nge.gif
    image.png

    نظرة في (الغنوصيّة) و (التّصوّف الأخلاقيّ) و (الصّوفيّة) الدّينيّة.. بينَ (الحقيقة) و (أعراف العامّة) و (التّاريخ ).. 2من2

    كتب الدكتور بهجت سليمانأ بهجت سليمان في مكتبه

    ● ثانياً: في التّصوّف Mysticism  و الصّوفيّة Sufism

    ● " الصوفية" على أساس هذا الانفصال "العقائدي" في "الإسلام"، هي حركة نشأت سرّيّاً في القرن الثاني الهجري و انتشرت على نطاق معروف في القرن الثّالث الهجري وفق المؤرّخين.
    كما تعود إلى القرن الثاني الميلادي، بعد اندماج اليهوديّة و المسيحيّة بكتاب مقدّس واحد يحتوي على العهدين "القديم" و "الجديد" ●


    26▪︎ لا يُهمَل الفرق البيّن بين مصطلحيّ "التّصوّف" و "الصّوفيّة"، ذلك لأنّهما يقسمان "الأتباع" و "الأنصار" و "المعتقدين"، إلى "مُتصوّفةٍ" و "صوفيين".
    يختلف "التّصوّف" عن "الصّوفيّة" في أنّ الأوّل ينصرف إلى الممارسة العملية لسلوك زاهد بالحياة الماديّة و متقشّف عن جاذبيّاتها إلى أغلال الحواسّ الخمس، و مترفّع عن مغرياتها ، لتبتيل و تنبيل النّفس بانصرافها إلى المعاني الكونيّة التي تمنحها حرّيّتها المُبكّرة من قيود الجسد التي يبعثها التّعلّق بحياة الأرض و اليوميّات ، التي تلجم حريّات الإرادة عن ممارساتها لذاتها في إطار فهم تأمّليّ خاصّ للكينونة الجسديّة ، على أنّها مجرد عبور يجب على صاحبه أن ينجح في اختبارات هذا المسلك المرتبط بالمستوى المتدنّي من حياة النّفس و الرّوح في الدنيا الزّائلة..
    مع احتفاظ المرء بجميع طقوس "عباداته" و أقلّها في المستوى الإيمانيّ أو الذّهنيّ العَقَديّ ، و الالتزام بما تُمليه عليه تلك الطقوس من حدّ أدنى من الشّكليّات التديّنيّة و الاعتقاديّة و الأخلاقيّة.. إلخ ..
    فيما تُشرّع "الثانية" لصاحبها ممارسات منقطعة، في الحقيقة، حتّى عن مضامين التّديّن و الإيمان و طقوسهما، التي تُفرضُ عَقَديّاً على المنتمين إلى هذه النُّظُمِ الشّكليّة و المضمونيّة و الإجرائيّة، ليمنحَ "الصّوفيُّ" نفسه "حُرّيّات" منظوميّة خاصّة تبعث به إلى تجاوز أشكال الممارسات و المعتقدات المؤطّرة في المنظومات و "القواعد" التي تُلزم أصحابها بممارسات خاصّة كانت تجمعهم مع "الصّوفيين" الخارجين عنها، و التي تميّز تلك المعتقدات عن غيرها من أنظمة التّديّن و الإيمان.
    فالصّوفيّ يخلق له في إطار "نظامه الرّوحانيّ" و النّفسيّ الجديد مسوّغات و مبرّرات "غيبيّة" خاصّة و غير "مُعلَّلة" بأيّ من أنظمة التّعليل، سوى منها تلك التي تجمعه مع أقرانه من "الذّائقين" و "المتذوّقين" في أعراف اتّفاقيّة تخصّ "الثّقافة" الصّوفيّة، نفسها، ممّا هو معروف للغالبيّة من المُطّلعين و المهتمّين بالشّأن، في إطار ما يُسمّى بالانجذاب الصّوفيّ إلى "عوالم الملكوت" المتعارف عليها في "النّظام الصّوفيّ" التي تُحدّده، في حدود الممارسة الخاصّة المضبوطة القواعد، أحوال مفتاحيّة خاصّة من الاجتهادات و التّعمّلات الجسديّة و النّفسيّة و الحسّيّة و الشّعوريّة ، التي تعتبر تميّز الصّوفيين كخاصّة من الخواصّ الذين يُمارسون ما لا يقوى عليه الشّخص "العاديّ" من سلوك دروب "الاتّحاد" الرّوحيّ مع "الرّوح" الكليّة ، التي هي كناية عن "الذّات الإلهيّة" كمرحلة عليا و أخيرة من مراحل "الوجد" الصّوفيّ ، الذي يُفسّر بالاندماج "النّشوان" الأخير في الكلّيّة الكونيّة للكينونة الإلهيّة..
