nge.gif

    د. عبد الله حنا: أصداء (ديرعطية التاريخ والعمران) بين القرّاء

    أصداء "ديرعطية التاريخ والعمران" بين القرّاءنتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حنا
    الصادرعن المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق 2002
    واجه المخطوط لسنوات، كما ذكرنا سابقا، رفضا لعدم طباعته من قبل جهات تخاف وزارة الإعلام من ردِّ طلبها. ولذا كان كثيرون يتلهفون لمعرفة محتويات الكتاب، وبعضهم ظنّ أن نقدا موجها لأبو سليم بين دفتي الكتاب، أدى إلى منعه.
    بمبادرة مني وافق المركز الثقافي في ديرعطية على الدعوة إلى ندوة حول كتاب تاريخ ديرعطية. ترأس إدارة الندوة الدكتور عبدو عبود وتحدث فيها الاساىذة: مصطفى الحاج إبراهيم.. أبو الوفا القصاب.. مفيد معماري.
    كان هدفي من إقامة الندوة تعريف الناس بالكتاب وكسر حاجز الخوف مما كان يُشاع حول كتاب تاريخ ديرعطية وخطورته. وقد خاب ظنّي، فالمتحدثون تحاشوا تناول محتويات الكتاب......
    خلافا لهذا الصمت رحّبت مكتبات ديرعطية ببيع الكتاب كما ورد في المقدمة الالكترونية. وكان اصحاب المكتبات يطالبونني دائما بمزيد من النسخ بسبب الاقبال على شراء الكتاب، الذي لاقى رواجا بين الناس وبلغ عدد النسخ المباعة 300 إضافة إلى مئة نسخة لقاء اتعابي وزّعتها مجانا على المستحقين.
    انصبّ اهتمام كثير من القراء لمعرفة ما كُتب عن آبائهم أو أجدادهم، ولم تكن تهمّهم كثيرا الأبحاث الجادة ذات النكهة الأكادمية المتعلقة بماضي البلدة.

