مخاض أستانا 12 سيُفضي توافقات سياسية و عسكرية

أ أمجد الآغا أمجد إسماعيل الآغا

تجاذبات سياسية جمّة تطرح الكثير من السيناريوهات المتعلقة بـ مآلات الحلول المرتقبة للوضع النهائي في سوريا، حيث أن المخاض السياسي يجري بترتيب أمريكي واضح، بُغية العبثِ بما تم تحقيقه سورياً، و العمل على إعادة خلط الأوراق و إرباك حسابات كل الأطراف الفاعلة في الشأن السوري، فـ الهدف الأمريكي الغير مُعلن أعاد قدراً من إحياء الآمال التي انطوت عليها اهداف أدواته، لا سيما بأن القرار الأمريكي المتعلق بـ الانسحاب من سوريا كان يحتوي على ألغام سياسية، و بهذه الخطوة تمكنت واشنطن من الإمساك بورقة ضغط قد يكون لها تأثيراً مباشراً على الحل السياسي في سوريا، و هذا ضمن المنطق السياسي يُعد شرطاً أمريكياً للحصول على مكتسبات تحديداً تلك المتعلقة بالأداة الكردية و طمأنة الكيان الاسرائيلي، بيد أن الدولة السورية و حلفاؤها أسسوا لخطوات سياسية بالتوازي مع الأهداف الأمريكية، ليكون اجتماع أستانا 12 في جزئياته يحمل بُعداً استراتيجياً بعيد المدى، على الرغم من تعثر الخطوات السياسية التي كانت قيد النقاش، و رغم انتهاء الاجتماع في العاصمة الكازاخية إلا أن الغايات السياسية التي أسس لها استانا بنسخه المتعددة، وضعت تركيا في زاوية القبول بالأمر الواقع  الذي تم فرضه بناء على نتائج الميدان السوري، و بصرف النظر عن المناورات التركية المتكررة المتعلقة بالمماطلة في تنفيذ بنود أتفاق سوتشي لجهة المنطقة المنزوعة السلاح، و القضاء على الفصائل الإرهابية بتعاون تركي مباشر، إلا أن أفق الحلول السياسية المرتقبة و بتخطيط سوري روسي إيراني، بات قريباً من التحقيق رغم انخفاض سقف التوقعات التي أعقبت اجتماع أستانا 12.

تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي تزامن مع انعقاد استانا 12، لها توقيت سياسي غاية في الأهمية، فـ الامتعاض الروسي من سياسة الأتراك في الملف السوري قد تقلب الطاولة على أردوغان الباحث عن مكتسبات سياسية في الداخل التركي، خاصة بعد فشلة في تحقيق نصر سياسي عقب الانتخابات البلدية التركية، بوتين الذي قال:" إنه لا يستبعد شنّ عملية عسكرية شاملة في محافظة إدلب شمالي سوريا"، إلا أنه أشار إلى أن هذه العملية "ليست ملائمة الآن"، و لكنه أضاف إن " على قوات بلاده التي تدعم الجيش السوري الاستمرار في المعركة ضد الإرهاب في إدلب، مؤكداً " على ضرورة التفكير في المدنيين قبل اتخاذ قرار بشنّ هجوم شامل في إدلب"، و بالتالي فإن تصريح الرئيس الروسي قد يدفع أردوغان إلى الإسراع بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في سوتشي، فـ الواضح أن صبر سوريا و روسيا على الفصائل الإرهابية في إدلب وصل إلى مستويات لم يعد يُجدي التغاضي عنها، و بالتالي فإن تركيا وُضعت أمام خيار سياسي واضح و لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه، و لا بد من العمل على تنفيذ مقررات سوتشي دون مواربة.

إن المشهد السوري بات واضحا في تجلياته، خاصة أن الاجتماعات التي تُعقد بُغية التوصل لحل سياسي، لم تُعد ترتكز على قاعدة ما يُنجز في الميدان يُترجم في السياسة، فالدول التي كانت سببا في الحرب على سوريا لا سيما واشنطن و اسرائيل و بعض الدول الخليجية، لم تعد قادرة على إخفاء طموحاتها السياسية في سوريا، من هنا نجد أن مسارات أستانا قد وصلت إلى مرحلة الاستعصاء، و باتت كل الأوراق مكشوفة لكافة الأطراف، فـ روسيا أكدت دعمها للتوجهات السورية بضرورة عودة إدلب و شرق الفرات إلى السيادة السورية، و كذلك إيران تُصر على الاستمرار بالتعاون مع الدولة السورية و جيشها للقضاء على الإرهاب الأمريكي في سوريا، أما تركيا لم تعد متوافقة مع الخطط الأمريكية و الأجندة الخليجية ضدها، و بالتالي باتت تركيا أقرب إلى روسيا و إيران و التوافق مع دمشق، حيث أن صفقة صواريخ S-400، واتفاقات نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عن طريق تركيا بهدف إنعاش الاقتصاد التركي الآيل للانهيار، هي مغريات تُجبر تركيا على التخلي عن أهدافها في سوريا، و ضمن هذه المعطيات التي ستُفضي إلى خطوات متسارعة لجهة البدء بالحل السياسي من جهة، و من جهة أخرى استعادة إدلب و من ثم الانتقال إلى بحث سياسي متعلق بشرق الفرات، قد تكون مشهداً سيرسم التطورات القادمة في الشأن السوري.

لا شك بأن اجتماع أستانا الأخير عُقد وسط ضياع في الرؤى السياسية، لكن وحدة الأهداف التي تجمع أطراف أستانا، سيتم التعويل عليها لبناء خارطة طريق سياسية و وفق محددات دمشق، صحيح أن هناك بعض العراقيل و العقبات التي أثرت واشنطن على الدفع بها و التي حالت دون التوصل إلى ما كان يُرجى من نتائج، خاصة الملفات المتعلقة بـ تشكيل اللجنة الدستورية والمعتقلين والوضع في إدلب، إلا أن ذلك لا يُفسد الهدف الأساسي لاجتماع أستانا، لجهة الالتزام بوحدة الأراضي السورية، و رفض أي محاولات لخلق حقائق جديدة على الأرض بذريعة مكافحة الإرهاب، والتصدّي لمخطّطات انفصاليّة تهدف إلى تقويض سيادة الدولة السورية و وحدة أراضيها، و ضمن ما سبق، فإنه لم يعد لـ واشنطن أي قدرة على العبث السياسي المرتبط بالعبث العسكري، فالحقائق و المعطيات تؤكد أن التراجع الأمريكي المتعلق في سوريا سينعكس على مسارات التسوية السياسية، مع إبقاء حالة التوتر التي تسعى واشنطن لترجمتها بين الحين و الأخر عبر ما تبقى من فلول داعش، أو التلويح بورقة الكرد، و بين الخيارين يبدو أن وانشطن أدركت أن الوضع القائم في سوريا لن يكون بأي حال من الأحوال قابلاً للتغيير وفق أي سيناريو.

June 2019
Su Mo Tu We Th Fr Sa
26 27 28 29 30 31 1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 1 2 3 4 5 6

شارك برأيك

مارأيك بالهدنة؟
عدد الزيارات
6864463

Please publish modules in offcanvas position.