nge.gif
    image.png

    مروان حبش: عصيان كتلة النحلاوي العسكرية

    أ مروان حبشآلت تلك الأحداث والمصاعب التي واجهت حكومة العظمة إلى تقوية الفئة التي تمثل اليمين المتطرف في الجيش ورجال السياسة، وتحارب فكرة إعادة الوحدة تحت حكم الرئيس عبد الناصر، وباشرت تلك الفئة نشاطها وبدعم من الرئيس ناظم القدسي لإسقاط حكومة العظمة، وتمّ لها ذلك في 17 أيلول، وتمّ كذلك إبعاد الضباط المحسوبين على الحزب الشيوعي عن مراكز القيادة، والإجهاز على ما تبقى من مقررات مؤتمر حمص، وفي الناحية الأخرى خطط النحلاوي للانتقام من الضباط الوحدويين لأنه اعتبر أن الرئيس عبد الناصر قد غرّر به وخدعه ثانية، واستغل النحلاوي اتصال الضابطين السوريين الناصريين، الوزير أكرم الديري و العقيد السابق وفيق اسماعيل - كان قد نُقل إلى السلك الدبلوماسي في يون- به، وتحدثا إليه بأن الرئيس عبد الناصر لا علم له بما حدث في حمص وحلب (حركتا العصيان) وأنه فوجئ بالأحداث تماماً، كما حثّه على العودة مع مجموعته إلى دمشق بأية واسطة.

    استغل النحلاوي هذا الاتصال، وبدءاً من شهر أيار طلب من اثنين من ضباطه، وهما صدقي العطار وصفوان جبري، التظاهر بالتعاون مع الضباط الوحدويين للتخطيط لانقلاب وفي الوقت نفسه طلب منهما القيام بإعلان الولاء لقيادة الجيش وإبلاغها عن كل تفاصيل الاتصالات التي سيجريانها، بهدف التخلص من الضباط الوحدويين وإزاحتهم من ساحة الصراع ليخلو له الجو ويعيد الكرّة للإطاحة بالنظام القائم، وبالفعل وبواسطة عضو الاتصال السوري الناصري مع السفارة المصرية في لبنان اجتمع الضابطان في بيروت ولأكثر من مرة، مع محمد نسيم، مسؤول المخابرات المصري، وطلبا منه التعرف إلى العسكريين والمدنيين الوحدويين كي ينسقا معهم، واستجاب لطلبهم.

    وفي اجتماع يوم18/7 لضابط من كتلة النحلاوي مع رئيس اللجنة العسكرية البعثية المقدم المسرح محمد عمران، بيّن المقدم عمران لذلك الضابط بأن الكتلة البعثية قوية في وحدات الجيش الموجودة حول دمشق، وعقَّب الضابط مؤكداً لعمران بأن البعثيين، أيضاً، يسيطرون تمام السيطرة في حمص وخاصة في اللواء الخامس، ثم أكّد له محمد عمران بأن التعاون ما بين الكتلتين ستكون له نتائج حسنة، وأن البعثيين لا صلة مباشرة لهم مع القاهرة وأنهم يعملون من دون توجيهاتها، وفي اجتماع ثان يوم 22/7 بَيْن عمران وضابط آخر من كتلة النحلاوي، تكلم محمد عمران عن الوحدة ومفهومها وأسسها، وفق ما ورد في قرارات المؤتمر القومي الخامس للحزب، وأهمية توحيد الرأي حول العناصر الاستعمارية والمتعاونة مع الاستعمار والانتهازية، وتتالت الاجتماعات بين عمران والضباط والمدنيين الوحدويين وبين ضباط النحلاوي الذين تعرفوا إلى أسماء عدد آخر من الضباط، في الخدمة وخارجها.

    وفي لقاء تم يوم 25/7 بين الرائد وصفي العطار، المتعاطف مع الإخوان المسلمين، وبين الرائد البعثي عثمان كنعان، طلب العطار منه أسماء المندوبين من الضباط الواجب التعارف بهم قبل الحركة حسب الاتفاق مع محمد عمران ووعده بتسليمه الأسماء المطلوبة في اجتماع لاحق، ونشط ضباط النحلاوي بالاتصال مع الوحدويين من العسكريين والمدنيين واتفقوا معهم، بعد مسح شامل للقوى العسكرية، على ضرورة تنفيذ الحركة في آخر شهر تموز أو أول شهر آب على أقصى تقدير, وتبادلوا كلمة السر للتعارف (زهر الزيزفون)، وقال الناصريون: "إن يوسف مزاحم هو موجه حركتهم، وإن هناك عدداً من ضباط حركة 28 أيلول متعاونون معهم، وإن البعثيين و المقدم زياد الحريري وكتلته سيشتركون في الحركة، ولكنهم يخشون استغلال الحركة من البعثيين أو من الحريري".

    على إثر خطاب الرئيس عبد الناصر المشار إليه في الفقرة السابقة، أدرك البعثيون أن الناصريين يريدون استغلالهم والإطاحة بهم وبكتلة الحريري وكتلة النحلاوي بعد نجاح الحركة.

