nge.gif
    image.png

    مروان حبش يكتب عن انقلاب 28 آذار 1962

    أ مروان حبشبعد أن نضجت فكرة الانقلاب في ذهن كتلة النحلاوي ورُسِمت خططها، تحركت في الساعات الأخيرة من ليلة 28/3/1962 عدة مفارز عسكرية وباشرت باعتقال القسم الأكبر من أعضاء المجلس النيابي، وأعضاء حكومة الدواليبي، وأُحْضِر رئيس الجمهورية د. ناظم القدسي إلى مبنى قيادة الجيش ووافق على تقديم استقالته بناء على طلب النحلاوي، وتمَّ اعتقاله في سجن مستشفى المزة العسكري، وبدأت الإذاعة السورية بإذاعة بلاغات عسكرية تتمة لبلاغات 28 أيلول وفحواها ضرورة إصلاح وتصحيح الانحراف الذي حصل.
    ظهرت بوادر الانقسام جليَّة في الجيش، وكل كتلة فيه اعتبرت أن الوقت قد حان لتنفيذ مخططاتها, وكانوا جميعهم متفقين، من دون اتفاق سابق، على الإطاحة بكتلة النحلاوي، كخطوة أولى للتمهيد للخطوة الثانية.
    كانت القاهرة على علم مسبق بما سيقوم به النحلاوي ومجموعته، وأبلغت أنصارها من الضباط الموجودين في القاهرة أو في دمشق، للاستعداد والتحرك في اللحظة المناسبة والقيام بانقلاب على الانقلاب لصالح نظام عبد الناصر، فاتصل الضباط المسرحون الموجودون في القاهرة بالمقدم المسرح محمد عمران رئيس اللجنة البعثية العسكرية، المتواجد، حينها، في لندن لمعالجة ابنه، وطلبوا منه ضرورة العودة، فوراً، إلى دمشق، واللجنة في ذلك الوقت لم يكن لها أي ارتباط تنظيمي أو تنسيق مع قيادة الحزب، ولكنها كانت تتفق مع تقييم القيادة القومية للأحداث، وكانت كتلة الضباط الوحدويين (ناصريون وبعثيون)، مَنْ منهم في الخدمة أم كان مسرحاً يخططون للانقلاب على الحكم الانفصالي وإعادة الوحدة على أسس جديدة.
    كان الاتفاق مع قائد موقع حمص العميد بدر الدين الأعسر، بأن يجتمع الضباط الوحدويون المسرحون عنده ليل31- 1/3، ليسيطروا على اللواء المدرع الخامس المرابط في حمص بمساعدة بعض الضباط العاملين فيه، وفي الوقت نفسه تكون قد تمت السيطرة على الوحدات العسكرية في حلب وفي المنطقة الشرقية والساحلية، وبعد ذلك يأتي التأييد لحركتهم من القطعات العسكرية الأخرى. ولكن العميد الأعسر بالاتفاق مع الضباط الناصريين قام بحركته قبل يوم من الموعد المتفق عليه، أي ليلة 30-31 آذار ليُضعِف الضباط البعثيين ويمنعهم من السيطرة على اللواء، ورغم ذلك وصل الضباط البعثيون المسرحون "النقيب مصطفى طلاس والنقيب مصطفى عمران ..." إلى حمص يوم 31/ 3 واستطاعوا بالتعاون مع الضباط البعثيين العاملين في اللواء "الملازم أول أدهم كنيفاتي والملازم أول موسى العلي والملازم أول خالد بدوي ..." اقتحام اللواء وفرض سيطرتهم عليه، وامتعض العميد الأعسر من سيطرة البعثيين على اللواء.
    والتحق في حمص، أيضاً، كلٌ من الضباط المسرحين من أعضاء اللجنة العسكرية "المقدم محمد عمران والرائد صلاح جديد والرائد عبد الكريم الجندي والنقيب حافظ الأسد" كما كان قد وصل إليها، من قبل، العقيد المسرح الناصري جاسم علوان.
