في حراك الوقت الضائع تشهد مدينة جنيف السويسرية سلسلة لقاءات واجتماعات ستفُضي غالباً للانتهاء من تشكيل قوائم أعضاء لجنة مناقشة الدستور الحالي كلها، والتي يبدو أنه يُعوّل عليها أن تكون نقطة ارتكازٍ جوهرية، تُبنى عليها خطوات مهمة، ضمن مسار الحل السياسي في سورية.
وفي هذا السياق، يُحاول المبعوث الأممي الخاص إلى سورية ستافان دي ميستورا التوصّل إلى توافق، وفقاً لقوله، للحيلولة دون بروزِ خلافات بين الأطراف مستقبلاً، تعرقل مساعيه في إطار تشكيل لجنة مناقشة الدستور، إلا أن مصادر مطلعة ذكرت أن الإشكالية التي تُعرقل تسمية ممثلي «المعارضات السورية» حتى الآن، هي في أن «المعارضة» بأطيافها كلها سيكون عليها تقديم خمسين اسماً يمثلونها، لكن أحزاب أو تجمعات «المعارضة»، ليست متوافقة بالكامل في الرؤى، بل هناك خلافات حادة بين بعضها.
وفي المقابل، تحدثت مصادر دبلوماسية متابعة للمباحثات التي جرت في جنيف مؤخراً عن وجود خلافات بشأن تشكيل قوائم أسماء اللجنة الدستورية، وأشارت إلى أن الجانب الروسي يصر على اعتماد مخرجات مؤتمر سوتشي، في حين يحاول الجانب التركي وضع اليد على حصة «المعارضة» في اللجنة الدستورية.
وفيما يبدو، إن هناك خلافات وتباينات بين الأطراف الإقليمية والدولية بشأن تشكيل قوائم اللجنة الدستورية، تحدث دي مستورا عن تفاهمات وصفها بالمثمرة بعد لقائه بممثلي الدول الضامنة في جنيف.
حول كل ذلك كان لجريدة «تشرين» حوار مع الدكتور إليان مسعد رئيس وفد معارضة الداخل «مسار حميميم»، ولدى سؤاله عن ماهية هذه التفاهمات «المثمرة» قال:
التفاهم الأول: يتمثل في التنسيق السوري- الروسي المبكر الذي أثمر تسليم ديمستورا أسماء الأعضاء الذين تدعمهم الحكومة السورية في لجنة مناقشة الدستور؛ إذ إن التسليم المبكر  لأسماء هؤلاء يؤشر بكل وضوح إلى استجابة الحكومة السورية إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري ـ السوري الذي عقد في سوتشي، وإلى سحب الذرائع التي قدمها ديمستورا خلال تقريره إلى مجلس الأمن، متناسياً أن المعوق الحقيقي لتطبيق نتائج مؤتمر سوتشي، فيما يخص تشكيل اللجنة، يتمثل في «المعارضة» التي يرعاها النظامان التركي والسعودي، إذ ظهرت هذه المعوقات جلية من خلال موقف رفض «هيئة الرياض» حضور مؤتمر سوتشي بعد أن قاومت فكرة انعقاده، وعملت ما بوسعها لعرقلة انعقاده، ومن موقف «الائتلاف» الذي أصر على تفجير مؤتمر سوتشي، من لحظة وصول رئيسه المتأخر إلى المطار، وتكسير زجاج قاعة المطار احتجاجاً على شعار المؤتمر المتفق عليه مسبقاً بين الدول الثلاث الضامنة، وحين أكدت هذه الدول أنها ستعقد المؤتمر، سواء حضر الوفدان أم لم يحضرا، اضطر الوفدان بعد أن فشلا في عرقلة انعقاد المؤتمر إلى أن يفوضا ممثل تركيا إلى المؤتمر، وأنا شخصياً لا أشك في أن هذه المسرحية، ليست مصادفة، إنما سيناريو تم تنسيقه بين الوفدين وممثلي الحكومة التركية.
التفاهم الثاني: يتمثل في إصرار الدول الضامنة على تنفيذ نتائج مؤتمر سوتشي، سواء في جنيف أو في غيرها، فيما إذا حاولت أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون الهيمنة على اللجان التي ستعمل على موضوع مناقشة الدستور في جنيف، بهدف إفشال نتائج مؤتمر سوتشي، وقد حاولت أمريكا والاتحاد الأوروبي جهدها لإظهار تناقضات فيما بين الدول الضامنة، بهدف تفكيكها، وقدمت كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي وحلفائهما من جماعة (قسد) عدة تنازلات للنظام التركي في عفرين ومنبج، من جهة، وضغطت أمريكا على إيران بخروج أمريكا من الاتفاق النووي، وحاولت التعويض عنه بادّعاءات نجاح مع كوريا الديمقراطية!.
