nge.gif
    image.png

    نظرة في (الغنوصيّة) و (التّصوّف الأخلاقيّ) و (الصّوفيّة) الدّينيّة.. بينَ (الحقيقة) و (أعراف العامّة) و (التّاريخ).. 1من2

    أ بهجت سليمان في دمشقكتب الدكتور بهجت سليمان

    ■ الحلقة الأولى (1 من 2) ■

    1▪︎ انشغل البشر كثيراً على مدى تاريخهم الأرضيّ بموضوعة الانتماء إلى هذا العالم و العوالم الأخرى الممكنة، فاستخدموا لذلك مجمل إمكانياتهم المعرفية و الثقافية و تجاربهم الشّخصيّة، بعد أن عملوا على محاولات تعميمها في النُّظُم و العادات و الممارسات و النظريّات و الفلسفات و الطّرق التّأمّليّة و المعتقدات، التي اشتملت عليها الحياة المديدة التي عاشها الإنسان على هذه الأرض، مدفوعاً إلى ذلك بخبرات مختلفة فيها من المعقولية و العقلانية..
    بقدر ما فيها من أعراف إنشاء التصوّرات الفردية و الجمعية حول العالم الفيزيائيّ الملموس أو "المعروف"، و كذلك بقدر ما فيها من حقائق و أخطاء عقلية و أوهام اندفع إليها العقل البشري، بحكم محاولات انعتاقه من الأحاسيس و القيود التي خلق عليها البشر الأرضيين في "الواقع" اليوميّ المباشر.

    2▪︎ ليسَ من السّهل الإحاطة بكلّ ما أنجزه البشر في مسيرتهم "الحضاريّة" الطويلة من "أفكار"، هذا في الحالة التي نتجاهل فيها "المصادر" المختلفة للمعرفة و التّجربة البشريّتين، بواقع الغموض الذي يكتنف، و سيظلّ يكتنف، الوعي الإنساني في مستوياته النفسية و الجسدية و العقلية و الروحيّة، فيظهر في ذلك كثيرٌ من أجهزة و أنظمة التّفكّر و التّأمّل و التّدين و الإيمان، التي تشتمل جميعها على نسب متفاوتة من حقيقة العالم المعرفية أو الاعتقادية أو الحدسية..
    و هو ما انعكس في الثّقافات بمختلف طبقاتها و مجموعاتها و مراتبها، من تلك الأكثرها شعبويّة و عامّيّة و حتّى إلى تلك الأكثرها تمايزاً و خصوصيّة، و ذلك بما تشتمل عليه هذه الأخيرة من صعوبات و تحدّيّات بالنّسبة إلى البشر المختلفين استيعاباً و قوّة مفهوميّة و طاقة على الصّبر و التّركيز في مبادئ و غايات هذه الحياة.

    3▪︎ مع المُنجزات الأركيولوجيّة الثّقافيّة المعاصرة التي ينشغل بها العالم اليوم بعقوله و أدمغته الفذّة بخاصّة، و مع التّقارب المعاصر ما بين "المعقول" و "الّلا معقول" بحسب "المقرّرات" الإنسانيّة التّقليديّة الفظّة في التّفريق ما بين "المعقوليّات" و "العقلانيّات" و إقامة السّدود ما بينهما، و مع "المغامرات" الجريئة التي يختبرها الطّموح البشريّ، فإنّ الهوّة تضيق ما بين الفلسفات التاريخيّة و "الأديان" البشريّة العديدة جدّاً و المعروفة لدى المهتمّين، بمختلف و تباين شموليّاتها و مواضيعها، و بخاصة من جانبها الاعتقاديّ الصّرف دون جانبها الممارّس عمليّاً..
    و هذا إذا لم نقل إنّ الحدود ما بين الفلسفات و بين تلك "النّظم الدينيّة"، هي في طريقها إلى الأفول.

    4▪︎ يرتّب علينا هذا الأمر، و أعني تخافت التّفاوت بين الفلسفة و المعتقد، أن ننظر بجدّيّة، و من جديد، نظرة مختلفة إلى كلّ من الفلسفة و الدّين، بما في ذلك أقصى إنجازات المعرفة العلميّة الفيزيائيّة المعاصرة التي يمكن للمعرفة المعاصرة استثمارها في تقدّم المنظومة المعرفية العامّة، نستطيع معها ردم تلك "الفواصل" و الحدود التي تتّجه بطبيعتها نحو الاختفاء، في كلّ مرّة تكون فيها طريقة مراجعتنا للأفكار التي انضوت و تنضوي عليها تلك "النّظم" بمختلف أدواتها و مشاربها و تجاربها و أهدافها و غاياتها مبنية على أساس يقين الوحدة الأكيدة التي تجمع ما بين مكوّنات الوعي المعاصر الذي تتاح له الأسباب المتوالية للانعتاق من "ثوابته" التي ظنّ فيها البشر أنّها ثوابت حقيقيّة أو جادّة..
    و هذا مع العلم أنّنا سنبقى نصطدم بالمنغصّات المعرفية النّاجمة في سياق تاريخ "المعتقدات" عن التشبّث بقناعات يكاد التاريخ العلميّ التطبيقيّ نفسه يُهيل عليها الطّمس الموضوعيّ، على رغم مكابرات "الثقافة" الهزيلة التي ظنّ فيها الكثيرونَ أنّها نهائيّة و ختاميّة و مُطلقة، في الوقت الذي يُتيح لنا فيه تقدم "الإنسان التّاريخيّ"، أن نفهم بما لا يقبل المكابرة و الشكّ، أنّه تقدم جبريّ و "مُنْزَل" و ليس لأحد فيه الخيار.