    تشكلت قيادة العصيان من العقيد جاسم علوان والمقدم محمد عمران وبرئاسة العميد بدر الأعسر
    الذي أبلغ قيادة الجيش، بعد أن تمّت السيطرة على اللواء الخامس المدرع، عن حركة العصيان وبأنها موجهة ضد انقلاب النحلاوي بعد أن تبين أنّ غاية الانقلابيين التسلط على الحكم، كما قال: "إنه يتكلم باسم جميع قطعات المنطقة الوسطى وباسم كثير من الضباط المسرحين الذين توافدوا إلى حمص لدعم العصيان".
    بعد اتصالات بين قائد الجيش والعميد الأعسر قُدِّمت له فيها الوعود، كما مارس بعض السياسيين المناوئين للوحدويين عليه الضغوط، تراجع الأعسر عن مواقفه، وبذريعة واهية، أفرغ اللواء الخامس من الضابطين طلاس وعمران.
    أيّدت القطعات العسكرية التي يسيطر عليها الضباط الوحدويون (بعثيون وناصريون) في الجبهة والسويداء وحلب واللاذقية مطالب حركة حمص، وأولها تسفير النحلاوي وكتلته خارج سورية، بينما طالبت القطعات العسكرية المحيطة بدمشق "والموالية للمقدم النحلاوي"، القضاء على تلك الحركة وعدم الرضوخ لمطالب القائمين بها، واستغلت الكتل العسكرية الأخرى هذا الانقسام ودعمتْ قيادةَ الجيش في دعوتها لمؤتمر عسكري يعقد في حمص عصر يوم 1/4.
    خلقت الدعوة للمؤتمر بلبلة وتشويشاً بين صفوف الضباط من مؤيدي عصيان حمص، وكذلك بين الضباط الوحدويين في الوحدات العسكرية، بينما أدرك الضباط الوحدويون المسرحون، وخاصة الضباط البعثيين منهم، أن هذا المؤتمر لن يكون في صالحهم، لذلك قرروا الاستمرار في حركتهم التي كان مقرراً لها أن تكون ليلة 31/1 نيسان، ووصل إلى حلب الضباط البعثيون المسرحون، من بينهم "عبد الكريم الجندي، أحمد المير محمود، أحمد السويداني، محمد شنيوي، مصطفى طلاس، مصطفى شربا، حسين زيدان، حسين ملحم، عزة جديد، عدنان دباغ، رئيف علواني.....". ثم وصل إليها كل من المقدم محمد عمران، والعقيد جاسم علوان، بينما توجه الرائد صلاح جديد والنقيب حافظ الأسد إلى اللاذقية للسيطرة على المنطقة الساحلية.
    كان الرائد حمد عبيد، عضو اللجنة العسكرية ورئيس مركز التدريب في حلب، هو المسؤول العسكري الحزبي في المنطقة الشمالية، وبالتنسيق مع البعثي الملازم أول محمد إبراهيم العلي، قام الأخير بالسيطرة على كتيبة المظليين، وبالتعاون مع بعض الضباط من كتيبة المغاوير، تمت السيطرة على مقر قيادة المنطقة في الساعات الأولى من صباح يوم 1/4 بعد حادث مؤسف ذهب ضحيته أربعة من ضباط الجيش كانوا متواجدين في المقر، كما تمت السيطرة على الإذاعة في حلب وبدأت بإذاعة البلاغات والبيانات باسم إذاعة الجمهورية العربية المتحدة، وطالبوا بـ:
    - تطهير قيادة الجيش من الفئة المخربة المارقة .
    - العمل على تحقيق أمل الشعب في إعادة الوحدة بين شطري الجمهورية العربية المتحدة وفق أسس متينة وقواعد ثابتة.
    وطلبوا من قطعات الجيش تأييد حركتهم، وأيّد قائد المنطقة الشرقية العقيد لؤي الأتاسي حركة حلب، ثم وصل إليها ليتزعم الحركة التي كانت الغلبة فيها للبعثيين.