    المواضيع الهامة المعتمِدة على تناغم ما جمعته من أفواه الناس المعروف بالتأريخ الشفوي وما أخذته من المصادر المكتوبة المتعددة، هي الآتي:
    الزراعة المروية والبعلية وتربية المواشي.. الحرف والنقل والتجارة.. الأعشار والتجنيد.. التطور العمراني.. دور العبادة.. بلدية ديرعطية.. الشعر الشعبي (الزجل).. الأسرة وتطورها.. الهجرة إلى أمريكا والخليج.. المدارس.. الحياة السياسية الحزبية..
    كثيرون أعربوا أمامي شفهيا عن إعجابهم بالكتاب. والوحيد، الذي سلّمني رأيا مكتوبا يشيد بالعمل هو الاستاذ عبد الباقي عبد الباقي.
    الوحيدون، الذين أبدوا استياءهم مما كُتب عنهم هم البدو سابقا والمعروفون ب "العرب". هؤلاء قدموا إلى ديرعطية في حدود عام 1860 واستقروا فيها ولم يكونوا يملكون لفترة طويلة بيوتا، كما لم يمتلكوا أرضا ولم يمتهنوا الفلاحة.
    سعيتُ في الكتاب تتبُع عملية الاندماج البطيئ ل"العرب" بفلاحي ديرعطية، التي تسارعت وتيرتها بعد منتصف القرن العشرين. استخدم المؤلف المنهجين الخلدوني (نسبة لإبن خلدون) والمنهج الانتروبولوجي في تناوله ل"عرب ديرعطية". ورأى غضّ الطرف عن مصادر مكتوبة وشفوية كثيرة تتناول حياتهم في ديرعطية المعروفة بسلبيتها عندما كانوا جياعا لا يملكون شروى نقير. هذه السلبيات لعرب ديرعطية وقف منها المؤلف موقف المدافع عن هؤلاء الفقراء، ولكن غالبية من التقيتُ بهم من متقدمي السن في ديرعطية يتذمّرون من سلوك هؤلاء "العرب" الباحثين عن لقمة العيش بوسائل لم ترقْ لأكثرية "أهل الضيعة". وقد حاولت جاهدا أن لا أزوّر التاريخ متفهما ظروف هؤلاء الجياع في العقود الاولى من استقرارهم في ديرعطية. ويحتوي أرشيفي المتعلق ب "بعرب ديرعطية" وقائع عن حياتهم السابقة لم أرَ ضرورة لنشرها، كي لا أجرح "كبرياءهم".
    بعد انتشار كتاب ديرعطية زارني في منزلي بديرعطية عدد من هؤلاء "البدو" أو "العرب" معْرِبين عن عدم رضاهم عمّا جاء في كتاب تاريخ ديرعطية عنهم. وكانت نبرة حديث بعضهم تنمّ عن شعور بأن ما كُتب عنهم "غلط" حسب تعبيرهم. فصُدمت من شعورهم الخاطئ هذا، معتبرا أن ما كتبته عنهم هو نهج جديد في عملية تتبع اندماج "مجموعة بدوية" في مجتمع حضري فلاحي متطور، متجاوزا عشرات الوثائق، التي تَكشِف عن سلوك هؤلاء الجياع, وساعيا كمؤرخ للحركات العمالية والفلاحية تبرير سلوك أولئك الجياع والدفاع عنهم وهو يعرفهم منذ صباه، ولم تكن له نظرة عدائية ضدهم بل العكس.
    أثناء اللقاء الأول قال أحدهم وبنبرة حادة: "نحن أتينا مع صالحة خاتون"، علما انهم حلّوا في ستينيات القرن التاسع عشر. عندما رويتُ هذا القول أمام المرحوم محمد جومر أجاب ببداهة: "لو أتوا مع صالحة خاتون قبل مئات السنين لكانت لهجتهم البدوية تغيّرت". وأردف جومر: بقيت لهجة "عرب الضيعة" بدوية خالصة حتى منتصف القرن العشرين.
    ***
    قبل صدور كتاب ديرعطية بزمن ألقيت في المركز الثقافي العربي في قاعة بلدية ديرعطية (لم يكن قصر الثقافة قد اكتمل بناؤه بعد) محاضرة بعنوان:
      "البداوة والحضر في تقدّم البشر".
    أشرتُ فيها إلى أنّ خطّا مفترضا كان يفصل البادية عن المعمورة. وهذا الخط لم يكن ثابتا بل متحركا. فعندما تكون الدولة في بلاد الشام ضعيفة يغزوا البدو العمران وينهبون ما يستطيعون. وعندما يشتدّ ساعد الدولة يدفع جنودها البدو شرقا وتتسع رقعة المعمورة وتعيش الناس بهناء.
    بعد المحاضرة باسبوع التقيت مصادفة بالمحامية فاطمة غزول فبادرتني قائلة: "البدو زعلانين منّك بشكل". وتقصد بشكل: زعلا شديدا. فقلتُ لها: حبّذا لو تقومين بدعوتهم للقاء بي وبحضورك لتبيان دقة ما ذكرته، إضافة إلى أنني لم أذكر في المحاضرة "عرب ديرعطية" نهائيا. وهؤلاء ليسوا الآن من البدو إنهم تحضّروا منذ زمن، فلماذا يزعلون إذا قلتُ إنّ البدو في سالف الزمن كان الغزو والسلب محورا حياتهم.
    لم يجر اللقاء، الذي تمنيته، وجاء صدور كتاب تاريخ ديرعطية وفيه
    شذرات عن عدد من عائلات بدو الصفا حلّوا في ديرعطية عام 1860 ومع مرور الزمن بدؤا يندمجون مع فلاحي ديرعطية وأصبحوا في الربع الأخير من القرن العشرين جزءا من نسيج ديرعطية الاجتماعي  عملية الاندماج هذه استمرت عشرات السنين وهذا ما قام مؤلف كتاب ديرعطية بتتبعه ملقيا الأضواء على عملية اندماج مجموعة صغيرة من البدو استقرت في ديرعطية وتمّ اندماجها قبل نهاية القرن العشرين.
    أيها الأعزاء: ممَن لا تزالون تُعرفون ب"العرب أو البدو".. أنتم لستم الآن بدوا: لا تسكنون الخيام، لا تملكون الجمال، لا تترحّلون، لا تغزون، أنتم منذ زمن حضر تعيشون في بيوت، فمنكم: المهندس والمعلم والحرفي والعامل وغير ذلك. إنكم منذ منتصف القرن العشرين جزء من نسيج مجتمع ديرعطية.

    October 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    29 30 1 2 3 4 5
    6 7 8 9 10 11 12
    13 14 15 16 17 18 19
    20 21 22 23 24 25 26
    27 28 29 30 31 1 2

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    8670094

    Please publish modules in offcanvas position.