    قامت قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي باعتقال القسم الأكبر من العناصر الوحدوية (عسكريون ومدنيون) التي كانت ستقوم بالحركة، وبذلك تكون كتلة النحلاوي قد انتقمت من بعض ناشطي الكتلتين الـ "البعثية والناصرية"، وصفّت حسابها معهم.

    بدأ النحلاوي، مجدداً، يخطط لانقلابه التالي، وفي الوقت نفسه تسارعت جلسات المحكمة الخاصة التي كانت قد تشكلت لمحاكمة المتهمين بأحداث حمص وحلب 28 آذار و 1-2 نيسان، وأصدرت أحكامها في الشهر الأول من عام 1963 وحكمت بالإعدام على الفار جاسم علوان، وعلى الملازم أول محمد ابراهيم العلي، وبالسجن المؤبد على الملازم أول محمد سعيد دباح، وعلى الآخرين "لؤي الأتاسي، حمد عبيد, حسن شهوان، محمد حاج رحمون....." بالسجن من سنة إلى عشر سنوات.

    بعد استقالة وزارة العظمة، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة خالد العظم ومن بين أعضائها، خليل كلاس وعبد الحليم قدور من مجموعة الأستاذ أكرم الحوراني، ومنصور الأطرش "مرتبط بالقيادة القومية ورفض المشاركة"، ابتدأت فترة جديدة من البلبلة والفوضى السياسية والتناحر على كل الأصعدة وفي مختلف المجالات داخل الوزارة وبين أفراد القوات المسلحة وفي الشارع، وحدثت معارك دامية بين طلاب جامعة دمشق أثبت فيها الطلاب الوحدويون مدى قوتهم، كما هوجم رئيس الوزراء وصحبه بالحجارة وحبات البندورة الفاسدة أثناء زيارتهم لمدينة درعا، وحدثت إضرابات شعبية في بعض المحافظات السورية.

    وفي هذه الفترة من حكم وزارة العظم أُلغي قانون الطوارئ في سورية باستثناء منطقة الجبهة، كما عاد المجلس النيابي للاجتماع لجلسة واحدة أقر فيها إعادة العمل بدستور 1950، وحَلّ نفسه.

    استمرت كل الكتل العسكرية بنشاطها للوصول إلى غاياتها، واستلم الرائد صلاح جديد رئاسة اللجنة العسكرية البعثية بعد اعتقال المقدم محمد عمران, كما واصل النحلاويون، وكذلك الناصريون العمل لتنفيذ انقلاب. وفي هذه الفترة، وبعد ما جرى في حلب، فتر التنسيق بين البعثيين وبين الناصريين.

    بعد الاعتقالات التي تمت في صفوف الضباط البعثيين وبعض الناصريين، قررت لجنة الضباط في قيادة الجيش إيفاد عدد من كبار الضباط "زياد الحريري، موفق عصاصة، مسلم الصباغ، سليم شرف وآخرين" إلى الاتحاد السوفييتي لإتباع دورة عسكرية، ولكن هؤلاء الضباط طلبوا شطب أسمائهم واعتذروا عن السفر، وكذلك قررت تلك اللجنة إحالة عبد الكريم النحلاوي ورفاقه، ممن أوصى مؤتمر حمص بإبعادهم عن سورية، إلى التقاعد وتعيينهم في ملاك وزارة الخارجية واتخاذ التدابير اللازمة لمنع عودتهم إلى سورية حتى يصبح الوقت ملائماً.

    بدأ النحلاويون في أوائل عام 1963 نشاطاً محموماً للترتيب لانقلابهم, ولاحظ البعثيون والناصريون ذلك و أوهموهم بأنهم سيشتركون معهم بقصد توريطهم "والعين بالعين"، وكذلك تظاهرت كتلة مطيع السمان ومحمد التل ومصطفى الدواليبي بتأييدهم، بهدف التخلص من قوتهم في الجيش.

    تسلل العقيد عبد الكريم النحلاوي، الذي كان يرى في نفسه أنه "خلّص البلد من أكبر طاغية وأقسى حكم ديكتاتوري"، مع الضباط مهيب الهندي و فايز الرفاعي عبد الناصر هو من استدعى الوفد العسكري السوري من أجل الموافقة على الوحدة "اندماجية"!!

    كتب عبد المحسن أبو النور (الملحق العسكري المصري في سورية قبل الوحدة) في مذكراته ما يلي حرفيا:

    "وأرسل (عبد الناصر) في طلبي لمقابلة عاجلة معه، على أن أعود إلى دمشق في اليوم نفسه. وفعلا وصلت إلى مصر حوالي الظهر وقابلت الرئيس عبد الناصر ففاجأني بالقول إنه بعد مشاورات استقر رأيه على أنه إذا تمت وحدة بين مصر وسورية، فيجب أن تكون اندماجية، وتؤدي إلى الاستقرار السياسي فيها، ويحصل التقارب بين مصر وسورية. وعدت إلى سورية، وأنا أفكر كيف أقنع مجلس القيادة السوري بالوحدة الاندماجية، وكنت أثناء مناقشة المجلس أؤيد الوحدة الفيدرالية.