    و من الواضح، وفق الاعتقاد الصّوفيّ، أنّ دون تلك "المجاهدة" الخاصّة جملة من الأوضاع و الوضعيّات التي تُسمّى "مراحل" المعراج الشّخصيّ التي تُعتبر مقتِصرة على "الذّواقين" للمعاني الكونيّة السّريّة الخاصّة التي لا يُدركها إلّا "الصّوفيين" بوصفهم "سُيّاحاً" في عوالم الكون الرّحب الفسيح.
    و من الواضح في حالة "الصّوفيّة" و "الصّوفيين" أنّنا أمام معتقدات خاصّة تشكّل ديناً تعبّديّاً خاصّاً، يُخرجهم من جميع النُّظُم الاعتقاديّة الأخرى ، تلك التي تميّز أديان "العامّة" على اعتبارهم، الصّوفيين، من "الخاصّة" القلّة التي يُباح لهم الاطّلاع على أسرار "الوجد" الصّوفيّ، بما هو طريقة في "التّذوّق" الكونيّ للمعاني، أكثر ممّا هو اعتقاد نظريّ دينيّ و تعبّديّ و إيمانيّ ، يؤطّر العامّة دون أن يُلزم الصّوفيين بأيّة التزامات "مرخوصٍ" لهم تجاوزها في ما يُشبه "الإباحة" الخاصّة من دين العامّة، و هو ما ينطبق على الصّوفيين من كلّ "الأديان" "الأرضيّة" منها و "السّماوية" المعروفة في الأرض على مرّ تاريخ الشّعوب و الثّقافات.
    و من الرّاجح عن بعض المشتغلين بالصّوفيّات و الطرق الصوفية، و بخاصّة منها الإسلامية، أن الطرق "الصوفيّة" كمعتقدات استثنائية، كانت نتاجاً لتاريخ تمهيديّ غلب عليه طابع "التّصوّف" الأخلاقيّ، لينتقل فيما بعد إلى استقلالية نتج عنها مجموعة من الطرق "الصوفية" الإسلاميّة التي انفصلت نهائيّاً عن ممارسات "التّصوّف" الأخلاقيّة و السّلوكيّة و النّظرة إلى الحياة..
    و "الصوفية" على أساس هذا الانفصال "العقائدي" في "الإسلام" هي حركة نشأت سرّيّاً في القرن الثاني الهجري و انتشرت على نطاق معروف في القرن الثّالث الهجري وفق المؤرّخين.
    و كان من أشهر الطّرق "الصّوفيّة" التي انتبذت لها عقائد و تعاليم سريّة فاشتهرت بمصادرها الطرائقية الخاصّة "بالوَجد" و "المجاهدة" و "الهواتف" و "الرّؤى" و "الإسراء و المعراج" و "الكشف" و "المكاشفة" و"الوصول"، و مفهوم "وحدة الوجود"، طرق صوفية عديدة كالقادرية و النقشبندية و التيجانيّة و الرفاعيّة و المولوية و الطريقة الختميّة التي يتواشج فيها "التّصوّف السنّيّ" مع "التّصوّف الشيعيّ"، و غيرها أيضاً؛ هذا بالإضافة إلى انقسام "الصوفيين"، علاوة على "الطرق"، إلى "مدارس" أيضاً.
    و كان أن مرّ معنا سابقاً أن "الصّوفيين" يعتبرون ( محي الدين بن عربيّ ) هو الشيخ الأكبر في الصوفييّة لاعتقاده، وفق قولهم ، بوحدة الوجود الذي يُعتبر مبدأ راسخاً و رئيسيّاً من المبادئ الصوفيّة المختلفة؛ و هو أمر لا تُثبته مؤلّفات ( إبن عربي ) و بالأخصّ منها "الفتوحات المكيّة" و "المواقف"، إلّا في الفهم المعانِد للعرفان الإلهيّ الذي يقول به ( إبن عربيّ ) و الذي يُناقض بالطّبيعة و المفهوم مبدأ "وحدة الوجود".
    على أن للصوفيّة أعلاماً "مجتهدين" و معروفين شعبويّاً ك ( الحلاج ) و ( البسطاميّ ) و ( جلال الدين الروميّ ) و ( النّفري ) و ( العطّار )..و غيرهم..
    فيما كان منهم ( إبن الفارض ) هو الأكثر توازناً و تأمّلاً و بعداً عن مباشَرِيَّة مبدأ "وحدة الوجود" على رغم ما توحي به أشعاره الفريدة، بذلك.
    و الجدير ذكره هنا هو أنّ "الصوفيّ" مُفوّض بإسقاط كلّ الفرائض الشرعيّة و العبادات و الالتزامات عنه، بشرط أن يكون قد تجاوز مرحلة "الشّريعة" إلى مرحلة "الحقيقة"، وفق انقسام "الدين" عندهم إلى هذين المكوّنين.

