الحجاب والسفور: من عصور الحريم والجواري إلى عصر تحرر المرأة في عصر التنوير الاسلامي

د. عبد الله حنانتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا
- من عصور الحريم والجواري إلى عصر تحرر المرأة في عصر التنوير الاسلامي والنهضة العربي، (اواخر القرن التاسع وحتى الربع الأخير من القرن العشرين)
- الرجوع إلى الحجاب الشرعي في الثلث الأخير من القرن العشرين وما تلاه..
- ثمّ عودة أعداد غفيرة من الصبايا السُنيّات إلى ارتداء المودرن من الكتفين ونازل... هل هي ظاهرة احتجاج وتمرد على حجاب القبيسيات، الذي لا يشف ولا يوصف؟..)

منذ عقد من الزمن اختفى الفرق في اللباس بين الصبايا السنيات وزميلاتهنّ من: علويات مسيحيات درزيات اسماعليات وتراهُنّ يتبَخْترْن في شوارع المدن والارياف. ولم يبق من الحجاب الشرعي، الذيَ تحوّل أيضا إلى المودرن من الرقبة وطالع، إلا ستر الشعر، وعرقلة السماع في الأذنين، في مخالفة واضحة لِنِعَمِ الله على خلقه في تعطيل جزئي لإحدى الحواس الخمس.
هل هذه المشاهدات صحيحة نسبيا أم مخطئة؟..
***
لم يرد في النسخة الورقية من "ديرعطية التاريخ والعمران" فصل خاص بموضع الحجاب. ولكن وردت معلومات وافية عن المرأة الديرعطانية وعملها المنزلي والزراعي وفي ميدان الرعي بحدود ضيّقة .
وقد رأينا إدراج ملّخص من بحث طويل نشرناه في كتابنا "الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين وخلفياتها الاجتماعية" نظرا لانتشار الحجاب بمراميه المتعددة بعد صعود الاسلام السياسي في العالم العربي ووصول أصدائه إلى ديرعطية.
***
الحجاب موروث ثقافي كان موجودا في العديد من الحضارات القديمة قبل الاسلام. وقد لعبت مسألة التفريق بين الجواري والحرائر دورا في التمييز في ملبس كل منهما. ومع تزايد أعداد الجواري في العهد العباسي انتصر التيار الفقهي الداعي إلى ترسيخ شرعية الحجاب في أمرين: حجب المرأة في البيت وستر كافة جسدها كلباس إسلامي. و أسهم النظام السلطاني العسكري للسلاجقة والمماليك والعثمانيين في الانتصار المطلق لعهد الحريم والفصل بين الرجال والنساء وغلبة المفهوم السلطاني في السيادة المطلقة للرجل الحر، مع سلوكيه تسلطية تماشيا مع مفهوم العهد الذكوري...
ومع عصر النهضة تبلور تيار تحرير المرأة في أوساط المتنورين المسلمين مما دفع قاسم أمين وبتوجيه من الإمام محمد عبده إلى إصدار كتاب تحرير المرأة عام 1899. وقد اعلن الكتاب بجرأة أن حجاب المرأة السائد ليس من الإسلام، وأن الدعوة إلى السفور ليست خروجاً على الدين.
ومع ذلك كان الحجاب المعروف بـ"الملاية" يغطي مساحة واسعة من الشارع النسائي ولم يحتل السفور موقعا واسعا في أوساط الفتيات المسلمات السنيات إلا في منتصف القرن العشرين. واصبح السفور في خمسينيات وستينيات وإلى حدّ ما سبعينيات ذلك القرن الظاهرة الواضحة في المدارس والجامعات.
ومع بدء الانكسارات في صفوف النهضة العربية وبداية بروز أزمة الحركة الوطنية العربية عاد الحجاب يطلّ برأسه من جديد في المدارس والجامعات. وأذكر أنني كنت في شتاء عام 1981 في جولة دراسية ميدانية في مديرية مالية دمشق. وقد لفت نظري في ذلك الحين أن الموظفات السنيات المتقدمات في العمر كنَّ سفورا في حين أن معظم الموظفات الشابات السنيات كنَّ يلبسن "الحجاب الشرعي", بعكس ما كان عليه الأمر في خمسينيات القرن العشرين حيث كانت الفتيات تخرُجن سافرات والمتقدمات في السن لا يزلن يلبسن "الملاية".

