nge.gif
    12.png

    د. عبد الله حنا: حركة التحرير العربي 1952 – 1954.. حزب الحاكم الشيشكلي

    نتيجة بحث الصور عن الدكتور المؤرخ عبد الله حناالعقيد أديب الشيشكلي من مواليد حماة, وتنتمي عائلته إلى متوسطي ملاك الأرض وهي من العوائل التي وقفت في وجه إقطاعيي حماة من كبار ملاك الأرض كالبرازي والعظم والكيلاني لإزاحتهم والحلول محلهم سياسياً. وكان والد أديب حسن آغا يملك قرية الرصافة التابعة لقضاء مصياف
    كانت سياسة الانتداب ترمي إلى كسب أبناء الفئات الوسطى من عوائل المدن والريف عن طريق قبولهم في الكلية العسكرية. وفي هذا السياق انتسب أديب الشيشكلي إلى الكلية الحربية أواخر عهد الانتداب الفرنسي. وبعد تخرجه من الكلية خدم أديب في دير الزور واللاذقية, وبرز في مستهل عهد الاستقلال ضابطا وطنيا يتمتع بمؤهلات القيادة. وفي مقتبل شبابه شدته مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي كما شدّت ابن حارته وصديقه أكرم الحوراني فانتسب إليه.
    لم يكن الضابط أديب الشيشكلي بعيدا عن الانقلاب العسكري للزعيم حسني الزعيم في آذار 1949 الذي أطاح بحكم الحزب الوطني وزعيمه رئيس الجمهورية شكري القوتلي. وقد حدث هذا الانقلاب بمساعدة السياسة الأميركية الصاعدة آنذاك والساعية لمد أنبوب نفط التابلاين من السعودية إلى ميناء صيدا عبر الحدود السورية. وكان انقلاب الزعيم يعني في أحد وجوهه تقليص النفوذين الفرنسي والبريطاني والحلول محلهما. وجاء انقلاب الضابط سامي الحناوي بتوجيه حزب الشعب المتحالف مع الحكم الهاشمي في العراق ليطيح بحكم الدكتاتور العسكري الأرعن حسني الزعيم في صيف 1949 وإحلال حكم حزب الشعب المدني الديموقراطي. ولم يكن حزب الشعب كما ذكرنا مواليا للانكليز بل إن مصالح الطبقة التجارية والصناعية التي مثلها كانت تتطلع إلى علاقات اقتصادية قوية مع العراق تصب خيراتها في مدينة حلب. وهنا برز العقيد أديب الشيشكلي مناهضا للتقارب بين العراق الهاشمي ومشروع الهلال الخصيب, الذي كانت وراءه السياسة البريطانية الراغبة في تحجيم الدور الأميركي في سورية. ودخل العقيد أديب الشيشكلي رئيس الأركان على خط التناقض البريطاني الأميركي وقام بانقلاب أبيض أزاح حزب الشعب عن الحكم وحلّ برلمان 1949 وشرع يحكم البلاد حكما شبه دكتاتوري. ومن أجل إضفاء صفة الشرعية على حكمه العسكري أسس حزبا حاكما وأجرى استفتاء لإنتخابه رئيسا للجمهورية و أقام مجلسا نيابيا عن طريق الانتخاب مواليا له.
    وهكذا دشّن العقيد أديب الشيشكلي حركة التحرير العربي في 25 – 3 – 1952. وكان برنامج الحركة خليطا من أفكار القوميين السوريين والاشتراكيين العرب وحزب البعث ومقاطع من خطب الشيشكلي ومن دستور 1950
    ومع أن الشيشكلي تأثر في شبابه بأفكار الحزب السوري القومي الاجتماعي إلا أنه كصديقه و ابن مدينته أكرم الحوراني انحاز إلى العروبة والأجواء الشعبية المتعلقة بأفكار القومية العربية. وكان من حصيلة تلك الأجواء برنامج حركة التحرير كما هو واضح من فقرات برنامج الحركة:
    العرب أمة واحدة.. حدودها (مأخوذة من مبادئ عصبة العمل القومي).. الشعب السوري جزء من الأمة العربية.. تحرّم الدولة النعرات والعصبيات المذهبية والطائفية والطبقية والعشائرية والعائلية وكل ما يهدد الكيان القومي.. النظام الاقتصادي في الدولة يحترم الملكية الخاصة ضمن نطاق العدل الاجتماعي.. تقوم الدولة بتوزيع أراضي املاك الدولة غير المستثمرة على الفلاحين غير المالكين.. تشجع الدولة المشاريع الاقتصادية وتحميها وتساهم فيها عند الاقتضاء.. تحرير الشعوب العربية ونبذ الاستعمار بكل أشكاله.. المساهمة في إسعاد البشرية والمحافظة على السلام.
    ولكنّ الشيشكلي وحزبه "حركة التحرير العربي" لم يفلحا في كسب الشباب المتأثر بأفكار البعث أو الشيوعية أو الإخوان المسلمين إلى صفوفه، واقتصر منتسبوه على الموظفين والانتهازيين الراغبين في الاستفادة من الحكم ومغانمه. ولهذا فسرعان ما انهار تنظيم الحزب (حركة التحرير) مع انهيار الشيشكلي إثر موجة شعبية عارمة مؤيدة من مختلف الأحزاب توجت بتحرك عسكري في حلب دفع الشيشكلي لمغادرة البلاد دون إراقة دماء، على الرغم من أن قوى عسكرية وازنة في دمشق كانت موالية له.
    ***
    كاتب هذه الأسطر, الذي عاش "دكتاتورية" حكم الشيشكلي بدقائقه وشارك بحماس في المظاهرات الطلابية المنادية بسقوطه، ينظر منذ ثمانينيات القرن العشرين إلى حكم الشيشكلي أو دكتاتوريته نظرة مختلفة عمّا مضى للأسباب التالية:
    - النظر إلى عهد الشيشكلي من خلال النظرة الهادئة المحايدة والمعطيات التي توصل إليها كاتب هذه الأسطر.
    - مقارنة بما أقامه الحكام العرب من دكتاتوريات ونظم مستبدة يبدو عهد الشيشكلي واحة ديموقراطية في ذلك المحيط المظلم للحكام العرب.
    - كان الشيشكلي "صاحب قدح" مترافقة مع نخوة يبدو أن جذورها حموية.