    27▪︎ لن ندخل هنا في "تعليل" الصّوفيّة، السّياسيّ، الذي درج عليه "النّقّادُ" من أنّها غالباً ما انتشرت في ظلّ ظروف "الحصار" الدينيّ الثّقافيّ الرّسميّ للأقلّيّات الاعتقاديّة أو الطّرائقيّة في التّعبّد و الإيمان ..
    ذلك أنّه لا يمكن ، في رأينا، اتّخاذ هذا التّعليل للصّوفيّة، إذْ غالباً، أو دائماً، ما يكون "الصّوفيّون" منشقّين شخصيّاً عن دين أو أديان العامّة من البشر في ظلّ ظروف طبيعيّة من الانتماء العامّ الدّينيّ و "الطّائفيّ" و "المذهبيّ" للجميع إلى دين أو اعتقاد السّلطات السّياسيّة نفسها في نظام التّديّن الأيديولوجيّ للسّلطة و النّظام الرّسميّ العامّ ..
    و لنا تعليلنا في ذلك من انتشار "الطرائق" الصّوفيّة المتعدّدة و المختلفة في ما بينها، و لو أنّه يجمعها نظام واحد عامّ من شكليّات الممارسة و الاعتقاد، و لكنْ المنفصلة فيما بينها بالتّفاصيل، في ظلّ مخالفتها للعوامّ المتديّنين من الدّين الواحد نفسه الذي يَدين به جمهور العامّة و نظام السّلطة السّياسيّة في آن واحد.
    و هكذا نحن يُمكننا أن نجد "الصّوفيّ" من مختلف الأديان، شأنه شأن "المتصوّف" أو "المتبتّل" المنقطع عن الدّنيا، في كلّ الأديان..
    هذا و لو أنّ "الصّوفيّة"، دون "التّصوّف"، قد شاع أمر انتشارها، بمختلف "طرائقها"، بين "المسلمين"، أكثر ممّا نجدها بين سائر "الأديان" العالميّة المعروفة الأخرى، ليس بسبب حجمها في "الإسلام" و تاريخ الإسلام، و إنما بسبب "الاحتفاليّة" المفتعلة و المقصودة التي رافقت ظهورها و انتشارها بين المسلمين.

    28▪︎ لا يمكن لباحث موضوعيّ في تاريخ "الثّقافات" إلّا أن يعترف بشدّة التّركيب المتبادل و المتفاوت للعقائد و المعتقدات و الأديان و الفلسفات و "الطّرق" و "الممارسات" الدّينيّة، و بخاصّة في موضوع عابر للأديان و المعتقدات كما هو أمر "الصوفيّة" الدينيّة.
    و لقد تم توظيف هذه "الظاهرة" في وقت مبكّر من تاريخ "المسيحيّة" في أوربّا من أجل معاودة احتلال "اليهود" لمواقع ثقافية و فكرية و فلسفية متقدمة في الحضارة المسيحية، كطريقة سهلة بين "العامّة" و "الخاصّة"، بعد تجربة "اليهودية" الاجتماعية الصّعبة التي عاناها اليهود بين "المسيحيين" العاديين، و بخاصّة قبل "عهد الإصلاح" الكنسيّ اللوثريّ في القرن الخامس عشر و السادس عشر الميلاديين في أوربا ، و التي كان من نتائجها اندغام الشّرقيّة اليهوديّة بالمسيحيّة الكنِسيّة الغربيّة و تسلل "الصوفيّة" اليهوديّة إلى "الكنيسة" المسيحيّة.
    و لأنّ "التجربة الصوفية" ليست من شأن العامّة، فقد احتكرتها في المسيحية جماعة "الرهبان"، أو ما يُسمّى ب"العلمانيين المعزولين"، و ربّما على عكس ما درج في اليهوديّة و الإسلام، حيث شكلت "الصوفيّة" قوة اجتماعية ذات وزن شعبويّ، و بخاصة في بداياتها الأولى.
    على أنّ "الصوفيين" ليسوا "معارضين" دينيين، إذ غالباً ما عبّروا، و لو مع استثناءات قليلة ، عن احترام مطلق للدين السائد – في اليهودية الحاخامية، و الكنيسة - كسنّة الشريعة، و "الشّريعة" الإسلاميّة في ما قبل مرحلة تجاوز "الشّريعة" التي تتدرّج إلى "الحقيقة" و المقصورة عندها على "الخواصّ".