    5▪︎ لا نبالغ إذا اعتقدنا اليومَ بأنّ التّقدم الحضاريّ للبشريّة عانى و يعاني من تناقضات، كان يمكن له في السيطرة عليها أن يتجاوزها كما يتجاوز نفسه في سياق مشروعه المقرّر، لكنْ و في الوقت نفسه، الذي لم يجرِ الانتباه إليه بوصفه قدَراً وحيداً لمعرفة ما هو ضروريّ للإنسان ممّا هو غير ضروريّ..
    لنصل هنا إلى القول بالطبيعة الواحدة للضّرورة المتحتّمة على البشر، إذا هم أدركوا موضوعيّتهم قبل فوات الأوان الذي يُنذِرُ بانتكاسات حضاريّة من نقطة وصلنا إليها في التّقدّم، إن لم يكن مشروطاً علينا، كبشر، شيءٌ من قبيل النّكوصات التّقدّميّة المتكرّرة، و هو في حقيقة الأمر ليس مشروطاً أبداً.

    6▪︎ في هذا المعرِض، تعدّدت و تناقضت الاجتهادات و المعارف البشريّة و ما يُشبهها من نُظُم ثقافيّة فيما بينها، حتّى أنّها لامست بعضها البعضَ في أبعاد و سطوح و عوالم غير معترف بها من قبل جميع الأطراف، فيما انفرقت فيما بينها بشدّة و تناحرت بإرادة و حزم و عزم، و أردَتْ وراءها "الحقائق" المختلفة صريعة الثّقافات السّطحيّة و الآراء التي تتحرّك بخلفيّات و دوافع بعضها "مفهوم" و تعلّله الفوارق الشخصيّة الضروريّة للتّنوّع..
    فيما بعضها الآخر ليس له مسوّغ سوى الانتفاخ الذاتيّ المحض للأشخاص و "الفرق" و "الانقسامات" البيئية و الجغرافية و المعتقديّة القائمة على تعصّبات و دوغمائيّات نامية بشدّة ، نموّ الجهل في وسَطِ التّخلّف الشّعوريّ الذي سوّغ حتى الآن الانغلاق و العنف أكثر ممّا قدّم لأصحابه ما يتوقّعون منه من رياسة و سيادة و سلطة و طغيان..
    و يحصد "الجميع" على الأرض اليوم نتائج الإطارات الاعتقاديّة و الأطر المعتقديّة شرّاً متوالياً من الخسارات الوضعيّة المحدّدة من دون أيّ مقابل مباشر أو غير مباشر في الخلاف و الاختلاف، الّلذين تجاوزا حدودهما المعقولة في تبادل مقتنيات التجربة و الخبرة و الاكتشاف.

    7▪︎ أصاب هذا الغول الخلافيّ و الاختلافيّ كلّ العلوم الإنسانيّة حتّى أنه باشرَ "إنجازاته" المتضاربة، عن سابق قصد، في تفسير و تعليل و قراءة حتّى نتائج التجربة الفيزيائية و الكيميائية التطبيقية الخالصة و التي لا تتلوّث بإمبيريقيّة الحواسّ الماديّة المحدودة، و كان من الطبيعيّ، قبلاً، و لسّبب نفسه، أن يُصيب الفلسفات و المعتقدات و "الأطر" النُّظُميّة الدينيّة و الأديان بمختلف "مصادرها" و "خلفياتها" و خصائصها الأنثروبولوجيّة الواحدة عند مختلف الشّعوب و سائر الأفراد و المجتمعات.

    8▪︎ ظهرت "الانقسامات" و الكيديّات و الأنانيات في وقت متأخّر جدّاً من حياة البشريّة، و أعني منذ بضعة آلاف من السنين، و كانت ساحتها الأولى و الرئيسيّة "نظائر" الأديان، و الفلسفات و المعتقدات و المنظومات المفهوميّة الواسعة، في الوقت الذي عجزت فيه العامّة من جماهير تلك "الأطر"، عن إدراك التّقارب و التّشابه و الاندغام المُموّه بالانفراديّة المَرَضيّة المُمَوّهة بالعصبويّات و المحدوديّات المنظّمة ، على أساس المصالح و الأنانيّات و الشّهوات الأرضيّة المشبوهة بغاياتها المحدودة و العمياء..
    و كانت نتيجة ذلك أن تأصّل الشّقاقُ بين مظاهر الوعي البشريّ المختلفة، حتّى لاقى له، أخيراً، مُستقرّاً و مَوئلاً عميقَ الغور في إعادة إنتاجه على مستوى النّوع في تفتّتٍ مفهوميّ حول العالم و الوجود و سائر القيم الأخرى، التي تنتظم عمقَ الرسوخ الإنسانيّ، في الموقف الذي يُتيحُ إنتاج نفسه على "الوهم" الإنسانيّ المتبادل، حيال الأساسيّات و الفرعيات من حواضر المواضع التي انتهت إليها اليوم مسيرة البشريّة، على ما نراها و نعرفها من ثوابت و سخافات.

    9▪︎ و في تاريخ الفلسفات المعروفة في الأرض و نظائرها من المعتقدات الرّوحيّة و العقليّة الأخرى، اتّسع الانقسام و اغتذى الخلاف و الاختلاف على خطوط عريضة في التّفكير ما بين المختلفين، كما على التّفاصيل الأخرى التي تصنع في مجراها "الأفكار" الكبرى و القضايا التي تُصّنّفُ مصيريّة بالنسبة إلى وجود البشر..
    و ما انفكّت تلك الاستقطابات تتّخذ لها أشكالاً من التّحزّبات "الفكريّة" و المصالحيّة و السّياسيّة الخالصة؛ و بينما هي تتحدّث بإسم العقل و الرّوح و السّماء، كانت في غالبيّتها تنقسم على استقطابات أدنى من التّموضعات الأرضيّة الماديّة الخالصة، فيما تُشيع جميعها، بعضُها على حقّ و بعضها على باطل، أنّها جميعاً تنتسب إلى أفكار السّماء.