التفاهم الثالث: يتمثل في التفاهمات التي نتجت عن محادثات «أستانا ٩» بين الدول الضامنة، بيد أن أمريكا لم تسهل -كما يبدو- لاتفاقها الضمني المفترض مع النظام التركي حول الجنوب السوري، ما دفع الوزير الروسي سيرغي لافروف إلى الاتصال مع وزير الخارجية الأمريكي للضغط عليه، للمرة الثانية، لكي ينسجم مع التفاهم الروسي – الأمريكي العام، والمقبل الذي يتم التمهيد له من خلال إعادة اللجنتين الروسية- الأمريكية إلى متابعة التنسيق بين الدولتين الكبيرتين.
وعن الخلافات والتباين في المواقف فيما بين الدول الضامنة بشأن تشكيل قوائم أسماء لجنة مناقشة الدستور أوضح الدكتور مسعد، أنه من حيث المبدأ يفترض أن يتم حصر تمثيل «المعارضات» التي حضرت إلى مؤتمر سوتشي وشاركت في فعالياته، ومنها معارضة الداخل التي يرأسها انتخاباً الدكتور إليان مسعد ذاته، والتي شاركت في «جنيف3» بحلقاته1 و 2 و3، وحتى الآن لا يزال الموفد الأممي يراسل الوفد ويطلعه ويتلقى آراءه، لكن إن تم تفهم التفويض الذي حصل عليه المندوب التركي من وفد «الائتلاف» في المطار، فلا يمكن تفهم الدوافع التي يصر عليها وفد «هيئة الرياض» لتمثيله في لجنة «المعارضات»، إلا في إطار سعيه مجدداً إلى تعطيل عمل اللجان المعنية بموضوع الدستور.. ثم إن وفد «هيئة الرياض» قد انتهى وخرج أصلاً من الأحداث سياسياً وعسكرياً بعد الهزائم التي لحقت بمن يدّعي تمثيلهم في الغوطة الشرقية وغيرها وقال مسعد:
أزمة «المعارضات» الخارجية المدعومة من الدول الإقليمية والغربية لا تزال قائمة وتتفاعل أكثر فأكثر، من خلال الصراع التركي- القطري – السعودي بصورة مكشوفة، إضافة إلى القوى التي اتبعت صورة تكتيكية غير مكشوفة، فمن وجهة نظري، جميع «المعارضات» المرتهنة للخارج، وبصرف النظر عن التباينات فيما بينها، تعمل تحت قيادة «المايسترو» الأمريكي الواحد لعرقلة عمل اللجنة الدستورية.. لا بأس فلتتفق فيما بينها ولتتقاسم الحصص كما يحلو لها، لكن المهم أن تتم مواجهة عرقلة اللجنة في جنيف.. أولا، والذهاب إلى استكمال تنفيذ مخرجات سوتشي بمسار آخر.. وهذا يساعد على توفير ظروف مناسبة أكثر لعمل اللجنة الدستورية نتيجة تخفيض ضغوط الإسلام السياسي.
وعلى خلفية دخول القوات التركية، بالاتفاق مع أمريكا، إلى مدينة منبج السورية، تزامناً مع انسحاب «قسد» إلى شرق الفرات، تحدث الدكتور مسعد عن مخطط النظام التركي في هذه المنطقة لكونها إحدى الدول الضامنة، قائلاً:
«كل التدخلات التركية – الأمريكية والأوروبية وكل التفاهمات فيما بين أطرافها تدخلات غير شرعية نرفضها رفضاً مطلقاً.. لكن رفضنا لها لا يلغي ضرورة الوقوف على أهدافها وعلى المصالح البينية لتلك الدول والقوى.. وفي هذا الإطار يمكن ملاحظة المؤشرين الآتيين:
1- هزيمة الإرهاب وداعميه هزيمة شاملة، ومن يرى غير ذلك، يمكنه التذرع بما يشاء من الظواهر الشكلية المؤقتية، من مثل القول: إن تجميع التشكيلات الإرهابية في إدلب وشمال حلب وشرقها، قد جعلها «قوة كبيرة» أو عقبة كأداء مؤثرة سلباً في الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه، وإن ما لم تستطع أن تحققه هذه التشكيلات عسكرياً من قبل يمكنها أن تحققه عسكرياً أو سياسياً .. الآن ..
