image.png

محمد حسين: هل كان حلماً أم كابوساً كلّ ما آمنا به؟

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏لحية‏ و‏لقطة قريبة‏‏‏‏شغلتني السياسة في ثمانينيات القرن الماضي حتى أكلت عقلي وكأغلب أبناء جيلي الذي تبرعم عنوة على روائح بارود الطليعة المقاتلة في الأزبكية وسقوط بيروت، عشنا على الهامش وتنقّل بعضنا بين أكثر من حزب سياسي وقليل منا من صمد في حزبه راسخاً لا يتزحزح "كجلمود صخر حطّه السيل من علِ" وهذا ليس لعيب فينا بل لقصور تلك الأحزاب وتقوقعها تحت شعارات قومية ماضوية فضفاضة أو طفولية يسارية برّاقة لا شكل للمستقبل فيها إلا في عالم الأحلام والأوهام ورغم أن قليل منا من لم تزين جدران غرفته الكالحة صور "غيفارا" الثائر أو "تروتسكي" صاحب نظرية الثورة الدائمة وحتى "جورج حبش" وفلسطينه السليبة، أما أنا فقد علقت صورة "أنجلز" المظلوم، إلا أن ذلك لم يمنعنا من الاستسلام ونحن مقبلون على التخرج من الجامعة لمشيئة المتن المستبد آنذاك للحصول ما يقتات به البشر عادة فنمنا في "الخسّة" بإرادتنا بإنتظار عودة أصدقائنا الشجعان من غيابهم القسري غير عابئين بما يجري حولنا، لم يكن الاتحاد السوفييتي قد انهار حينها لكن أخبار البيرسترويكا وصلتنا على شكل نكت بذيئة وأخبار أكثر بذاءة حول المصير المحتوم لحلم عاش أكثر مما نستحق.
الآن أتذكر بحسرة فطامي القسري عن كل تلك الأحزاب آنذاك بعد أن روى لي المرحوم الاديب حسين راجي قصة المزارع الألماني الشرقي المتحزّب حدّ الوجع والذي كان يقطن إحدى القرى الحدودية بين الالمانيتين وكانت ممراً لكثير من الشباب الالمان الهاربين من جحيم الحلم الاشتراكي إلى جنة الغرب الرأسمالي وكأي محزّب مقتنع كان يقضي جلّ وقته في إقناعهم بعبثية هذا الرحيل المر والبقاء داخل الجدار وذات يوم استفاق هذا المزارع المسكين بعد ليلة عاصفة من النقاش الممزوج بالتيكيلا الخرقاء ليجد أن ابنته الوحيدة قد رحلت معهم تاركة خلفها رسالة عاطفية متمنية عليه ان يتبعها والرسالة هذه كان لها وقع الصاعقة عليه فأمسك ببندقيته وأطلق النار على رأسه وهو يقول لنفسه:
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لحية‏‏‏- ليس حلماً ذاك الذي تفشل في اقناع أقرب الناس إليك به، إنه الكابوس بعينه.
أنا لم أُطلق النار على نفسي وقتها ولا حين حطم الألمان سور برلين، لكني طلّقت كل تلك المعتقدات البائسة من ذات اليمين وذات اليسار وبحثت لنفسي الأمارة بالسوء عنحلم عصيّ بهيّ وما أزال أخوض في وحول هذه الأرض باحثاً عنه، علّه يقتلني أو أموت دونه.

عدد الزيارات
9631857

Please publish modules in offcanvas position.