الصفحة الرئيسية

عدنان بدر حلو: مسار التسوية في سورية.. من الجنوب إلى الشمال

في الوقت الذي تتسارع فيه خطى التسوية (سياسيا وعسكريا) في الجبهة الجنوبية (بغض النظر عن بعض العثرات التي يمكن أن تطرأ على حركتها دون توقع أن تغير اتجاهها) بدأت الأنظار تتجه نحو الشمال السوري بشقيه الشرقي والغربي. حيث تتداخل العوامل والمشتركات الداخلية والإقليمية والدولية. أ عدنان بدر حلو
وما من شك في أن موضوع الشمال سيكون "فصل الختام" في هذه الأحداث الدموية التي لم تكن (إلى أمد قريب) تلوح في أفقها أي بارقة نهاية!
الشمال الشرقي:
العقدة الأساس التي ترتبط بها كل العقد الأخرى في ذلك الشمال هي العقدة الكردية. فما من شك في أن "قوات سورية الديمقراطية" تشكل الطرف الأهم في تلك المنطقة، وهي القوة المكونة من قوات كردية ضاربة أثبتت حضورا ميدانيا فاعلا في مواجهتها لداعش وفي سيطرتها على مساحات واسعة من الأرض السورية تكاد تشمل الجزيرة كلها بكل ما فيها من مكونات اجتماعية متنوعة وثروات زراعية ومائية ونفطية وغازية يمكن القول إنها الجزء الأهم من ثروة سورية كلها. وربما تكون المنطقة السورية الوحيدة (من بين المناطق التي سيطرت عليها تنظيمات مسلحة) التي أقيمت فيها "إدارة ذاتية" ببنية حكومية وإدارية منظمة إلى حد بعيد.
وهي فوق ذلك كله تتمتع بدعم قوي ومباشر من الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة بكل ما له من تأثير وفاعلية على مواقف الأطراف الأخرى الوطنية والإقليمية والدولية المتعلقة بشأن الشمال الشرقي السوري!
هذه المعطيات قد تشجع بعض القوميين المتطرفين من الأخوة الكرد (وهم أقلية لكنها مؤثرة) على "الطموح" إلى الانفصال عن سورية وتشكيل كيان كردي مستقل ربما يعتقدون أنه يمكن أن يحظى بحماية أمريكية طويلة المدى كما يمكن أن يستند إلى دعم إسرائيلي غير محدود!
غير أن مثل هذا الطموح يتجاهل مجموعة عوامل معاكسة:
1- إن الرهان الكردي على الدعم الخارجي قد سبق أن أدى بالحركة التحررية الكردية في المنطقة إلى كوارث لا يمكن تجاهلها. ولسنا في حاجة للتذكير بمحطات هذه الكوارث في تجارب الأخوة الكرد في العراق، وآخرها تجربة "الاستفتاء" الذي أجراه السيد مسعود البارزاني العام الماضي وأدى إلى فشل ذريع أصاب المشروع الكردي في العراق بتداعيات مصيرية.. رغم كل ضعف الحكم المركزي في بغداد. وما من شك في أن تجربة التنظيمات السورية المسلحة في الجنوب مع الدعم الأمريكي تشكل درسا طازجا في هذا المجال لا يمكن تجاهله!
2- إن مقومات الكيان الكردي في سورية هي أضعف بما لا يقاس منها في العراق.. فالإقليم الكردي العراقي (المستند إلى منطقة كردية بكاملها تقريبا) كان يشكل "دولة" مستقلة بكل معنى الكلمة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ويتعامل مع بغداد كما يتعامل مع الجوار الإقليمي ومع المجتمع الدولي على أساس الاعتراف الواقعي بهذا الاستقلال.
3- إن منطقة الجزيرة السورية التي لا يشكل الكرد إلا نسبة تقل عن الثلاثين بالمائة من سكانها، هي منطقة محاصرة من جميع الجهات، وعليه سيكون من الصعب (إن لم نقل من المستحيل) أن تتوفر لها أسباب الحياة الطبيعية في غياب علاقات ودية مع جوارها: الوطني السوري أولا أو التركي أو العراقي ثانيا. فكيف في غياب ذلك كله!