    10▪︎ و في تاريخ الفلسفات و الأديان هنالك نموذجان أو نمطان شهيران من "المعارف" الجزئيّة المُتّشحة بالاعتقاد أو من المعتقدات المُتّشحة ب"العرفان"، يكادان يكونان، بالنّسبة إلى "ثقافاتنا" البشريّة، يمثّلان إشكالَينِ كبيرين، في الوقت الذي تعتقد الغالبيّة من البشر أنّهما "حقيقتان" أو شيء من هذا القبيل، و لو أن العلم بهما ما يزال ناقصاً، كما هو الأمر بالنّسبة إلى المعرفة المتعلّقة بكلّ منهما، و التي لمّا تأخذ من واجباتها و من حقوقها ما يرتّبان على العلم و المعرفة تفسيراً و تعليلاً لكليهما، و ذلك قبل الانحياز إلى أيّ منهما على ما درجت عادات الرّأي و الظّنّ من اتّخاذ المواقف على أرضيّات الجهل بهما و بتسويغاتهما العقليّة، قبل الحكم النّهائيّ على ما يختزنان من "حقائق" و معقوليّات و إشكاليّات، أو من "أوهام" و "أغاليط".

    11▪︎ ليسَ من السّهل بأيّ حال أن نقرّر على نحو مسبّق أو نتيجة سابقة على مضمونيّة ما تنطوي عليه كلّ من "الغنوصيّات" الفلسفيّة المختلفة في التّاريخ البشريّ الحديث جدّاً، و الذي يعود إلى آلاف قريبة من السّنين، و بين ما يحفّ ب"الأديان" من طرق صوفيّة أو تصوّفيّة، يعود اعتقاد كلّ منهما إلى ادّعاء كبير بثوابتهما، إن لم يكن يعود إلى "إيمان" مطلق بإمكانيّتهما على الوصول إلى أجوبة "حقيقيّة" و مناسبة، بالنّسبة إلى ما تقدّمانه من أفكار و "بديهيّات" و "خيالات" و "وقائع" و تخييل.
    قدّمت "الغنوصيّات" و "الصّوفيّات" جملة من "الأجوبة" و الأفكار و المشاعر و المواقف و الحلول على كميّة عديدة من الأسئلة التي شغلت العقل البشريّ على مدى وعيه الإنسانيّ الوجيز، قياساً بعمر البشر على هذه الأرض، و الذي تتضارب بشأنه "الآراء" و "الحفريّات" و "الأنثروبولوجيّات" و "الأثنولوجيّات" المختلفة التي يُرجِع بعضُها، و بعيداً عن نظرية (داروِن) التّطوّريّة، عمرَ وجود البشرِ على سطح كرتنا الأرضيّة إلى فترة زمنيّة بتراوحٍ بين (2,000,000) مليونين من السّنين، و في أقلّه اليَسير إلى (200,000) مائتيّ ألف عام.
    إنّه لمن السّذاجة المطلقة، إذاً، أن يطمح واحد من أصحاب الشّهرة العقليّة و العلميّة و الفكريّة و الفلسفيّة في التّاريخ، في أن يعتمد "الحقيقة" الناجمة عن اشتغال الإنسان بتاريخه العقلي و الروحيّ بعضاً من "الزمن" الوجيز، و مهما كانت آلافه في التّعداد، من دون أن يلتفت إلى نسبة "الحقيقة" الضّائعة من "حقيقة" الفكر البشريّ على مدى عمر هذا المخلوق، الإنسان، على الأرض.