    عُقد المؤتمر العسكري في حمص وختم اجتماعه في الساعات الأولى من صباح يوم2/4 وقرر:
    - تسفير عبد الكريم النحلاوي مع بعض أنصاره من الضباط إلى خارج القطر وفي مدة أقصاها مساء يوم 2/4.
    - إعادة الوحدة على أسس مدروسة سليمة وواضحة تضمن لكل بلد كرامته وكيانه وتجنبه أخطاء الماضي على أن تطرح هذه الأسس للاستفتاء الشعبي.
    - تشكيل حكومة مدنية، لا يكون من بين أعضائها من له اتجاه حزبي يعرف به، أو أي من العسكريين.
    - معالجة أوضاع الضباط المسرحين وفق أسس تضمن أمن ومصلحة الجيش والقوات المسلحة.
    - عودة القطعات التي اشتركت بحركة 31/3 إلى ثكناتها فور إقرار قيادة الجيش هذه المقررات.
    - توصية بالعفو العام عن العسكريين الذين اشتركوا في حوادث يوم السبت 31/3 /1962 في مختلف المناطق العسكرية, وتسوية أوضاع العسكريين الذين توفوا أو أصيبوا أثناء هذه الحوادث.
    اعتبر الضباط الوحدويون أن قرارات المؤتمر العسكري كانت موجهة ضدهم وتهدف إلى التخلص منهم ومن مجموعة النحلاوي معاً.
    بعد تلك المقررات، ودعمها من فريق من العسكريين كان مؤيداً لعصيان حمص وحركة حلب، ضعف التأييد لحركة حلب، ومما زاد من ضعفها ما قام به العقيد جاسم علوان.
    تسلل العقيد المسرح جاسم علوان مع بعض أنصاره إلى الإذاعة، وسهل له الملازم أول عبدالله عمرايا، الذي كان مكلفاً بحراسة الإذاعة، الدخول وقام بإذاعة بيان باسمه كقائد الجيش الأول (الجيش السوري) أعلن فيه عودة الوحدة فوراً، وبأنه يذيع من الإقليم الشمالي، وطلب من السفير المصري في لبنان عبد الحميد غالب الاتصال بالقاهرة لإرسال تعزيزات عسكرية تدعم حركته.
    فوجئ الشركاء البعثيون وغيرهم من الضباط بهذا البيان الذي أدى إلى بلبلة الصفوف في قطعات الجيش ولكن "سبق السيف العذل"، وكان ذلك الفعل، سبباً لإجهاض تلك الحركة بسرعة, لأن أغلبية ضباط الجيش لا يقبلون بإعادة الوحدة كما كانت، وهذا التصرف سهّل لقيادة الجيش إرسال اللواء المدرع الخامس، الذي كان قد قام بالعصيان في حمص، إلى حلب لإنهاء العصيان فيها، كما قامت الطائرات بتدمير مرسلات الإذاعة الموجودة في سراقب.
    اعتبر البعثيون تصرف جاسم علوان ومجموعته غدراً بهم، كما غدر الأعسر، من قبل، بالوحدويين وأمرهم بعد أن استغلهم بمغادرة حمص، كما اعتبر عبد الكريم النحلاوي ومجموعته أن الرئيس عبد الناصر وأجهزة المخابرات المصرية قد غدرت بهم وخططت مع الضباط الناصريين، ومن خلف ظهر البعثيين، للإطاحة بهم بعد تنفيذ حركتهم.
    استغلت الكتل العسكرية المناوئة للنحلاوي وللوحدويين، هذا الوضع, وحسمت الأمور لصالحها، وجمّدت العمل ببعض مقررات مؤتمر حمص، بذريعة ما حدث في حلب بعد الإعلان عن المؤتمر العسكري، وأصدرت قيادة الجيش الأوامر بملاحقة أولئك الضباط، وأكثريتهم من البعثيين، الذين اشتركوا في عصياني حمص وحلب، تمهيداً لمحاكمتهم.
    في أعقاب تلك الحوادث عُقد المؤتمر القومي الخامس لحزب البعث العربي الاشتراكي في أواسط شهر أيار 1962، في حمص، وفيما يتعلق بالوحدة قرر أنّ:
    "الوحدة ليست إلحاق قطر بآخر، بل هي انطلاق في طريق وحدة عربية شاملة فلا بد من تعزيز دور الشعب العربي في سورية في القيادة والتوجيه.