    - خلال الجولات والدراسات الميدانية التي قام بها كاتب هذه الأسطر في الأرياف والمدن السورية تبين له احترام عهد الشيشكلي لأحكام القضاء وعدم التدخل في شؤونه.
    - لم تكن المباحث السلطانية قد دخلت بعد في خلايا المجتمع وأجهزة الدولة.
    - والمكتب الثاني الجهاز العسكري المخابراتي الذي اسسه وقاده الضابط عبد الحميد السراج كان لا يزال في طوره الجنيني. ولم تظهر الجوانب السلبية لجهاز المكتب الثاني إلا في عهد الوحدة بين سورية ومصر حيث رعى هذا الجهاز وطوّره عبد الحميد السراج دكتاتور سورية في عهد الوحدة. وقد أسهمت المخابرات المصرية ذات التاريخ العريق في في القمع والإضطهاد في تدريب ضباط المكتب الثاني وتأهيلهم لإرهاب الشعب وبالتالي "خصيه". ومع الزمن أخذ جهاز المباحث السلطانية يسيطر على جميع مناحي الحياة.
    - قطف حكم الشيشكلي ثمار عهود الاستقلال السابقة وانتعاش الحياة الاقتصادية وفي مقدمتها الصناعية فشهد عهده نمواً ملحوظا للاقتصاد.
    - وقف الشيشكلي في عدة حالات إلى جانب الفلاحين ضدّ كبار الملاك وشيوخ العشائر الإقطاعيين. ومن أمثلة ذلك قدوم سيارة مليئة بالرجال والنساء من عين عيسى إلى الشمال من الرقة للاحتجاج على عسف الإقطاعي النوري بن المهيد شيخ عشائر الفدعان. وقد استجاب الشيشكلي لمطالب فلاحي عين عيسى وأمر بإقامة مخفر عسكري في عين عيسى لحمايتها من النوري ومن حليفه الضابط صلاح الشيشكلي شقيق أديب وأحد المهربين الكبار قياسا إلى ذلك الزمن.
    - ولكن ذلك لا يعني غض الطرف عن ممارسات الشيشكلي في قمعه الوحشي لتحرك جبل العرب, الذي كان كمقدمة للموجة الشعبية العارمة التي أطاحت بالشيشكلي. كما أن سعي الشيشكلي فيما بعد للتعاون مع السفارة الأميركية في دمشق للإطاحة بالحكم الوطني آنذاك كان أيضا نقطة سوداء في تاريخه.

    November 2019
    Su Mo Tu We Th Fr Sa
    27 28 29 30 31 1 2
    3 4 5 6 7 8 9
    10 11 12 13 14 15 16
    17 18 19 20 21 22 23
    24 25 26 27 28 29 30

    شارك برأيك

    مارأيك بالهدنة؟
    عدد الزيارات
    9027113

    Please publish modules in offcanvas position.