    12▪︎ ظهرت "الغنوصية" كفلسفة في زمن حديث نسبيّاً في ثقافة البشريّة، و ربّما لم يُدركها التّاريخ المكتوب قبل عهد "الإغريق" الأوائل و على أنقاض الدّيانة "الأورفيّة" و بزوغ "الفيثاغوريّة"، و منذ ما لا يتجاوز الثلاثة آلاف عام، أو أقلّ بقليل؛ و هذه في الحقيقة وهلة يسيرة و وجيزة جدّاً من عمر الأرض و عمر البشريّة على هذه الأرض، و لو أنّها بمقاييس اليوم تُعتبر كافية لفحص هذه الفلسفة من جانب "عرفانيّ"، بناء على أكوام الآثار الفكريّة التي تركها الإنسان في هذه الآلاف من السّنين في بطون الكتب و المؤلّفات.
    صحيح أنّ "الغنوصيّة" قد لاقت لها رواجاً في زمن آخر تالٍ على "الإغريق"، و بخاصّة مع "المسيحيّة" و "الإسلام"؛ إلّا أنّ الوثائق المكتوبة لا تتيح لنا الاطّلاع على مبدأ لها قبل "الإغريق".
    و أمّا بالنّسبة إلى "الصّوفيّة" و "التّصوّف" فيكاد يكون عمر هذه "الطريقة"، المشتملة على طرق شتّى، إذْ أنّ أمرها يكاد يكون مقترناً مع عهد متأخّر في "المسيحيّة" و تالياً، في "الإسلام"، و بخاصّة بعدما فرضت جملة من الظّروف الموضوعيّة الاجتماعيّة و السّياسيّة، على "المتديّنين"، و بعيداً عن "المؤمنين"، الالتحاق بطرق دينيّة "عباديّة" و "تعبّديّة" أنعشت فيها "الصّوفيّة" طرقاً متعدّدة، تبعاً للأشخاص الذين أسّسوا تلك الطرق، و جميعهم في إطار المبدأ "الصّوفيّ" أو "التّصوّفيّ" الواحد الذي غذّى في السّلوك تلك الجملة من "الطّرق".
    يجدر بنا هنا أن نشير إلى مغالطات ثقافيّة شائعة حول كلّ من "الغنوصيّة" و "الصّوفيّة" و حول علاقتهما أو اقترانهما أو اقتران إحداهما بما يُسمّى "الحكمة"؛ إذْ من المفهوم، أو يجب أن يكون من المفهوم، أن "الحكمة" شيء مختلف كلّيّة عن الفلسفة و الأديان، و بالتالي عن طرق كلّ منهما في "الوصول" إلى الغايات.
    غالباً ما ارتبطت "الحكمة" بالخبرة العميقة الباقية بعد "التّجربة"، و بقدرة هذه "الخبرة" على أن تُجيب على أسئلة دائمة الوقوع و التّكرار على تعدد المكان و الزّمان، كأفكار أو دروس صالحة للتّعليم أو التّعلّم من قبل جميع البشر، و من دون أن تنتسب خبرة تلك التّجربة أو التّجارب، "الحكمة"، بدين من الأديان أو بإيمان من الإيمانات أو بفلسفة من الفلسفات.
    هنا علينا أن نلحظ أمراً هو في غاية الأهمّيّة، و أعني به ما يُنسب عادة إلى "الحكمة" من قِدَمٍ "أزليّ" يكاد يتجاوز في جوهره و مقاصده نطاق الأرض، بما فيها من تاريخ جيولوجيّ أو جغرافيّ أو بشريّ أو غيره.

    ● أوّلاً: في ( الغنوصيّة Gnosticism )

    13▪︎ ككلّ "الأفكار" و المعتقدات الفلسفية و الإيمانيّة التاريخيّة العريضة التي لم يدحرها الزّمن، نحن لا نعرف في التّدوين نقطة انطلاق ثابتة للكثير من هذه الأوابد الفكرية الثّابتة.
    و في أقصى "الموضوعية" التي يدّعيها التّاريخ الغربيّ المُدوِّن للفلسفات و الأديان المعروفة في الشّرق و الغرب، فإنّه يعزو كلّ بداية عريقة للعقل و الفكر البشريّ إلى "الزّمن الوثنيّ" الذي غالباً ما يقصد به "الفكر الغربيّ" المعروف لتدوين المعتقدات، ما قبل الدّيانة اليهوديّة و ربّما بالأحرى ما قبل "المسيحيّة".
    و في حين أنّ "الزمن الوثني" هو إشارة إلى حقبة زمنيّة بشريّة قديمة و طويلة و غير محدّدة من الوجود البشريّ، فإنّ انفتاح "الوثنيّة" تاريخيّاً على ماضٍ شاسع و عاقل، يجعل الخوض الأكيد في ما قبل الأفكار و الفلسفات و الدّيانات و المعتقدات السّابقة على الدّيانات الإبراهيميّة الكبيرة الثلاث، أمراً من الصّعوبة بمكانٍ واسع إلى الدرجة التي يشكّل فيها استحالة حتّى على أكبر المباحث التاريخيّة المتخصّصة و الطويلة.
    الأمر نفسه ينطبق معنا هنا على الخوض في بدايات الفكر الدينيّ و الفلسفيّ "الغنوصيّ".

    14▪︎ و لعلّ الاقتراب ما أمكن من البدايات الفكريّة الأثريّة للغنوصيّة يُلقي بنا الضّوءَ على ما كانت عليه "الغنوصيّة" في الثقافة العالميّة المعاصرة، قبل نحو بضعة آلاف و حسب من السّنين.

    15▪︎ تقول "المرجعيّات الغربيّة" بمختلف مصادرها إنّ "كلمة" الغنوصيّة مشتقة من جذر يونانيّ (إغريقيّ) بمعنى "معرفة" أو "بصيرة"؛ و هي "حركة دينيّة"(؟) تتّصل حتّى بالتّعاليم السّرّيّة الخاصّة لأفلاطون و أرسطو، قبل أن تظهر في شكلها المسيحيّ الأول في القرن الثاني الميلادي، حيث يُعزى – إذاً – قِدَمُها فعلاً إلى ما يُسمّى "الديانات الوثنية"، إذْ سجّلت هذه "المعرفيّة" الدينيّة في نهايات القرن الثاني الميلادي مجموعة من المدارس الفكرية داخل "الكنيسة"، بعد أن كانت واقعاً أوّليّاً قبل ذلك بكثير، و هو كما نرى أمرٌ طبيعيّ و مُوحٍ إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك المسافة الزّمنيّة و الثقافية و المعتقدية، التي فصلت بين نشوء "الحركة" و بين استقرارها كمدارس غنوصية مسيحيّة قبل نهاية القرن الثاني الميلادي..
    هذا مع معقوليّة فكرتنا على هذه "الظّاهرة" الواقعيّة التي لا يسمح معها التّصور ب"انتشارها" – وفق الزعم الغربي – في غضون قرن أو قرنين بعد ميلاد المسيح، لتفترق بهذه السّرعة إلى مدارس مختلفة و متعدّدة في "المسيحيّة"، لو لم تشكّل في الأصل أرضية ثقافية و اعتقادية تحتاج إلى زمنها الخاصّ و "الطويل"، لتتشكّل في تربتها مدارسُ مسيحيّة بالجملة، و هو ما يحتاجه الأمر – بالمنطق – إلى استقرار زمني مديد للأفكار أو المعتقدات الغنوصيّة نفسها، و هو ما لا يسمح به زمن وجيز مؤلّف من قرن أو قرنين من الزّمان أو حتّى أكثر في القياس المقارب، لحركة "فلسفيّة" أو "فكريّة" أن تُؤسّس لتيارات في الكنيسة على هذه الجدّيّة التي يعترف بها هذا "التاريخ".
    و ما أريد قوله، هنا، هو إنّ "الغنوصيّة" ليست حركة ظهرت مع الديانة المسيحيّة و "حوّلتها" إلى "طوائف" و "مراكز مسيحيّة رئيسيّة" – كما يقول "التاريخ الغربي" -- و لا حتّى "ديناً وثنيّاً" بالمفهوم الثقافيّ الدّارج للوثنيّة على أنّها حالة من الجهل الدينيّ أو ضياع اليقين أو نعتُ استخفاف و احتقار و استهتار بالتاريخ السّابق على "المسيحيّة" و "اليهوديّة"، أو كذلك فكرة دينيّة "وثنيّة" ظهرت من قريب في بلاد الإغريق مع أفلاطون و أرسطو، و إنّما هي "ديانة" أو "معتقد" قديم و أبعد من أن يُختزل بهذه التّخطيطة الزّمنيّة الماسخة.

