الصفحة الرئيسية

د. حبيب ابراهيم: من ذكريات المراجعة

أيام المراجعة لفحص الشهادة الثانوية حين كان وعينا مايزال في المرحلة الاعدادية، بينما القلب يحضر لرسالة الماجستير.أ حبيب ابراهيم

قررت أن أقلّد بعض المتفوقين من أقراني فذهبت إلى بيتنا الريفي كي استفرد بالكتب ورسائل الغرام المبكرة واتفرغ للعبادة فقط مثل راهب مراهق...
كان بعض الأهالي من كثرة حرصهم يدرسون عن أبنائهم بدلا من مساعدة الأبناء على الدرس، وكنت تستطيع أن تعرف عن بعد خمسة أسطح فسيحة في أي بيت يوجد طالب شهادة تعيس.
في نفس الوقت كان المتسربون باكرا من المدرسة قد أخذوا احتياطاتهم لاقناع الدارسين بأنهم سعداء بلا شهادة وأنه لا جدوى من التعب، وذلك عن طريق المبالغة في التزين والتعطر و الانفاق والطرب، بالطبع كان عدد كبير منا مقتنع بالفكرة لكن ماذا نفعل بعقلية الأهل الحاكمة.
بعض الأهالي تنبه للمشكلة فحاول إبلاغ أهالي المطروبين بضرورة احترام أبنائهم لظروف الدارسين ولكن هيهات من يطيع وقد تقصد ان يفعل ذلك.
أما جاري الظريف أبو منصور فقد استعد للمناسبة فأخذ اجازة من وحدته العسكرية المرموقة في ذلك العهد واشترى بمعاش شهرين او أكثر (ستيريو ب بابين) له بافلين يصل صوتهما إلى آخر بيت من ضيعتنا، كما حضّر مجموعة من الكاسيتات لأبو سلمو وعادل حضور وفؤاد فقرو وغيرهم..
من فوق سطح منزله بدأت إذاعة أبو منصور بثها التجريبي وبدأت شكاوى الجوار صوت مرتفع لأغاني وعتابات ومواويل تذهب كل ما هو محفوظ في الدماغ... فمن ذا الذي يستطيع التركيز لحل مسألة رياضيات أو لحفظ قصيدة حين يسمع أبو سلمو وهو يصدح (الله يهدّك جبلهم أسود وليلك ضاوي).
حاول الجوار إقناع أبو منصور بتخفيض الصوت لكنهم فشلوا جميعا مما دفع جارتنا الجميلة للجوء إلي وطلبت مني التدخل لدى مدير الإذاعة لتخفيض الصوت او تغيير القناة على الأقل فهو يحترمني ويسمع كلامي ...وأنا بالطبع لا استطيع رد الطلب.
كان مساءً جميلا لولا همّ الامتحان حملت باكيت الحمراء الطويلة وتعطرت قليلا وقصدت سطح بيت أبي منصور...
بعد التحية والسلام بادرني برجاء عدم التدخل بموضوع الصوت العالي فأجبته على الفور انا جئت إليك لكي أستمع عن قرب واستمتع بالصوت القوي.. ثم بدأت بأول كأس وسيجارة وباشرت الدندنة مع الأغاني التي لم أكن استسيغها في ذلك الوقت، رويدا رويدا بدأت اشرح لصديقي اللطيف جمال كلمات الشاعر كما أخبرته أن هناك كلمات وموسيقى أرقى من هذه يسمعها عادة العشاق وأصحاب الذوق و الرقي وعندما بدأ بالاهتمام اعتذرت منه لبضع دقائق ذهبت فيها إلى البيت فاحضرت كاسيتات لام كلثوم وفيروز وفايزة أحمد ووردة وعدت مسرعا.
طلبت منه الاذن وهيأت شريط اغنية هذه ليلتي لأم كلثوم وبدأت أشرح له معاني الكلمات وجمال الموسيقى... هذه ليلتي وحلم حياتي بين ماض من الزمان وآتي... حتى وصلنا إلى مقطع سوف تلهو بنا الحياة وتسخر.. فتعالى... صرخ أبو منصور من الانفعال ثم اقترب مني وعانقني والدموع تفر من عينيه وكأنه جاهز للانحراف الإيجابي لكنه بحاجة لمن يوجهه.
ودعت أبا منصور وعدت إلى مقصورتي وأنا أستمع إلى الأغاني التي أحبها ولا استطيع الدراسة بدونها وهي آتية من بعيد ممزوجة بصوت الصدى الجميل الذي يسببه ترنح الجبل الذي تغفو على سفحه قريتنا الجميلة...
في الإجازة اللاحقة لأبي منصور مرّ بي قبل ذهابه إلى بيته وطلب مني أن أنصت جيدا هذا المساء لاذاعته الرومانسية حيث كان يدشن شريط
أغار من نسمة الجنوب على محياك يا حبيبي..
....
بعد صدور النتائج ونجاحي المتواضع ورسوب معظم أقراني في حينا الريفي البسيط ذهبت إلى أبي منصور حزينا محبطا مثقلا بالهموم
ورجوته أن يعود إلى عالمه ويسمعني عتابا

لأبو الزلوف
لأبو سلمو...
لأبو البكالوريا

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

August 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
29 30 31 1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31 1
عدد الزيارات
3690802