nge.gif
    12.png

    ليندا ابراهيم: عاشقٌ من فلسطين..

    أغمضَ عينيهِ المتعبتين، طويلاً، حتى كدنا نقول: "لا بدَّ وأنَّه يُسلِمُ الرُّوحَ إلى بارئتها "فلسطين"، ويمضيربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏."
    أطبقَهُما طويلاً، يوَدُّ لو يختصرُ سنواتِ الغربةِ، وعهودَ النُّزوحِ، وعصرَ النِّضال الذهبيِّ الأشرف في تاريخ القضيَّة، في إغماضة استرجاعٍ ليتها تتكرَّر في ثوان.
    أغمضَ عينَيه العميقتين، كغاباتٍ من الزيتون، أو بياراتٍ من أرضِ "يافا"، يريدُ أن يحتضنَ أرضَ الله الأقدسَ، بترابها الأطهرِ كلِّهِ، ويأخذَهُما معه إلى رحلته الأبديَّة، حيثُ يجدُ لهُ جناناً من لوزٍ وزيتونٍ وبرتقال، ترتعُ فيها روحُهُ، تماماً كتلك الأرض الجنَّة التي غادرها فتياً ورحل، ليحملها فيما بعدُ، في روحه وعقله وسلاحه ووجدانه إلى أبد الآبدين، مُوَرِّثاً مُوَرِّثاتِ هذا الحُبِّ الأطهرِ إلى كلِّ خليَّة من خلايا روحِهِ المُمتدَّة نسغاً صافياً كريماً في أبنائِهِ وأصدقائِهِ وكلِّ من انتهجَ نهجَه...
    **
    هناكَ، على الكورنيش السَّاحلي الذي هو امتدادٌ لشريط سوريا الطبيعية، قبضَ على كمشة اللوز الموضوعة على مائدة الشِّعر والبحر، قائلاً بحنين لا ينفد: "كلَّما رأيت اللوز تذكرت لوز فلسطين، فأتناوله كله، ولا أترك حبة واحدة منه، فهو يذَكِّرُني بأشجار اللوز في "بيسان"، ويغصُّ بإجهاشة خفيَّة، يقطعها صوتُ "المجوز" الفلسطيني، وهو يغني أغاني العشق التي تذبح الشوق شوقاً حتى وريد الروح، وينتبهُ: آآه، من الذي يتَّصلُ بي الآن من "عَمَّان"، لا بد وأنَّه أحد أقاربي...!
    وأفكِّر بدهشة: "حتى رنة جوَّاله من تراث فلسطين "؟
    يا إلهي! ألهذه الدرجة هو مسكون بها، ومجنون بها، هو المبرَّحُ بها شوقاً ووجداً وعشقاً حتى الموت؟
    ***
    في دمشق الشَّام، دلفنا إلى بيته، وهو المعطَّر أبداً برائحة فريدةٍ، هي مزيجٌ مدهشٌ من العتق، والتاريخ، والشَّذى الغامضِ الشهيِّ الذي له رائحة وطن هو "فلسطين".
    في كل شبرٍ، وزاويةٍ، وركنٍ، هنالك ما يروي قصص التراث، والذاكرة البعيدة القريبة لأي بيتٍ فلسطينيٍّ سوريٍّ، يحملُهُ بين جوانحِهِ هذا الفدائيُّ العنيد.
    النُّحاسيَّات، الجداريَّات، اللوحات، القماشيَّات المطرَّزة بروح أهلها، عَلَمُ فلسطين وقد نُقِشَ عليه "راجعون"، و كأنَّنا دخلنا إلى وطنٍ داخلَ الوطن...
    رأينا به فلسطين تتعافى وتعود إلى النِّضالِ بنسختهِ الأحدثِ والأقوى والأصلب عوداً...
    "الحمد لله تماثل للشفاء"، وتدلفُ "بيسان" بكامل أبَّهتها الفينيقيَّة السُّوريَّة الأصيلة الرَّاسخة الشَّامخة، لتعلنَ انتماءَ الفرعِ إلى الأصلِ، ولتكونَ نسخةً طبقَ الأصل عن الزيتونة العتيقة، الثَّابتة أصولها حتى أقاصي التراب الحزين في فلسطين، الممتدة فروعها حتى أبد السَّماء و شُموخها...
    باقاتٌ من نرجسِ اللهفة، وبنفسجِ الحنين، وياسمين الله الأنقى، كانت تتناهى إلينا من كل ثانية من اللقاء، على وقع صوت الفرح الدمشقي العارم بإسقاط طائرة للعدو الإسرائيلي بأيدٍ سوريَّة و روح شآميَّة فوق "الجليل"...
    عند ذاك، فتح عينيه الراسختين على آخر صورة لمفتاح باب العودة، بينما طيوف أرواح عهد التميمي، ومحمد الدرة، وراغب حرب، وسناء محيدلي، وفايز منصور، وعصام زهر الدين، ونضال جَنُّود، وعلي شاهين، وثائر العجلاني، وكل قطرة دمٍ طاهرة سالت وبُذلت لأجل فلسطين أصالةً، أو وكالة، أو نيابة، تتراءى أمام عينيه، أمَّا "حنظلةُ "ناجي العلي"، فكان يدير وجهه هذه المرة باتجاه أقصى الله، حيث تخوم تراب "المهد" في فلسطين، والذي قِبلتُهُ "دمشق"...
    ............................
    هامش1: هذا النص مهدى إلى الشاعر والمناضل السوري الفلسطيني خالد أبو خالد
    هامش2: أيضاً أنشره في ذكرى غياب رسَّام الكاريكاتير السُّوري الفلسطيني ناجي العلي
    هامش3: هذا النص من مجموعتي السَّردية بعنوان "على الجسر العتيق" الصادرة هذا العام عن دار "ماشكي" في الموصل-العراق

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9037591

    Please publish modules in offcanvas position.