    16▪︎ و من المتوفّر من "الثقافة الغربيّة" اليوم ما هو ينسج "الخيالات" المريضة حول "الغنوصيّة"، و بخاصة منها تلك الأبحاث الدّينيّة "الإسلاميّة" المتعصّبة و الجاهلة و المختلطة مع النّزعة الثقافيّة المركزيّة "الغربيّة" و الواقعة تحت "سيطرتها" العُمقيّة، بوعي و بغير وعي، عندما ينسبون إلى "الغنوصيّة" ما هو ليسَ فيها، حيث يخلطونها بعمد أو بجهل و غباء مع "المانوية" بثنائيّتها الشّهيرة و ثُنويّتها الفظّة و المحدودة و الفجّة، من أنّها (أي: الغنوصيّة) أخذت من "المانويّة" المباشرة أكثر تصوّرات هذه الأخيرة عن "إلهيّ" الخير و الشّرّ، حيث يتّسع بهؤلاء البحّاثة المزيّفين الوهم إلى أن يربطوا هذه "الفكرة" حتّى بأفلاطون نفسه، كما قدّم بعض التّعاليم الدينية الكونيّة في "القوانين" و في "تيماوس"، حول "الدّميورغوس" (أو القوّة الإلهيّة الغيبيّة المناطة أبداً بالعجز البشريّ عن إدراكها) و "الكوزموس" (الإله الكونيّ المُدرك المادّيّ)، على أنهما "إلهان" متواجهان للخير و الشّر أو للظلمة و النّور..
    و هو ما يوحي بسذاجة القراءة و التّأويل لكلّ من "الأفلاطونيّة" و "الغنوصيّة" في وقت واحد، بغضّ النّظر عن أقدميّة "الغنوصيّة" عن "الأفلاطونيّة" و "الفيثاغوريّة"، وفقَ المؤشّرات الزمنيّة "المعقولة" و تعاقب الأفكار و المعتقدات الأخرى في التّاريخ.
    يكفي هنا أن نذكر أنّ (أفلاطون) هو الفيلسوف العبقريّ الأهم في تاريخ الفكر الفلسفيّ و الفيزيائيّ، المعروف، قبله و بعده، و حتّى اليوم، الذي قال في "تيماوس" بلا أبديّة "الكون" المُدرك أو المعروف؛ الأمر الذي قالته "الغنوصيّة" النقيّة كمعتقد و كفلسفة قبله، بزمن ينبو عن التّقدير لاختفاء الوثيقة و اختفاء الدّليل، و لكنْ بالقياس إلى تعاليم "دينيّة" و "مقدّسة"، موزّعة "هنا" و "هناك"، قبله بزمن طويل يعود إلى آلاف أخرى من السّنين؛ من جهة تنبيه "الغنوصيّة"، و من بعدها أفلاطون، بأنّ شدّة تعلّق النّفس البشريّة بعالم الأحاسيس الماديّة الخمس، يجعل منها لاصقة بهذا العالم، الأمر الذي يُضيّع عليها فرصة الانعتاق و الارتقاء.
    نذكر هنا أنّه و بعد أفلاطون جاء أرسطو ليؤكّد تعاليم أستاذه و معلّمه أفلاطون و لو بخجل شديد، كان منبعه إصرار أرسطو على مخالفة أفلاطون "المبدئيّة" و غير المُعلّلة، و ثأره غير المفهوم أو المعلّل من تعاليم "المعلِّم"، عندما أكّد أرسطو بصراحة نسبها إليه من أنّ عالم "المادة" هو عالم فاسد و زائل بفعل اقترانه ب"الزّمن" ، الذي اعتبره هو عامل الفساد و الإفساد، و ذلك في كتابه الشهير الموسوم ب"الطّبيعة".

