nge.gif

    ليندا ابراهيم: خبرٌ عاجل... مهداة إلى الأسطورة سهيل الحسن الملقَّب بـالنَّمر ورجال الجيش العربي السوري الأبطال

    أسدلَ فتيلةَ الحنين بما تبقَّى فيها من زيت، نفخ عليها بصبرٍ، ونظر إلى النافذة، حيثُ طلائعُ الصُّبح النَّاجز تبدُو معلنةً بدءَ دورة جديدة للحياة، ويوماً آخرَ من عمرِ جُرحٍ آخذٍ طريقَهُأ ليندا ابراهيم إلى سِنِّ الوعي، طفلاً تعمَّد بدمِ القلب النَّازف، تَهَدْهَدَ على أنينِ يُتمٍ مَذْبُوحٍ، ووَعَى على صُورةٍ مُعَلَّقةٍ على جِدارِ الوطنِ، تتأرجحُ مع كل نسمةٍ على حيطان الذَّاكرة، شهادةَ شرفٍ بمرتبة الفداء...
    نظر إلى ساعته، مقدراً الوقتَ، مُهَيِّئاً سلسلةَ تعليماتِهِ إلى الجنودِ، بينما أخذ يتناهى إلى سمعهِ صوتُهُم يغنُّون: "خطِّة قدمكن"، التي طالما كانت أغنيتهم الحادية للمعركة، أيَّةِ معركة قادمةٍ مع المجهول الأشدِّ قتامةً وسواداً في تاريخِ البشر.
    ودونما إرادةٍ منه، مرَّ أمامَ عينيه شريطُ استشفائِهِ الأخيرِ، فضغطَ على مكامنِ الألمِ في روحهِ بإرادةٍ من حديد، سرعان ما بدَّدَتْهُ، مُضَمِّداً مابقي من أثره مع ضمادة التبغِ بين أصابعه الفتيَّة...
    كان قد بلغ رتبةَ رائدٍ في الجيشِ، عندما اندلعتْ بوادرُ الحربِ الكُبرى على بلده سُورية، ومن يومِها لم يرَهُ أحد، ولم يعرِفْهُ أحد...
    بات كأحد الأبطال الخارقين الذين يجتاحُون أنحاء البلاد، ويسكُنون في كلِّ معركةٍ، وينتصرونَ في كلِّ موقعةٍ فهم لا يُهزَمُون...
    من يومِها باتَ لأهلِ قريته كالأسطُورة، رحلَ من الأمكنة ليستوطنَ ذاكراتِ كلِّ الأمكنة على مرِّ الأجيال...
    من هنا مرَّ، قاتلَ مع هؤلاء، التقيتُه مرَّةً في حمص "بابا عمرو"، وآخرُ يقسمُ بأنَّهُ خَدَمَ تحتَ إمرَتِهِ في معركةِ تحريرِ "تدمر" الثانية... آخرون كانوا ممن تشرَّفُوا بإنقاذِهِ لهم من سجنِ حلبَ المركزي... وأخرى تقسم بأن أخاها كان معه في كل مراحل الحرب، عارضةً صورةً تجمَعُهُ به في إحدى المعارك...
    أما هو، فلا يعرفُ له مكاناً ولا أرضاً ولا سماءً إلا استوطنها، محارباً مدافعاً مقاتلاً شرساً لم ينهزم في معركة، ولم يتراجع في موقعة، وقد عرفته كلُّ الأمكنة، في الأرض، وروحه عرَفَتْها السَّماواتُ، صار ملء الأرواح، والأناشيد، وضحكاتِ الأطفال، غدا رجاءَ الأيتام، وأمل وصبر المُسِنِّين الطَّاعنين في الحياةربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏...
    "أبو علي شاهين"* تعلَّم منه، و"تشي غيفارا" بشَّر به، و"جان دارك" تنبَّأتْ بقدومهِ، و"غاندي" تتلمذَ على يديه...
    باتَ رمزاً لمقاومة الظُّلم والظَّلام، وأسوةً لكلِّ الأحرار، وقدوةً لكلِّ من تصابُ عزيمتُهُ بالوهْنِ، صار مَضْرِبَ المثل للسِّنديان، بالصُّمود، وتوقَ كلِّ ثائرٍ من أجل العدالة والحرية، باتَ عَلَماً، مع كلِّ علَمٍ على كل بيت، وصورةً إلى جانب صورة كلِّ شهيدٍ، وحكايةً على كلِّ لسانٍ، وأهزوجةً لِكلِّ طفلٍ...
    ***
    انتبهَ إلى جهازِ التلفزيون أمامه، يذيع نشراتِ الأخبار، والتحليلاتِ السِّياسِيَّةَ المختلفة بكلِّ احتمالاتها للوضع، وتوقعاتها للنتائج، بكلِّ صُوَرِ القتل والخراب، وتصريحات الفجور والعهر والنفاق، واستغاثات المنكوبين والمهجَّرين من الضُّعَفَاءِ.
    قام وأغلقه، متوجهاً إلى ساحة القتال، تهيَّأَ مع كتيبه المقاتل، معطياً أوامره للتَّحرُّكِ إلى مكان البدء وإعلان شرارة الانطلاق، على مستوى البلاد...
    أقسَمَ كُلُّ من كانوا معه، وبقوا على قيد الحياة، أنَّهم رأوه يخترقُ الصُّفُوفَ الأماميَّة للعدوِّ، يُطلقُ القذائفَ، يُفرغُ رشَّاشَهُ على مواقعهم وأشباحهم، يسمعُ عويلَهُم وصراخهم منهزمين أو مقتولين، بينما وسائلُ الإعلام تذيعُ أنباءَها "العاجلَةَ" في "خبرٍ عاجلٍ" وحيد:
    " زلزالٌ مدمِّرٌ بقوَّةِ"1000" درجة على مقياسِ البطولة، يضربُ المنطقة بطولها وبعرضها.. الصَّهاينة ابتلعتهُم جُحُور الملاجئ، وما تبقَّى منهم لائذ "بحائط المبكى" في القدس العربية"...
    هنا دمشق
    ..................................................................................
    * سهيل الحسن، المعروف ب"النَّمر"، هو الضابط في الجيش العربي السوري، والذي كان قطب الرَّحى، والاسم الألمع والأبرز في الميدان السوري طوال سنوات الأزمة.
    **"أبو علي شاهين" بطل شعبي من سورية قاوم الاحتلال الفرنسي، ووقف ضد الظلم والاضطهاد، وبات أسطورة للأجيال وملهماً للأقلام والضمائر في ثلاثينات وأربعينات القرن المنصرم.

    June 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    26 27 28 29 30 31 1
    2 3 4 5 6 7 8
    9 10 11 12 13 14 15
    16 17 18 19 20 21 22
    23 24 25 26 27 28 29
    30 1 2 3 4 5 6

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    6706761

    Please publish modules in offcanvas position.