاع) المأخوذة عن رواية والده وبالمسلسل الشهير (الجوارح) و(الطير) وشارك في العديد من المسلسلات السورية، ولديه ثلاث بنات: سلوى (طبيبة)، سوسن (وتحمل شهادة الأدب الفرنسي)، وأمل (مهندسة مدنية).

    من أقواله
    يقول حنا مينا: (أنا كاتب الكفاح والفرح الإنسانيين فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى ، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحياة الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها، بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضاً. إن وعي الوجود عندي، ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي)، (وكانت التجربة الأولى في حي "المستنقع" الذي نشأت فيه في اسكندرونة، مثل التجربة الأخيرة، حين أرحل عن هذه الدنيا، ومثل تجربة الكفاح ما بينهما، منذورة كلها لمنح الرؤية للناس، لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل ، والسير بهم ومعهم نحو المعرفة، هذه التي هي الخطوة الأولى في المسيرة الكبرى نحو الغد الأفضل).

    كما يقول عن مهنته الأخيرة: ( مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني، وبسخاء، يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاراً، مع نجيب محفوظ بعد نوبل ، ومع نزار قباني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين. و يطالبونني، في الوقت الحاضر، بمحاولاتي الأدبية الأولى، التي تنفع الباحثين والنقاد والدارسين، لكنها، بالنسبة إلي، ورقة خريف أسقطت مصابيح زرق).

    ويقول عن البحر: (إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول: في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا البحر والبحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟)

    حنا مينه كما يقول تعمّد بماء اللجة لا بماء نهر الأردن، على طريقة يوحنا أسألكم: ( أليس عجيباً، ونحن على شواطئ البحار، ألا نعرف البحر؟ ألا نكتب عنه؟ ألا نغامر والمغامرة احتجاج؟ أن يخلو أدبنا العربي، جديده والقديم، من صور هذا العالم الذي هو العالم، وما عداه، اليابسة، جزء منه؟! البحار لا يصطاد من المقلاة وكذلك لا يقعد على الشاطئ، بانتظار سمكة السردين التافهة. إنه أكبر، أكبر بكثير، وأنا هنا أتحدث عن البحار لا عن فتى الميناء!).

    ثم يقول (الأدباء العرب، أكثرهم لم يكتبوا عن البحر لأنهم خافوا معاينة الموت في جبهة الموج الصاخب. لا أدّعي الفروسية، المغامرة نعم! أجدادي بحارة، هذه مهنتهم، الابن يتعلم حرفة أهله، احترفت العمل في الميناء كحمّال، واحترفت البحر كبحار على المراكب. كان ذلك في الماضي الشقي والماجد من حياتي، هذه المسيرة الطويلة كانت مشياً، وبأقدام حافية، في حقول من مسامير، دمي سال في مواقع خطواتي، أنظر الآن إلى الماضي، نظرة تأمل حيادية، فأرتعش. كيف، كيف؟!).
    (أين، أين؟! هناك البحر وأنا على اليابسة؟! أمنيتي الدائمة أن تنتقل دمشق إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى دمشق، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنني مربوط بسلك خفي إلى الغوطة ، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي دمشق الصيفية الفاتنة، وحارس مؤتمن على جبل قاسيون، ومغرم متيّم ببردى، لذلك أحب فيروز والشاميات.).

    الأديب والروائي
    حنا مينه أحد عمالقة الرواية في سوريا والوطن العربي، وقف في وجه الاستعمار تلتركي ثم التواطئ السياسي الداخلي والفرنسي وعمره 12 عاما ثم نزح الى اللاذقية مع الشريحة الانطاكية وعاش حياة قاسية، وتنقل بين عدة بلدان سافر إلى أوروبا ثم إلى الصين لسنوات لكنه عاد.

    حنا مينه الروائي، أديب الحقيقة والصدق، عصامي ساهم في إغناء الرواية العربية وعمل باجتهاد حتى أجاد وأبدع. كتب الكثير من الروايات والقصص يتحدث في معظمها عن البحر ويصف حياة البحارة في مدينة اللاذقية وصراعهم على متن المراكب والسفن ومع اخطار البحر. لقد أبدع في الكتابة عن البحر بروايات فيها الكثير من الصدق والعمق والمعاناة والكفاح والواقعية والحب والجمال.

    حنا مينة الرجل الحر
    قرأت عن فصل "حنا مينة" من اتحاد الكتاب العرب الذي أسسه يقول:
    عندما فصل الاتحاد الشاعر الكبير أدونيس من عضويته، دون مناقشة أو محاكمة، بسبب تهمة التطبيع مع العدو الإسرائيلي التي نسبت إليه، قررنا، سعد الله ونوس وأنا، الاستقالة من عضوية الاتحاد، انتصاراً للحق، ودفعاً للغبن اللاحق بأدونيس، المفصول دون تحقيق من الاتحاد معه، حتى لا يصبح ذلك إجراء له سابقة، مع أنني، وأقول هذا بالنسبة إلي، أختلف مع أدونيس في كثير من أفكاره ومواقفه، ومنها الموقف الذي فصل لأجله دون مساءلته على النحو الذي تفرضه الأصول، ونشرت الاستقالتان في الصحف وهما معروفتان من الجميع، ومعللتان تعليلاً لا لبس فيه، وكان المرحوم سعد الله مريضاً آنذاك، وأحسب أن موقفه من واقعة فصل أدونيس مثل موقفي، وقد استغربنا، حين قرأنا، بعد أيام خبراً في إحدى صحف الاتحاد، مفاده أننا فصلنا من عضويته لأننا مع التطبيع.

