nge.gif
    12.png

    على ضفاف الذكريات مع حازم مبيضين بمناسبة غيابه

    أُبيّ حسنحازم مبيضين

    في مثل هذه الأيام من عام 2003, اتصل بي الشاعر الراحل ممدوح عدوان, و قال لي: "دعنا نلتقي صباح غد في نادي الصحفيين (دمشق), يوجد صديق أردني سأعرّفك عليه". ثاني يوم في الموعد المحدد, كنت في "نادي الصحفيين" حيث كان ممدوح عدوان و معه شخصان, قال لي, و هو يشير لي إلى رجل في آواسط الخمسينات من عمره, ربع القامة وسيم المحيا, فيما البياض يغزو شعره: "حازم مبيضين, صديقنا من الأردن, صحفي و كاتب", ثم أشار إلى الثاني, و كان وسيماً رشيقاً, قائلاً: "ثابت عبّاس, قريبي من الضيعة, ضابط سابق". و قدّمني ممدوح لضيفيه وفق ما كان يأمله مني.

    في تلك الجلسة قال ممدوح لحازم: "ثابت عباس كان ضابطاً برتبة مقدم خلال حصار بيروت (مطلع ثمانينات القرن الماضي), ذكره رشاد أبو شاور في روايته عن بيروت, و كتب في الهامش إن ثابت ضابط سوري من قرية دير ماما, قرية ممدوح عدوان".

    بعد ذلك اللقاء بعام و شهرين غاب ممدوح عن دنيانا, فيما تواصلت علاقتي بحازم الذي كان يشغل مدير تحرير "الرأي" الأردنية, و توطّدت, إذ كنا نلتقي, كلّما زار دمشق, في نادي الصحفيين و سواه من مطاعم و مقاه, و زارني مرّة في غرفتي في "القابون" وكان معنا الصديق و الزميل خالد سميسم, كما كنا نلتقي في عمان إبّان زياراتي القليلة لها.

    قليلة هي المرّات التي اجتمعت فيها بحازم دون أن يكون ممدوح عدوان حاضراً في وجداني و وجدانه, و في إحدى المرّات, روى لي مواقف و ذكريات مؤثّرة بينه و بين ممدوح (ذكر حازم بعضها, لاحقاً, في مقال له عن عدوان في ذكرى وفاته)..

    كان حازم, الذي عمل منذ منتصف ستينات القرن الماضي في الإعلام, يتعامل معي كأخ كبير, و هو بذلك يذكّرني بصديقنا ممدوح, فمثلاً, وفّر لي فرصة عمل بصفة مراسل لصحيفة الرأي الأردنية طوال عام 2004, و أرسلوا لي من "الرأي" كتاب التكليف كي أقدّمه إلى وزارة الاعلام السوريّة, غير أنّي عملت مراسلاً لهم دون أن أقدّم الكتاب (مازال في أرشيفي) للوزارة! و بادر إلى تعريفي, عام 2007, للصحفي المخضرم الأستاذ نصر المجالي صاحب و رئيس تحرير موقع "آرام" حيث عملت فيه لبعض الوقت.. و استمرت العلاقة و الاحترام و المحبة بيني و بين الأستاذ المجالي بعد توقف العمل, لا بل قدّم لي (المجالي) معروفاً لا أنساه ما حييت, بعد انقطاعي عن العمل في موقعهأ ممدوح عدوان.

    في إحدى زياراته إلى دمشق, قصدنا سوية الأديب السوري عبد المعين الملوحي و كانت تربطني به علاقة جيدة, فأهدى الملوحي ترجمته لرائعة رسول حمزاتوف "داغستان بلدي" لحازم مبيضين, و قال له: "منذ فترة كنت في عمان, لي حفيدة تزوّجت هناك, فذهبنا إلى زفافها", ثم أردف: "عانيت من الانتظار على الحدود" و ختم الأستاذ الملوحي بلعن الاستعمار الذي صنع الحدود.

    انخرط حازم, عقب أيلول الأسود, و عودته من العمل الإعلامي في الإمارات العربية, في صفوف المقاومة الفلسطينية, و تحديداً حركة فتح حيث نشط في وسائل إعلامها, و كان مقرّباً من الرئيس الفلسطيني الحالي "محمود عباس" (يمكن الاطلاع على الرابط المرفق أسفل المقال).

    في إحدى المرات, و كنّا نتحدّث عن صلاح جديد, قال لي: "ابنته أمل متزوجة عندنا في الأردن.. زوجها ابن ضافي الجمعاني (قيادي بعثي أردني), لكن ضافي بعد خروجه من السجن في سوريا, صار مقرّباً من البعث العراقي!".. و في تلك الجلسة كانت أوّل مرة أسمع فيها بالرسالة التي خطّها الراحل صلاح جديد, من معتقله, لابنته وفاء على غلاف رواية "مذلون مهانون" لفيودور دوستو يفسكي, رواها لي حازم و كأنّه يحفظها عن ظهر قلب! بما فيها آخر كلمة "وفااااااااااء".. لاحقاً سمعت و قرأت الرسالة بعد أن نشرها الأستاذ مروان حبش أكثر من مرة.