    17▪︎ نُسبَ رهطٌ من "الفلاسفة" المصنّفون تحت إسم "الفيثاغوريّون الجُدُد" و "الأفلاطونيّون الجُدُد"، إلى "الغنوصيّة" في وقت لاحق من التّاريخ؛ و من أمثلتهم الإغريقيّ الإسكندرانيّ (بطليموس) (87 - 150م)، و (فالانتينوس المصريّ) (100- 160م)، و المتوفّى في (قبرص)، مؤسّس "مدرسة روما"، و (نومينوس الأفامي)، السّوريّ (190- 260م)، و (يمليخا) السوريّ الأفاميّ، الفيثاغوريّ ( 260- 333م)..
    و أمّا (أفلوطين) صاحب مدرسة "الأفلاطونيّة المُحدثة" (204- 270م) المولود في (ليكوبوليس) أو (أسيوط) اليوم في مصر، و المتوفّى في (كامبانيا) في (إيطاليا) اليوم، فقد ناصب "الغنوصيّة" العداء، و كتب صراحة ضدّ "الغنوصيين" في إحدى "تاسوعاته" (التّاسوعة 2/9)، و ذلك على رغم تشابه و تداخل الأفلاطونيّة و الغنوصيّة في العقود التالية للميلاد بشكل خاصّ.

    18▪︎ في هذا الفصل الفرعي من النّبذة السابقة، يعنينا، بشكل أساسيّ، تلك "الشّبهة" و ذلك "الاختلاط" اللذين وقع فيهما (أفلوطين) في بداية القرن الثالث الميلادي في تصنيفاته الفلسفية اللاهوتية المعروفة ب"التّاسوعات" (انظر الفصل التاسع من "التّاسوع" الثاني، و قد كنّا أشرنا إلى هذا التّرقيم أعلاه)، حول فهمه من إيمان "الغنوصيّة" و "الغنوصيين" (أو "الإغنسطيّون" كما يُسمّيهم أفلوطين)، بأنهم قالوا ب"أنّ صانع العالم شرير، و أنّ العالم شرّ")، و هو الأمر الذي أوضحناه أعلاه بكونه كان وراء سبب "الجهل" بمبادئ "الغنوصيّة"، ما أتاح المجال السّهل للفهم الغربيّ و "الشرقيّ" الرّديء لحقائق "الغنوصيّة" و مبادئها الأساسيّة..
    و هو أيضاً ما انسحبَ فهماً خاطئاً و مفترياً حتّى على (أفلاطون) نفسه باتّهامه بتلك التّهمة الحمقاء، بعد أن أشرنا إلى فهم (أفلاطون) و (أرسطو) لعالم المادّة و قيمته بالنّسبة إلى عالم "الروح" أو "العقل" في اللاهوت الفلسفيّ الإغريقي بدءاً من (فيثاغوراس) و مروراً ب(أفلاطون) و نهاية ب(أرسطو). و أمرٌ كهذا يساعدنا كثيراً، في واقع الأمر، على تدبّر فهمنا للحفاوة التي أحاط بها "الإسلام" الرّسميّ "النّصّي"، في وقت متأخّر، (أفلوطين)، من دون كلّ من (فيثاغورس) و (أفلاطون) و (أرسطو)، و بخاصّة فيما يخص الحملة الإسلاميّة الثقافيّة الرّسميّة الجاهلة على "التّأويل" و القراءة المُستبصرة للنّصوص، و على الأخصّ في بعدها "الرّابع" و "الخامس" الكونيّ من أصل التّكوين..
    و أعني خارج حدود "الثقافة" السياسيّة الوضعية المحصورة بالزّمان و المكان و الارتفاع المحسوس بالأحاسيس الماديّة الخمس.

    19▪︎ في جادّة حديثنا الرئيسية، فإنّ "الغنوصيّة"، أو العرفانيّة المُستبصرة، تقوم على جملة من المبادئ التي فقد الباحثون عناوينها الرّئيسية، فأعملوا فيها الظّنّ و التّظنّنَ و مهاجمتها بوصفها "ديانة" أو طريقة دينيّة و إيمانيّة جوهرها "فلسفيّ" مُخلص ل"وحيِهِ" الخاصّ، و هذا ما يجعلها تشكّل خطراً حقيقيّاً على "الدّيانات النّصيّة" التي كتبها بَشَرٌ من مواقع "السّلطة الاجتماعيّة" التي تستحوذ على السّياسة و الإنسان، ما جعل "الغنوصيّة" في قفص تاريخيّ للاتّهام المُجَرَّمِ في التّدين و الأخلاق الوضعيّة العمليّة التي ينسبها "الوضعيّ"، زوراً، إلى "المقدّس".
    يُساعدنا "التّأويل"، كما هو مفهوم في هذا السّياق، على تجاوز الأوضاع الاتّفاقيّة لإدراك و تدبّر "النّصّ" المقدّس، و ذلك بعد تعرية المقدّس من غير المقدّس، خارج إطار الوجود في البعد الثّلاثي للقراءة، في إطار مفاهيم الأرض، و لكنْ صعوداً إلى "مقولات" السّماء.
    و نحن في إزاءِ حديثنا على "النّصوصيّة" و تقديسِ "المؤسّسيّ"، فإنّ أهمّ ما طرحته "الغنوصيّة"، على العكس من ذلك، مسألة "تأويل" النّصّ و فحصه من حيث مصادره "العُليا" التي وحدها، دون غيرها، تُسوّغ تقديسه، و تجعله مدعاةً للإيمان؛ فكانت "الثّقافة" الغنوصيّة التاريخيّة التالية للأديان الإبراهيميّة، أن وجّهت نقدها المعرفيّ المباشر للنّصوص التي انتحلت "القدسيّة" في "اليهوديّة" و "المسيحيّة" و "الإسلام"، عن طريق "تأويل" النّصّ و مقارنته بالعقل، من جهة، و ب"الوحي" من جهة أخرى ..
    و هو ما ألّب عليها السّلطات الثّقافيّة – السّياسيّة صاحبة مشروع المؤسّسة الدينية السياسية الحاكمة ل"المفهوم".
    و لقد كان من أهمّ الفلاسفة المُؤَوِّلين في "الإسلام"، ممّن حازوا على تقدير عالميّ و تاريخي (محي الدّينيّ إبن عربي) الذي كان أجرأ من أعاد الاعتبار الصّريح و المباشر إلى "التّأويل" في إطار "الثّقافة" الإسلاميّة الرّسميّة على التّحديد..
    و هذا في ابتعاد لنا مقصود ب(محي الدّين بن عربيّ) عمّا تم تصنيفه فيه، خطأً و جهلاً، من قائمة "المتصوّفة" و "الصّوفيين"؛ و سوف يكون لنا وقفة أخرى مع هذا الأمر عندما سنستعرض معاً مفهوم "التّصوّف" و "الصّوفيّة" الإسلاميين.
    بعد هذا التّاريخ الفلسفيّ الموصوف أعلاه، نُسِبَ إلى الفيلسوفين الكبيرين في القرن العشرين الميلاديّ، (هايدغر) و (غا دامر)، ما فحواه اقترابهم من الفلسفة "الغنوصيّة" المعرفيّة، في ما أتاه (هايدغر) من بحثه الأونطولوجيّ المرموق المُعنون ب(في الوجود و الزّمان)، و ما اشتغل عليه (غادامر) في "فلسفة التّأويل"، الذي مهّد بهذا ل وصولنا إلى الفيلسوف المعاصر (بول ريكور) مع "التأويل" و "فلسفة التّأويل"، و بخاصّة في مؤلَّفيه الشّهيرين (في التّفسير – محاولة في فرويد)، و (نظرية التأويل – الخطاب و فائض المعنى).