2- تعهد روسيا العلني بالعمل مع الجيش العربي السوري وحلفائه على القضاء على «جبهة النصرة» وحلفائها قبل انتهاء 2018، تعهد لا رجعة فيه، وجميع أطراف هذه التفاهمات تعرف ذلك وتعيه وتدركه ويجب أن تساهم فيه أيضاً.. وإن لم تساهم فيه فستكون خسارتها أكبر بكل تأكيد.
بناء على المؤشرين السابقين يمكن استنتاج أهداف هذه التدخلات والتفاهمات على سورية وحلفائها فيما يأتي:
1- إنقاذ ما يمكن إنقاذه من «التشكيلات العسكرية» لتوظيفها كـ«كرت» ضاغط في مفاوضات مسار الحل السياسي، بعامة.
2- هناك مصلحة مشتركة تركية – أمريكية – «قسدية»، تتمثل في إطالة أمد الحرب، وفي إطالة فترة النفوذ من خلال السيطرة على الأرض، لترسيخ النفوذ، ونهب ما يمكن من الموارد، وإقامة قواعد عسكرية لفترة زمنية طويلة بحجج كثيرة مثل  «المراقبة، والإشراف على تطبيق الإدارة الذاتية، وإعادة الإعمار».. وغيرها.
وفي رده على سؤال: ما الذي تتمنى طرحه إذا اشتركت في اللجنة الدستورية؟
قال مسعد: أغلبية السوريين الوطنيين مسؤولون عن تلازم الديمقراطية والعلمانية، ليُخرجوا وطنَهم من الأزمة، وليضعوه على مسار التقدم الدائم والنمو. وعلى جميع القوى والشخصيات الوطنية الديمقراطية والعلمانية أن تركز جهودها النضالية السلمية على هذا المحور الرئيسي بالحوار مع الدولة السورية.
وأضاف: أتمنى أن تُعتمد المبادئ فوق الدستورية التي تقدمت بها معارضة الداخل لدي مستورا في جنيف لقطع الطريق على الإسلام السياسي بفرعيه الرياض واسطنبول، الذي شكل ويشكل واجهة الجماعات المسلحة، وهذه المبادئ لا تتعارض مع أفكار أغلبية السوريين وخصوصاً الجبهة الوطنية التقدمية وحزب البعث العربي الاشتراكي.
وقال مسعد: سلمت نص وثيقة المبادئ فوق الدستورية لدي مستورا بصفتي الرئيس المفاوض لمعارضة الداخل، في جنيف بحضور الوفد وموافقته التامة وهي:
1-  سورية جمهورية ديمقراطية علمانية نظامها(مختلط) رئاسي نيابي وذات سيادة كاملة، وهي امتداد للدولة السورية المستمرة من دون انقطاع منذ ثلاثة آلاف عام.
2-  سورية دولة متنوعة إثنياً ودينياً وطائفياً، والرجل والمرأة متساويان في الحقوق والواجبات  ولجميع المواطنين السوريين الحقوق والواجبات نفسها من دون أي تمييز.
3 – وهي وحدة سياسية جغرافية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن أي جزء من أراضيها.
4 – سورية جزء من بلاد الشام ومن منظومة عربية وإقليمية ودولية.
5 – السيادة للشعب ولايجوز لفرد أو لجماعة أو لحزب احتكارها أو ادعاؤها وتقوم على ممارسة الشعب لسيادته عبر أساليب الانتخاب الديمقراطية التي تتمثل بقانون انتخاب عادل وشفاف يعتمد النسبية في الانتخاب ويعتمد نظام الدائرة الانتخابية الواحدة مع اعتماد اللامركزية الإدارية وفصل السلطات.
6- اللغة الأساسية للدولة هي اللغة العربية ويراعى حق الأقليات بالتكلم وتعلم لغاتهم وثقافتهم الحضارية.
7- عاصمة الدولة دمشق.
8- سورية دولة تلتزم بشرعة حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، وحرية الضمير والمعتقد مكفولة ولا يجوز إصدار أي تشريع أو قانون ينتهك هذه الحقوق.
9- الجيش والقوات المسلحة حماة الوطن والحدود والسيادة والدستور ولا يتدخل في السياسة.
10- لا يمكن تعديل أي من هذه المبادئ فوق الدستورية.

ربى زين الدين

تشرين