    هذه هي قصة استقالتينا، سعد الله ونوس وأنا من عضوية اتحاد الكتاب العرب، وبكل دقة ممكنة، وموقفنا ضد التطبيع معروف، وأنا لست ضد اتحاد الكتاب العرب، لكنني أفضل أن أبقى مستقلاً عن كل اتحادات الكتاب العرب المماثلة، مع الاعتراف أن اتحادنا في سورية قدم، ويقدم، لأعضائه خدمات وفوائد هم بحاجة إليها، ولولاه ما توفرت لهم.

    رواياته ومؤلفاته
    معظم رواياته تدور حول البحر وأهله، دلالة على تأثره بحياة البحارة أثتاء حياته في اللاذقية. مؤلفاته هي:

    "المصابيح الزرق" وتم تحويلها لمسلسل يحمل نفس الاسم
    الشراع والعاصفة
    الياطر
    الأبنوسة البيضاء
    حكاية بحار
    "نهاية رجل شجاع" والتي تم تحويلها إلى مسلسل يحمل نفس الاسم
    الثلج يأتي من النافذه
    "الشمس في يوم غائم" وتم تحويلها لفيلم بنفس الاسم
    "بقايا صور" والذي تم تحويلها لفيلم بنفس الاسم
    المستنقع
    القطاف
    الربيع والخريف
    حمامة زرقاء في السحب
    الولاعة
    فوق الجبل وتحت الثلج
    حدث في بيتاخو
    النجوم تحاكي القمر
    القمر في المحاق
    عروس الموجة السوداء
    الرجل الذى يكره نفسه
    الفم الكرزى
    الذئب الأسود
    الارقش والغجرية
    حين مات النهد
    صراع امرأتين
    حارة الشحادين
    البحر والسفينة وهي
    المرصد
    الدقل
    المرفأ البعيد
    مأساة ديمترو
    الرحيل عند الغروب
    المرأة ذات الثوب الأسود
    المغامرة الأخيرة
    هواجس في التجربة الرواءية
    كيف حملت القلم؟
    امرأة تجهل أنها امرأة
    النار بين أصابع امرأة
    عاهرة ونصف مجنون
    شرف قاطع طريق
    أتذكره عندما كنت طالبا للطب في عصر الحريات الذهبي لسوريا بين 1971 و1977, وكنت لا أفوّت ندوة او منتدى او عرضاً سينمائياً خاصاً او ملتقى ادبياً او فنياً, ودوما كانت الدكتورة نجاح العطار حينئذ حاضرة وعلى يمينها دوما الراحل حنا مينه الذي يتناولني ويتناولنا بالجدل حين أحشرهم وبحشرونهم الشباب الجامعي المتحمس بالاسئلة المحرجة, واتذكر الجلسة النقدية على هامش مهرجان دمشق للفنون المسرحية حول مسرحية "دائرة الطباشير القوقازية"  هي ثاني أهم مسرحيات لبرتولت بريخت بعد مسرحيته الاحمر.
    شجاعة، وهي من نمط المسرح الملحمي الذي اعتمده بريخت و تقوم هذه المسرحية على عدد هائل من الشخصيات ليس لديها أبعاد نفسية إنما تشكل أفعالها غستوس يؤدي إلى معرفة مقولة المسرحية (الأمثولة) التي يطرحها بريخت علنا على لسان المغني في النهاية. أما من حيث الحبكة فالمسرحية ليس فيها صراع إنما يدور ضمن لوحاتها قصتان منفصلتان تلتقيان في نهاية المسرحية ومنها نر أن مبدأ بريخت أن يروي حكاية تحث المتلقي على التفكير ليصل إلى الأمثولة بعد أن فكر هو بها وتحكى المسرحية عن ملكة تتخلى عن طفلها الرضيع وتهرب خوفا ويظل الصغير في رعاية الخادمه الصغيرة حتى تمر الأعوام وتعود الملكة للحكم وتطالب باسترداد إبنها, لكن الخادمه تتمسك به وعندما يقع القاضى في حيرة من أمره يصنع دائره من الطبشور ويضع بداخلها الصغير ويطلب من كلتيهما أن يجذباه لخارج الدائرة تنجح الملكة في جذبه وانتزاعه من يد الخادمه الحانيه فيحكم القاضى للخادمة. هكذا صور بريخت فكرة إذا أحببت شيء فلا تتنازع عليه وتمزقه. وما طرحت من أسئلة مصيرية ولكنه كان دوما صريحا واقعيا لا يتهرب من الانحياز للمظلومين و يسير مثلنا على شفرة السكين دون ان يسقط وراء الخطوط الحمر.
    ترجل الارامي التائه والبحار البطل حنا مينه بمدينة ارام دمشق بين أهله ومحبيه وسقط بهدوء كورقة خريفية يابسة اذ لم تستطع العواصف والامواج والانواء اسقاطه اسقطته البيولوجيا التي لم يهزمها احد و لا حتى انصاف الالهة انكيدو ولا جلجامش ساكافح لبسمى شارعان بدمشق باسمك واسم حزائيل ملك ارام دمشق بدلا من توافه و قتلة مثل بسر ابن ارطأة
    حنا مينه نحن احتراما لوصيتك لا نعزي بك نحن نعزي بانفسنا
    دمشق-21-8- 2018

    September 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    1 2 3 4 5 6 7
    8 9 10 11 12 13 14
    15 16 17 18 19 20 21
    22 23 24 25 26 27 28
    29 30 1 2 3 4 5

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8100229

    Please publish modules in offcanvas position.