احسان عبيد: عن التعفيش

أرجو أن لا يساور أحدا منكم أي شك بأنني مع ظاهرة التعفيش.. فهذه ظاهرة قبيحة ومدانة بجميع أطرافها: المعفش والناقل والتاجر والمشتري.. وقد طالت جميع المحافظات والمدن السورية بلا استثناء، لكنها أخذت صداها الأكبر بين درعا والسويداء، حيثأ أحسان عبيد تأتي سيارات من درعا، ويشتريها تجار ضعيفي الأنفس في السويداء، ومن أولئك التجار يشتري بعض الفقراء أغراضا يعجزون عن شراء مثلها من البضاعة الجديدة.. وهناك فقراء يتعففون عن الشراء.
.
هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخنا.. لقد كانت موجودة في الغزوات والحروب وحتى في غيرها، بل أخذت وضعا شرعيا في زمن ما.. في غزوات الجاهلية كانت تسمى أسلابا، وفي صدر الإسلام كانت تسمى غنائم ومن بينها سبايا وإماء وملك يمين من البشر، وهناك غنائم من الإبل والخيل والمواشي..
.
في الغزو العراقي للكويت صار التعفيش تخصصات بحسب نفوذ المسؤول: عدي بن صدام تخصص في سيارات الـ بي أم دبليو، وقصي بالمرسيدس، وصهرهم بسيارات الشحن السكسويل، وآخر بالسجاد.. وهكذا..
.
التعفيش لا يكون بين أصدقاء، بل بين أعداء داخليين أم خارجيين.. وما بينهما تذهب ضحايا من البريئين الذين لاناقة لهم ولا جمل بكل مايجري.. فبعض البيوت تركها أصحابها لأنهم بيئة حاضنة رفضت المصالحة ثم ندمت بعد خراب البصرة، وبعض البيوت تركها أصحابها خوفا على أرواحهم من الرمايات الطائشة فخسروا عفشهم.
.
في البداية كان المعفشون في المحافظات من أهل الحي نفسه، يستغلون غياب جيرانهم ويسرقون مقتنياتهم، وبعد ذلك صار التعفيش (مقاولات وتعهدات منظمة) وانتشر على نطاق واسع وأصبح لها أسواق معروفة في كافة المدن.
.
قبل سنوات انقطع التيار الكهربائي في نيويورك لمدة نصف ساعة فقط، فانتشر التعفيش والسرقات التي قدرت الحكومة قيمتها آنذاك بـ 165 مليون دولار.. فلماذا نستغرب.. إنها النفس الإنسانية التي تمارس سلوكا على ما تربت عليه.
.
في السويداء أصدر المشايخ الأجلاء بيانا يحرّمون فيه شراء العفش المنهوب على التاجر وعلى المشتري.. الكثيرون امتثلوا، والقلائل ضربوا به عرض الحائط واشتروا بحجة العوز والفاقة وضيق ذات اليد.
.
البعض يعتبر أن الجيش مسؤول عن هذه الظاهرة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن الجيش لا يستطيع أن يضع حارسا على كل بيت تركه أصحابه.. فالمثل يقول: الرزق السائب يعلم الناس الحيرمة.
.
ثم تعالوا ننظر للموضوع من زاوية أخرى: كم رجلا بريئا خطفه المسلحون وقتلوه ومنهم من كان يتوسط لحل المشاكل، وكم رجلا أو شابا بريئا دفع أهله الملايين فدية للخاطفين، وكم سيارة صودرت بل سرقت وقتلوا سائقها.. إن فدية رجل واحد أنقذه عقلاء درعا من القتل تعادل 20 كميون تعفيش.. ولم نسمع ضجة كتلك التي نسمعها الآن.
.
الأمر لم ينته هنا: كم ثمن المحاصيل والكروم التي تم حرقها في السويداء على أيدي المسلحين، وكم هو مردود الأراضي التي حرموا من استغلالها على مدى سبع سنوات؟.. أعرف واحدا عنده بستان زيتون مساحته 200 دونم، أصبح حطبا لأنه لم يستطع أن يفلحه ويقلمه ويرويه.. فخسره وخسر مروده السنوي الذي يفوق 200 تنكة زيت كل سنة.. هذا خسر 200 تنكة زيت سنويا، وذاك خسر مروحة وبراد وسجادة.. فمن هو خسارته أفدح؟
.
هذه الحرب العبثية لم يربح بها أحد، ولكنني أردت وصفها ووضع النقاط على الحروف في محاولة لفهم ما جرى ويجري.
.
صدقوني والله أنني أسمع خلال إجازتي في المضافات الإدانة البالغة لهذه الظاهرة، في حين يسترسل آخرون في الحديث عن شمائل وأخلاق أهل درعا الطيبين ويذكرونهم بالخير الأحياء منهم والأموات الذين صاروا إلى جوار ربهم.. اللهم لا أسألك رد القضاء بل أسألك اللطف فيه.

December 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
25 26 27 28 29 30 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31 1 2 3 4 5

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
4887171

Please publish modules in offcanvas position.