    ذات مرة من صيف 2006, كنّا نتناول طعام العشاء في مطعم "أبو أحمد- الشرق" وسط عمان, و هو مطعم قديم كان يرتاده رؤساء وزراء أردنيون في أربعينات و خمسينات القرن الماضي, حيث صادفنا الأستاذ عبد الله حمدان رئيس تحرير مجلة "عمان" التي تصدرها أمانة العاصمة الأردنية, و كان ممدوح عدوان قد أتاح لي فرصة الكتابة فيها, لكن لم أستمر فيها مطوّلاً, جلس معنا الأستاذ عبد الله, بعد أن دعاه حازم للانضمام إلى طاولتنا, و كنت أوّل مرة أراه شخصيّاً, طلب له المُضيف قدحاً من العرق كما كنا نشرب, فارتشف القليل منه ثم غادرنا دون استئذان أو أي كلمة, فعندما سألت أبا قصي (حازم) عن السبب, أجابني: "سبق أن سألتني عنه, و قلتُ لك أنّه مزاجي". سمعتُ مؤخراً من الفنان لؤي مبيضين نجل حازم, أن الأستاذ عبد الله حمدان غادرنا إلى ديار الحق قبل سنوات.

    في تلك الزيارة إلى عمان صحبني حازم لعند الروائي "زياد قاسم" الذي أهداني ملحمته "الزوبعة".. كان قاسم (رحمه الله) محباً و لطيفاً و ودوداً, قال لي: "أنوي العام القادم شراء منزل في مدينة جبلة في لا يتوفر وصف للصورة.سوريا و الإقامة هناك", لكن القدر لم يمهل صاحب "الزوبعة" بعض الوقت لتحقيق ذلك الحلم.

    كما عرّفني الصديق مبيضين في جريدة "الرأي" و كان مديراً لتحريرها, على الروائية "سميحة خريس" التي أهدتني مشكورة عدداً من رواياتها, و أجريت معها لاحقاً حواراً لصالح إحدى الصحف اللبنانية.

    امتلك حازم قلماً سيّالاً و لغة مطواعة, فأتت كلمته مرنة و عبارته ممشوقة كالرمح, عدا عن وقوفه على أرضية ثقافية خصبة و واسعة, هذا ما يجده دون صعوبة قارئ مقالاته. إضافة إلى ما سبق كان غزير الكتابة الصحفية.

    في بداية الحرب على سوريا, و انتشار الفيسبوك و سطوته, بحث عني حازم عبر مواقع التواصل الاجتماعي, فسرعان ما أضافني و اطمأن عليّ كاطمئنان الأب على ابنه.. سألني عمّا ينقصنا في سوريا (بسبب الحصار) كي يرسله لطرفي من الأردن, فأجبته بالشكر و أن كل شيء متوفّر.. جرى حوار مطول بيننا عبر الموقع الأزرق, كان حازم حينذاك ما يزال يؤمن بوجود ثورة حريات في سوريا, و في نهاية حوارنا سألني ان كان يستطيع التصرّف بدردشتنا, فأجبته: "لك ما تريد".. فأرسل لي بعد يومين مقالاً له في جريدة "المدى" العراقية (و كان من كتّابها لسنوات عدة) بعنوان "حوار مع صديقي العلوي", فرددت عليه في الجريدة ذاتها بعد بضعة أيام. بعد ذلك السجال بيننا, غيّر حازم موقفه كليّاً مما يجري في سوريا, و هذا ما تعبّر عنه مقالاته التي نشرها فيما بعد في موقع"فينكس" و صحيفتي "الصباح" و "المدى" العراقيتين, لا بل و حتى في كتابه الرائع "سنّيّ في البلاط الشيعي" الذي نشره موقع فينكس في حلقات.

    كان حازم محباً للحياة و للبسطاء من الناس, انحاز للفقراء و المعذّبين من عباد الله, و هذا ما ترجمته يساريته كخيار, و علمانيته كوجهة نظر للحياة.

    بتاريخ 3 الشهر الجاري, أرسلت رسالة عبر البريد الخاص في الفيسبوك لحازم بخصوص موضوع محدد, و لم يرد! و ليس من عادته أن يطيل في الردّ, و بدوري و بسبب ضغط العمل و كثرة الانشغالات لم أتفقّد صفحته, لكني فوجئت منذ بضعة أيام برسالة الرسّام الصديق لؤي مبيضين يخبرني فيها بوفاة حازم, الذي غادرنا في الأول من تشرين الحالي!

    آلمني رحيل حازم, و ما واسني (بوصفه أخاً و صديقاً) أنّه رحل واقفاً دون أن يسمح للسنوات الاثنين و السبعين أن تهزمه و إن خانت تلك السنوات بعض جسده. كما أجد عزائي في استمرار العلاقة مع نجله لؤي, كاستمرار علاقتي بثمرتي ممدوح عدوان (زياد و مروان) بعد غياب ممدوح.

    حازم مبيضين: كيف أقول وداعاً, و أنت ما تزال تعيش في ثنايا العقل و القلب و الوجدان كممدوح عدوان تماماً؟.. إلى اللقاء يا حازم..

     

    محطّات في الذاكرة.. إعلام وسياسة.. حازم مبيضين

    http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/1390-%D9%85%D8%AD%D8%B7%D9%91%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D8%B2%D9%85-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D9%8A%D9%86.html

     
     
    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9027138

    Please publish modules in offcanvas position.