    20▪︎ المبدأ "الغنوصيّ" الثاني الجدير بالأولوية هو مبدأ حقيقة "الظاهر و الباطن"، الذي يتّصل مباشرة بمبدأ "التأويل".
    باختصار فإنّ الظّاهر و الباطن ليسا سوى مستويين للقراءة، بحسب المتلقّي و قدرته على النّفوذ إلى ما وراء الكلمات المباشرة التي قلّما تُنجز إيحاءها و مقاصدها، إذا نحن أخذنا بها من وجهها اللغوي المحض، و ضحّينا بالرّمز و الإشارة و التّلميح الواقعة كلّها خلف "التّصريح".
    و هذا المبدأ الشّهير في القراءة و التّعليم، يعود إلى تفاوت الفُهوم و الأدمغة و القدرات و تباينها في الإدراك و التّمييز.
    يحضرنا هنا قول (إبن عربي) بأنّ ثمة (قولٌ للعامّة، و قول للخاصّة، و قول لخاصّة الخاصّة، و قول لصَفوةِ خاصّة الخاصّة).
    و في هذا السّياق فقد شكّل هذا المبدأ على تاريخ الثّقافات الرّسميّة، و الدينية بخاصة، هاجساً مقلقاً لسلطات الثّقافة، في محاولاتها التي لا تنتهي لكي تُسطّح إدراك البشر، في اعتداءات مباشرة على أصحاب العقول المُستبصرة من خاصّة الأشخاص الذين عادة ما يبحثون عن الحقيقة، في ما وراء ظاهر الأشياء و المعلومة و النصّ و الخطاب.
    لهذا نحن نتفهّم أيضاً محاولات السّلطات "الثقافيّة"، على عمومها، تتفيه القيمة التي يحوز عليها العقل في النّصّ، و تعميم الخطاب السطحيّ و النّصوص المُسطّحة، و هذا ما نعيشه في عصرنا، على نحو فاضح، من تفريغ مُريع و مقصود و لئيم لكل ما من شأنه أن يشكّل "فارقاً" أو علامة فارقة، إذِ القيمة في الاختلاف.

    21▪︎ من أكثر المبادئ الإشكالية في "الغنوصيّة" مبدأ التّنبيه إلى أنّ "الطّبيعة قيد" ثقيل في عوالم الكون، و من هنا نشأ سوء الفهم المقصود و غير المقصود الذي عمّمتْهُ "الثقافات" التالية على الغنوصيّة بواسطة أقلام محدودة أو مأجورة، أو غبيّة و محدودة و حاقدة على ثقافات الحرّيّة و الاتّساع و الامتلاء.
    هذا يُفسّر الثّغرة المصطنعة في التّعاليم الغنوصيّة التي دخل منها الفهم السخيف لها، كما وجدنا في "الأفلوطينيّة" و سائر الثّقافات التي اعتمدت هذه "الفلسفة"، عندما أوهم هؤلاء العوامَّ من المفكّرين و الفلاسفة المزيّفين و اللاهوتيين المأجورين سياسياً، بأنّ الغنوصيّة تقولُ بأن العالم الماديّ كلّه شرّ و أن الحياة ضربٌ من الشّرور، كما مرّ معنا أعلاه.