    تجديد الوحدة يوجب إطلاق حرية الشعب وتعزيز التنظيم الحزبي والنقابي والمهني.
    الحزب يطالب حكومة سورية ومصر بمباشرة الاتصال ورسم الخطوات لوضع الوحدة موضع التنفيذ".
    التزم تنظيم العسكريين البعثيين بتلك المقررات، من دون ارتباطهم تنظيمياً بقيادة الحزب.
    على إثر حركة 28 آذار وما أعقبها من أحداث، تقرر إعادة الدكتور ناظم القدسي إلى الرئاسة يوم 13/4، وخُوِّل بصلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية، بعد أن تقدم أكثر من نصف النواب باستقالاتهم بناءً على طلبه.
    وكانت الخطوة الأولى بعد عودة الرئيس القدسي هي تشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور بشير العظمة يوم 16/4، ضمّت في عضويتها أشخاصاً محسوبين على الناصريين والبعثيين, وأصدرت الحكومة بياناً يوم 5/6 أعلنت فيه وجهة نظرها بالطريق الواجب إتباعه لإعادة الوحدة مع مصر، وضرورة بذل الجهود من أجل وضع الأسس الكفيلة بضمان الوحدة وتكوينها تكويناً يمكنها من البقاء والاتساع، وتمهيداً لذلك أوعزت إلى وسائل الإعلام السورية بالكف عن المهاترات الإعلامية, ولكن القاهرة شنّت هجوماً إعلامياً وأهملت نداء حكومة العظمة، وبمقال في جريدة الأهرام كتب محمد حسنين هيكل "إن القاهرة لا تفاوض إلا حكومة يثبت تعبيرها عن إرادة سورية, بعيدة عن أي ضغط". ورغم ذلك أوفدت الوزارة وزير خارجيتها الأستاذ عدنان الأزهري إلى القاهرة لمقابلة المسؤولين هناك والتداول في الأمور التي تراها القاهرة مناسبة للمباشرة بمباحثات تضم مندوبين عن الحكومتين ووضع الأسس اللازمة للوحدة المنشودة، ولكن الأزهري عاد بقناعة مفادها أن القاهرة غير مستعدة للدخول في مفاوضات، واستقال من منصبه.
    على إثر فشل مساعي التقارب الوحدوي الذي تبنته وزارة العظمة في بيانها الوزاري، بدأ رئيس الجمهورية والفئات العسكرية والمدنية التي تقاوم إعادة الوحدة برئاسة الرئيس عبد الناصر، بوضع العراقيل أمام الوزارة الجديدة للإطاحة بها، ومن المشاكل التي أرهقت هذه الوزارة، هروب عبد الحميد السراج في أوائل شهر مايس من سجن المزة، و والإضرابات العمالية التي حدثت في شهر تموز في الشركات الكبرى في دمشق وفي شوارعها وفي حلب، بسبب تعديل القانون المتعلق بتنظيم شؤون العمال في القطاعين المشترك والخاص، وطالب المضربون بإسقاط الحكومة. وأشاعت أجهزة أمن الانفصال أن أجهزة المخابرات المصرية في بيروت هي التي أوعزت إلى القوى الناصرية للقيام بإضرابات في مدينتي دمشق وحلب، وتطويرها لتشمل المدن السورية وإجبار الحكومة الاستعانة بالجيش، وحينها يسيطر الجيش على المرافق العامة في العاصمة وكبريات المدن ويعلن إعادة الوحدة.
    وازداد الضغط من القدسي وأنصاره لعودة المجلس النيابي المنحل وإلغاء كل ما تم الاتفاق عليه بعد 28 آذار، حتى انتهى الأمر باستقالة وزارة العظمة.
     
    من كتاب البعث وثورة آذار- مروان حبش
    عدد الزيارات
    9610524

    Please publish modules in offcanvas position.