4- إن المدن الحدودية في هذه المنطقة، والتي يشكل الكرد نسبة كبيرة من سكانها، مهددة حتى في أوضاعها الحالية ورغم الوجود الأمريكي باجتياح تركي مشابه لما جرى في عفرين.. وهو أمر لا يخفيه المسؤولون الأتراك بل يتحدثون عنه يوميا.. فكيف في حال الانفصال وإعلان الكيان الكردي المستقل؟!
بناء على كل ما تقدم نرى أن الخيار الوحيد المتاح أمام قوات سورية الديمقراطية (أو وحدات الحماية الكردية التي تشكل نواتها) هو الدخول في مفاوضات جدية مع الدولة من أجل التوصل إلى صيغة وطنية لعلاقات مع دمشق تقوم على قاعدة الوحدة الوطنية السورية. وقد كتبنا منذ سنوات أن القاعدة التي تحكم مثل هذه العلاقة (سواء في العراق أم في سورية) هي أن الكرد يتمتعون بمقدار من الحرية في مناطقهم يتناسب طردا مع إيجابية العلاقة مع العاصمة وحضورهم فيها ومشاركتهم في دولتها.
الشمال الغربي:
إذا تصورنا أنه يمكن التوصل إلى صيغة وطنية مع الكرد في الشمال الشرقي تقصي بشكل جلي خيار الانفصال، فإن ذلك يشكل أساسا فائق الأهمية لموضوع التعامل مع الوجودين التركي والمعارض السوري في الشمال الغربي. فسواء كانت المخاوف التركية من قيام كيان كردي في سورية (تدخلوا عسكريا لمنعه من التمدد غربا!) يشكل تهديدا مباشرا للوحدة التركية، حقيقية أم مجرد ذريعة للتدخل المباشر في الأراضي السورية، يبقى إسقاط هذه الحجة- الذريعة عاملا هاما في تشكيل ضغط سوري وإقليمي ودولي على أنقرة من أجل دفعها للانسحاب من الأراضي السورية، حتى ولو جرى ربط ذلك بأن تشمل المفاوضات مصير التنظيمات المعارضة السورية (المدنية منها والمسلحة) التي تجمعت في تلك الأراضي من كافة الأنحاء السورية ومناطق التسويات فيها.
وهنا لا يمكن تجاهل الدور الهام في هذه العملية الشمالية (شرقا ثم غربا) الذي يقع على عاتق الطرف الروسي المؤثر جدا (ضغطا أو توسطا) في تفعيل كل هذه المعطيات. ومن أجل إلقاء الضوء على هذا الدور نورد ما قاله الرئيس بوتين نفسه حول هذا الموضوع.. إذ قال حرفيا في حوارات مع المخرج الأمريكي أوليفر ستون نشرها الأخير في فيلم وثائقي وفي كتاب يحملان عنوان "حوارات مع بوتين" ما يلي:
"ستون – هل لك أن توضح لنا سبب إرسالك قوات إلى سورية؟ ما هو هدفك من ذلك؟ هل تستطيع أن تحدثنا بعض الشيء عن دوافعك آنذاك، وأين أنت الآن؟
بوتين – هذا أمر يمكن شرحه بسهولة. نحن نرى ماذا حصل في بعض بلدان المنطقة. وأنا أشير هنا تحديدا إلى العراق وليبيا. أما ما يتعلق بالرئيس السيسي فمختلف. فهذا ليس الشيء نفسه الذي حصل في مصر. هناك دول أخرى فيها مصاعب، لكن ما حصل في ليبيا والعراق هو مآس مرتبطة بأن الأنظمة فيها قد أطيحت بالقوة، والأسوأ أن هذه الأنظمة قد دمرت وجرت تصفية قياداتها.
نحن لن نسمح بحصول الشيء نفسه في سورية، وإلا فإن المنطقة كلها ستغرق في الفوضى، أكثر من ذلك إذا ما تكرر الأمر الليبي في سورية فإن وضع التنظيمات المتطرفة (الراديكالية) والتنظيمات الإرهابية سيتعزز بقوة. وهي الآن قوية لأنها تسيطر على جزء كبير من النفط المستخرج من المنطقة.