    22▪︎ يتّصل بالمبدأ الغنوصيّ السابق مبدأ "التّكرار و المَعاد"، و هو الطريقة الوحيدة، ناهيك عن كونها المثلى، لتنقية الأنفس البشريّة من "التصاقاتها" الماديّة الأرضيّة بالأجساد، و صَبرها في ذلك، و عمل أصحابها على إدراك طريق التّقدّم "النّورانيّ" بالتّكرار و التّقمّص إلى أن تصفى "الأنفس" في رحلة "أرواحها" في عالم النّور السّماويّ، في السّبيل الموصل إلى غاية "الأشياء" جميعها في "الأصل" النّورانيّ.
    يُرتّب هذا المبدأ ما هو معروف على نطاق محدود من أنّ الكائنات البشريّة في هذا العالم الأرضي، تجتمع في حقيقتها على أقانيم ثلاثة هي "الجسد" و "النّفس" و "الرّوح"، و جميعها في حظيرة "العقل" الكونيّ السّابق على الموجوديّة في عالم المادّة.
    و الرّهان يقوم، و حسب، على السّباق الذّاتيّ البينيّ ل"الذّات" الفرديّة الإنسانيّة، من أجل خلاصها المتتالي و سموّها في معراجها الموضوعيّ من الجسد إلى النّفس إلى الرّوح.
    هكذا نستطيع أن نفهم الشّبهة التي وقعت فيها التّرجمات العربيّة للمؤلّفات الغربيّة المصدّرة للنّصوص الفلسفيّة الإغريقيّة النّموذجيّة عند (أفلاطون) بخاصّة، و في أحاديث (سقراط)، عندما خلطت تلك التّرجمات أو التّعريبات العربيّة الإسلاميّة القديمة و الحديثة و المعاصرة، بما ينضمّ إليها من فهومات "غربيّة" عند فلاسفة نموذجيين ك(هيغل)، مثلاً، و ما زالت تخلط، فيما تختلط عليها الأمور، باستخدام مصطلحات و كلمات مثل "النّفس" و "الرّوح" و "العقل" كمترادفات على "أمر" واحد أو "حقيقة" واحدة، بينما الأمر على خلاف و اختلاف و فوارق جوهرية و استقلاليّات.

    23▪︎ تؤكّد "الغنوصيّة" على أمر مفاده أنّ "الصّفاء" الجسديّ، ثمّ السّموّ "النّفسيّ"، و تالياً الخلاص "الرّوحيّ"، مرهونة جميعها ب"المعرفة" الخالصة أو ما نُطلق عليه إسم "العرفان".
    و هكذا لن يكون للمرء أن يتقدّم في طريق النّور ما لم يَحُز على "معرفة" ب"الحقيقة" التي تنتسب في "الغنوصيّة" إلى عوالم الباطن، كما تقدّم في حديثنا بشأن الفهم "المتعدّد" للحقيقة ما بين الظاهر و الباطن.
    و بكلمات مفهومة، يمكننا أن نقول إنّ ما يتوقّف عليه أمر "المعرفة"، باختصار، أن يعرف المرء على "يقين"، حقيقة "الشّيء" على ما هو في "حقيقته"، بعيداً عن ظروفه و أحواله و أعراضه و العوارض دون معرفته. هنا يَحسن التّفريق الغنوصيّ الدّقيق بين "الشّيء" و إسمه و ذاته التي هي أيضاً على درجات في "الكينونة" الكونيّة، و "غايته" كذلك.
    و لشدّ ما تؤكّد "الغنوصيّة" على هذه "المعرفيّة" أو "العرفانيّة" أو "الاستبصار"، وجدناها أنها أخذت إسمها من وظيفتها و أدواتها هذه بحيث لم تتّفق "الآراء" حولها ، إلّا بما اتّفقت عليه في "إسمها" المفروض على "الثقافات" عبر التاريخ.

    24▪︎ و أما عن "اليقين" العرفاني الذي يُعتبر أحد أهمّ دعامات "الغنوصيّة"، فهو منوطٌ بالخبرة "الرّوحيّة" القديمة و "ذاكرة الرّوح" التي تتربّع فوق كلّ اعتبار آخر لأيّ من أنواع "الذّاكرة" الإنسانيّة، من بين سائر جموع "الذّاكرات" التي تسكن "الجسد" البشريّ.
    أنت لا تؤمنُ على حقيقة "الإيمان" ما لم يكن لكَ سنَدٌ حيٌّ و جوهريّ و حاضر في غيابه من "ذاكرة روحكَ" التي تعلو على غيرها من "الذّاكرات"، حيث تبقى تلك "الذّاكرة" حيّة و مُتأجّجة و متّقدة على نحو من الأنحاء، تمنعكَ من الانزلاق في هاوية "النّسيان" الكونيّة، ما يُساهم في "تصنيفك" الكونيّ و "انحدارك" إلى "الهاوية"، أو "ارتفاعك" في معارج "السّماء".

    25▪︎ بقي أن نقول في "الغنوصيّة" ما يختصر جميع مبادئها في "الغاية"، و هو أنّ كلّ ما في الكون هو قابل للتّجسّد و التّجسيد، و ما هو "خارج" الكون أيضاً، إذا فهمنا من الكون أنّه كون الفيزياء المحدود.
    إنّه ليسَ ثمّة ما يشترط على "القدرة" و "القوّة" أيّ من "الشّروط"، و بخاصّة إذا فهمنا أنّه لا شرطَ على الشّارط، و إنّما الشّرط على المشروط.
    غير أنّ إدراك هذه "الحقيقة" البسيطة في باطنها و المُركّبة في ظاهرها، يجعلنا نعود إلى أُسّ "الغنوصيّة" الجوهريّ، بخصوص ما يدور في فلك الظاهر و الباطن من فهم للغاية في "التّكوين" بين بُعدَيّ "الفيزياء" و "الميتافيزياء"، بلغتنا المعاصرة اليوم.

    ■ غدا الخميس: الجزء الثاني والأخير من البحث

    عدد الزيارات
    9610166

    Please publish modules in offcanvas position.