    29▪︎ ليس ثمة شكل يهوديّ، مسيحيّ، أو إسلاميّ "للتجربة الصوفية" الخاصّة، وإنما هناك أشكال متعددة، و لو أنّها تشترك جميعها بقواسم "فلسفيّة" و اعتقاديّة خاصّة، و بخاصّة "وحدة الوجود".
    غير أنّ لكلّ منها غايات اجتماعيّة و سياسيّة بحسب المجتمع الذي تنشأ و تنشط فيه، و غالباً ما تتركّز تلك "الغايات" في بوتقة واحدة تتعلّق برفض مفهوم "الدّين" السّائد في ظاهرة شبه عابرة للأديان، ممّا يدفع بعض "النّقاد" و "المؤرّخين" للأيديولوجيّات إلى القول بقدم الجذر المشترك للصّوفيّة ، و بصيغة عالميّة ربّما تعود إلى القرن الثاني الميلادي، بعد اندماج اليهوديّة و المسيحيّة بكتاب مقدّس واحد يحتوي على العهدين "القديم" و "الجديد" في دفّة واحدة و إيمان واحد، و هوما سهّل الاندماج الاجتماعيّ و العقديّ الخاصّ و السّريّ منذ ذلك الحين ، إلى أن أدرك الإسلام في أواخر القرن الثاني و بداية القرن الثالث الهجريين حيث انتشرت و تفشّت "الصّوفيّة" على الملأ الدّينيّ "الاعتقاديّ" بين الخاصّة و العامّة على السّواء.

    . 30▪︎ يمكن أن ننتهي إلى خلاصة عامّة من كلّ ما تقدّم، نلاحظ فيها أنّ "الحركات" الصّوفيّة بخاصّة ، تزدهر في الأوضاع الاجتماعيّة و السّياسيّة التي غالباً ما ترافق عصور تراجع تنظيم "الدّول" و "الجيوش" و المبادئ الاجتماعيّة العامّة في الفضيلة و العدالة و الخير، و تناهي الثّقافات العامّة في تراجعات مأساوية عامّة و شاملة، و التي كانت تشكّل عصبَ شدّ أخلاقيّ و تنظيميّ بالنّسبة إلى المجتمعات و الدّول، لتكون تلك "الحركات" على قدر كبير من الانتشار و "النّجاح" ..
    و هذه ملاحظة تنطبق على مختلف "الصوفيّات" اليهوديّة و المسيحيّة و الإسلاميّة ؛ تماماً على عكس ما وجدنا مع "الغنوصيّة" التاريخيّة كفلسفة و تعاليم دينيّة، أنّها استمرار لعقائد عريقة و عميقة "مجهولة" المنشأ، كانت تسهم على الدّوام في قوّة "الفلسفات" و تثبيت دعائم الإيمان بين العامّة بما لها من قدرة و مُسوّغ تاريخيين، على تشكيل المفاصل الأقوى للمنعطفات الثقافية التاريخيّة و الدّينيّة و الإيمانيّة، و ذلك بملاحظة هذا الأمر منذ العقيدة "الأورفيّة" الأولى، و "الصابئة" و انتشارها ( أي : الغنوصيّة ) في العهد "الهلّينيّ" الإغريقيّ، زمن بناء المنظومات الفلسفيّة العملاقة مع سقراط و أفلاطون و أرسطو ؛ ثمّ في انتشارها في ما بعد في زمّن الحضارة الإغريقيّة "الهلنستيّة" في أوج ازدهار اليونان القديمة في ( 323- 146 ق. م ) ، ( أو حتّى 30 ق.م ) أيضاً، حيث تزاوجت الإغريقيّة مع الرّومانيّة في عهد صعودها الجمهوريّ في أوج طاقتها الكامنة حتى حينه، و في ما قبل الانتشار الإمبراطوريّ الرّومانيّ الذي امتزج باستبداد روما الإمبراطوريّة و طغيانها على كلّ "العالم القديم".

    عدد الزيارات
    9638236

    Please publish modules in offcanvas position.