ستون – من تقصد بهؤلاء؟ الإرهابيون؟
بوتين – نعم. الإرهابيون. إنهم يبيعون الآثار والتحف والقطع الفنية ويتلقون المساعدات من الخارج. لقد أصبحوا أقوياء جدا. ويجب علينا بشكل مطلق أن نمنعهم من أن يصبحوا أكثر قوة. لأنهم يسعون لإقامة خلافة تمتد من جنوب أوروبا إلى آسيا الوسطى.
ستون – فعلا. هذه هي مشكلتك الخطيرة؟
بوتين – نعم. هذه هي مشكلتنا الخطيرة. لكن لنا أيضا أهداف عملية. ثمة آلاف من المقاتلين من أصول روسية أو من دول سوفييتية سابقة يقاتلون هناك، ومن الممكن أن يعودوا إلى روسيا. يجب أن نحول دون ذلك. وهذا ما دفعنا لاتخاذ عدد من الإجراءات التي تعرفها.
في الوقت نفسه نحن مدركون تماما أن القيادة السورية الحالية قد ارتكبت عددا من الأخطاء في كيفية بناء علاقاتها داخل بلدها. ولهذا السبب عملنا، قبل اتخاذ قرارنا، على الحوار مع الرئيس الأسد. وقال لنا إنه ليس فقط مدركا تماما للمشاكل العديدة التي تواجهها بلاده، بل يرغب أيضا بإجراء حوار مع قوى المعارضة- بما فيها المسلحة. ولديه رغبة في العمل معها من أجل التوصل إلى دستور جديد، وعلى استعداد لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في ظل إشراف دقيق من قبل المجتمع الدولي.
ستون – فعلا؟
بوتين – يجب أولا أن يتم التفاهم على الدستور الجديد والقبول به. هدف صعب وعملية معقدة، لكنها يجب أن تتم، ثم يتم بعد بعض الوقت تنظيم الانتخابات المبكرة. تقديري أن هذا هو الحل الأفضل والطريقة الديمقراطية لحل النزاع حول كيفية بناء سلطة شرعية.
ستون- هل نستطيع العودة، ولو بسرعة، لمناقشة الأخطاء التي ارتكبها الأسد؟
بوتين – لا أعتقد أن لي أن أتحدث عن أخطاء ارتكبت من قبل رؤساء دول أخرى هم نظراء لي وزملاء. مع ذلك وبرغم الأخطاء التي ارتكبت، لم تكن الحال في سورية لتصل إلى ما وصلت إليه لو لم يكن هناك تدخلات خارجية. لقد سمعنا أقوالا بأن الرئيس الأسد في نزاع مع شعبه، لكن هذا ليس صحيحا أبدا. نحن نعرف ما تقوله داعش- ثمة الكثير من المرتزقة هناك. وهم ليسوا مواطنين سوريين.
أكثر من ذلك من الضروري التفكير بالكيفية الملائمة لبناء قيادة في سورية تضمن مشاركة كل الجماعات الأثنية والدينية في الدولة- المستوى الأعلى في الدولة. وبجب أن تشعر هذه الجماعات باستقلالها وأنها حرة من أي ضغط خارجي كما تشعر بأنها في وضع آمن". (النسخة الفرنسية ص 203 و204).
على ضوء هذه القراءة نستطيع أن نرى دورا روسيا منشطا وفاعلا سواء في الحوار مع الكرد السوريين في شمال سورية الشرقي، أو في التفاوض مع تركيا حول انسحابها من الشمال الغربي والوصول إلى تسوية نهائية مع قوى المعارضة التي ما تزال هناك تحت المظلة التركية. وهو في الوقت نفسه يتضمن حوارا جديا مع دمشق نفسها حول الصيغة السياسية للتسوية الداخلية المنشودة.
ولعله من المفيد جدا أن نشير في الختام إلى أن ما يزيد من أهمية "خريطة الطريق" هذه هو أنها قد تكون بندا رئيسا على جدول أعمال القمة الروسية-الأمريكية المتوقع انعقادها بعد أيام في هلسنكي. دون أن ننسى الحضور الموازي في هذه القمة لحوار متعلق بمتوازي الأضلاع الأمريكي- الإسرائيلي- الروسي -الإيراني. وهو حوار مؤثر ومتأثر بما يمكن أن يتحقق في الحوار الأول.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟

قائمة البريد

September 2018
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6
عدد الزيارات
4040343