    وهداني تفكيري إلى الاجتماع بأعضاء مجلس القيادة الذين كانوا ينادون بالوحدة الاندماجية، والذين كانوا يقولون إنهم موافقون على أي نظام يرتضيه عبد الناصر، وصرحت لهم أنني بعد طول تفكير أرى أن الوحدة الاندماجية أفضل، وأخذت أردد أمامهم مساوئ الوحدة الفيدرالية، ولم أجد صعوبة في إقناعهم بالوحدة الاندماجية، فهذا كان رأيهم أصلا، وهم يَرَوْن ما يراه عبد الناصر.

    واجتمعت مرة أخرى مع مجلس القيادة، ودار النقاش على شكل الوحدة، وانتهى الاجتماع أن شكل الوحدة الذي يراه عبد الناصر هم موافقون عليه".

    ثم يتحدث تفصيلا عما دار بعد ذلك بين أعضاء المجلس وقرارهم بسفر الوفد إلى القاهرة ومرافقته لهم وما دار هناك من محادثات

    (النص كاملا منشور في صحيفة الحياة اللندنية العدد ١٣٦٥٣ تاريخ ٢٩/٧/٢٠٠٠)وفخري عمر وهم من الضباط الذين قرر مؤتمر حمص العسكري الذي انعقد في 1 نيسان 1962 نقلهم من الجيش إلى وزارة الخارجية وترحيلهم فوراً خارج سورية، تسللوا يوم 10 / 1 / 1963 من مخفر "باب الهوى" على الحدود السورية – التركية ودخلوا البلد، وأوعز النحلاوي إلى بعض أنصاره في القطعات العسكرية القريبة من دمشق، قطنا والكسوة والقابون، للقيام بحركة عصيان.

    نفّذت القطعات الموالية عصيانها ظهر يوم 13 / 1 / 1963، وطالب قادتها، وجلَّهم من الضباط الدمشقيين ومن ذوي الرتب الصغيرة، قيادة الجيش بـ:

    -إعادة العقيد عبد الكريم النحلاوي ورفاقه إلى الجيش وإلغاء أمر نقلهم إلى وزارة الخارجية.

    -إخراج ثلاثة من الضباط، اللواء وديع مقعبري – العميد خليل موصلي – العقيد عدنان عقيل،

    المتهمين بميولهم الشيوعية، من لجنة الضباط.

    -تنفيذ مقررات مؤتمر حمص التي لم تنفذ حتى الآن.

    -الإسراع بمحاكمة الضباط المتهمين بحركة حلب 1-2 نيسان وتنفيذ الأحكام التي ستصدر بحق الذين ارتكبوا جرائم القتل أثناء الحركة.

    -الدعوة إلى وحدة فورية مشروطة مع مصر شريطة تبديل قيادة الثورة المصرية.

    تحركت القوى العسكرية التي أوهمت جماعة النحلاوي بالاشتراك معها، وأعلنت عن تأييدها لقيادة الجيش وضرورة تحطيم العصاة، وتحرك رتل من قيادة الجبهة يضم دبابات ومشاة ومدفعية، تمركز في سعسع على بعد 30 كم من دمشق لمراقبة التطورات ومنع النحلاوي من تحقيق أهدافه، وبذلك لم يعد أمام العصاة سوى الاستسلام.

    انتهى عصيان كتلة النحلاوي يوم 14/1/1962 وغادر النحلاوي ورفاقه سورية، وأعقب ذلك اعتقال ما يقارب الـ30 ضابطاً، وأحيلوا إلى القضاء بناءً على قرار مجلس الدفاع، وبالتوازي مع ذلك صدرت عن رئيس الأركان اللواء نامق كمال لائحة تنقلات لضباط صغار شملت مَنْ بقي مِن الضباط الموالين للنحلاوي من قطعاتهم المجاورة لدمشق إلى قطعات بعيدة عنها.

    وبرز تناقض آخر بين من بقي من كبار ضباط 28 أيلول وهو التناقض بين العميد مطيع السمان قائد قوى الأمن الداخلي، الذي أصبح مركز قوة، وبين قائد الجيش وعدد آخر من ضباط القيادة،

    ولأجل ذلك قررت لجنة الضباط بتاريخ 22/2/3 6 إجراء تشكيلات وتنقلات جديدة ببعض المراكز عُيِّن بموجبها العقيد زياد الحريري ملحقاً عسكرياً في بغداد، وأُنهي ندب العميد مطيع السمان إلى قوى الأمن الداخلي ووضع تحت تصرف القيادة العامة، وعُيّن العميد الناصري راشد قطيني رئيساً لشعبة المخابرات، على أن تُنفذ هذه التشكيلات اعتباراً من 1/3/1963.

    كتاب البعث وثورة آذار- مروان حبش

    عدد الزيارات
    9609434

    Please publish modules in offcanvas position.