ذات مرة كنت في زيارة لعائلة من بيت عبدو في بلدتنا ديرعطية. فرجاني صاحب البيت وزوجته أن اتحدث مع ابنتهما لإقناعها بعدم ارتداء الحجاب. و لجوء الصديق إليّ مرده أن ابنته كانت معجبة بالمحاضرات التي كنت ألقيها في المركز الثقافي, وبسبب هذه الدالّة يُمْكِنُني, حسب رأيه, أن أقنعها بالبقاء على السفور كأختها التي اعلنت انها لن ترتدي الحجاب. وطبعا لم أقم بالمهمة و أقنعت الوالدين بتركها تتصرف حسب قناعتها, لأن ظاهرة الحجاب المنتشرة في تسعينيات القرن العشرين لها دوافعها الكثيرة وحديث الإقناع لا يجدي نفعاً.

ومع أن ارتداء الحجاب مرتبط ارتباطا وثيقا بالتراث الاسلامي وبالعمق التاريخي المجتمعي، فإن انتصار السفور في المجتمعات العربية المتقدمة في منتصف القرن العشرين دليل واضح على ان للمرحلة الزمنية التي يمر بها المجتمع دور هام في دفع النساء نحو الحجاب أو السفور، ولا يقتصر الأمر فقط على الروادع أو الحوافز الدينية.

ومع خفوت جمر المنطلقات النهضوية (العقلانية, العلمانية, الديموقراطية, المواطنة المتساوية و تحرر المرأة) وفشل الناصرية والبعثية في تحقيق التنمية وتحرير فلسطين، حلّ الاسلام السياسي بصيغته المنغلِقة محل عصر التنوير, وتلا ذلك الانتصار المطلق للحجاب الشرعي. وإذا كان للحجاب الشرعي مبرراته فإن دخول أنواع متقوقعة من الحجب على بلاد الشام ومصر لم يكن أمرا مقبولا من تيارات اسلامية منفتحة على الحضارة والكون. هذا النقاب الذي لم تعهده المدن السورية فيما مضى من الزمن أخذ ينتشر منذ منتصف الثمانينات من القرن العشرين و أصبح ظاهرة ملفتة للنظر في تسعينياته. وهو في الواقع موروث "عثملي" انعشته الوهابية وما تضخه من البترودولار في بلاد الشام ومصر.
****
يلاحظ أن حجاب الفتيات في ديرعطية سبق حجابهنّ في النبك، لأسباب أجهلها. وفي ديرعطية كانت النساء تصافح الرجال دون حرج حتى ثمانينيات القرن العشرين، وكان الفلاحون نساء ورجالا يجلسون للسهر مع بعضهم البعض، ولم تكن عقدة الخوف في اللقاء سويّة إلا ما ندر. و بعد السبعينات أخذت ظاهرة إنعزال المرأة بالبروز أكثر فأكثر.
في إحدى أيام رمضان زرت صديقا لي في ديرعطية وكانت زوجته تجلس معنا وتتحدث دون حرج. و دارت الأيام دورتها وتوفيت الزوجة و اقترن الصديق بإمرأة جديدة كانت سافرة وتحجّبت. ذهبتُ لزيارته فاستقبلني كعادته برحابة الصدر ودماثة الخلق في غرفة الضيوف. وبعد فترة قصيرة قُرع الباب فقام الصديق وتناول من زوجته فنجانيْ القهوة وأغلق الباب... فسبحان من يغيّر ولا يتغير.

October 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
8670291

Please publish modules in offcanvas position.