nge.gif
    image.png

    العالم على فوهة بركان

    [ ولا يمكن تغييره، بتغيير الحكومات، ولا بالمظاهرات التي تقول كلمة حق يراد بها باطل ]أ عبد الحي زلوم
    [ المطلوب من الحراكات، بلا لف ولا دوران: هو راس المقاومة ]

    ● بقلم الباحث والمستشار الدولي / العربي / الأردني (د. عبد الحي زلوم) *
    ‏ ‏

    ما يحدث في منطقتنا اليوم هو حروب بالوكالة بين انظمة صممها الاستعمار ليكون الفساد عمودها الفقري، وهي اليوم في نهاية مدة صلاحيتها.. وبين حركات تحرير ومقاومة متحالفة مع قطب صاعد يصبو الى عالم متعدد الاقطاب.
    وحلفاء القطب الاوحد المأزوم، يخوضون حرباً وجودية. والمطلوب من الحراكات بلا لف ولا دوران هو رأس المقاومة.

     العالم على فوهة بركان:

    ‏يجمع المؤرخون أمثال (بول ‏كينيدي) و (اريك هوبسباوم) ‏أن الفوضى والإضطرابات تصاحب زمن هبوط او سقوط الإمبراطوريات التي تكون عادةً نتيجة ‏طموح الاهداف السياسية والاقتصادية للامبراطورية والتي ‏تفوق إمكانياتها مهما عظمت.

    كانت المائة سنة الأخيرة عصر السرعة والتغيرات السريعة. ‏عند بداية الحرب العالمية الأولى كانت وسائل القتال في بداياتها الخَيّالة. وكانت وسائل النقل البغال والحمير. وانتهت بالدبابات والطائرات والشاحنات. ‏
    بعد اختراع الكمبيوتر خلال الحرب العالمية الثانية، قال (ثوماس واطسون) رئيس مجلس ادارة شركة آي بي ام IBM عام 1942 عند اكتشاف الكمبيوتر: “أعتقد ان هناك سوقاً عالمية لخمسة كمبيوترات”. أما (كين اولسين) رئيس شركة ديجيتال اكويبمنت كورب Digital Equipment Corp فقد قال في عام 1977 “انه لا حاجة لأي شخص كي يمتلك جهاز كمبيوتر في منـزله”.

    ‏‏نتيجة لاختلاف وتيرة السرعة والتغيير، صمدت الدولة العثمانية 500 سنة، ولم يصمد الاتحاد السوفيتي سوى سبعين سنة، ولن تصمد امبراطورية الولايات المتحدة اكثر من نصف تلك المدة، حيث بدأت بالانهيار والهبوط منذ سنة 2008.
    كان انهيار الاتحاد السوفياتي نتيجة ‏ضعف قدراته الاقتصادية لتتماشى مع اهدافه السياسية والعسكرية.
    والأمر كذلك بالنسبة للامبراطورية الامريكية، بالرغم من عظمة امكانياتها المادية.

    اعلن جورج بوش الأب احادية الولايات المتحدة ‏تحت عنوان (النظام العالمي الجديد) وكانت بداية تشكيل هذا النظام الجديد هوطي حرب كونية من تحالف دولي لعشرات الدول ضد العراق في حرب الخليج الأولى، بعد أن غررت بها الولايات المتحدة بل وشجعتها على غزو الكويت.
    ‏وجاء جورج دبليو بوش الابن والذي أعلن احادية الولايات المتحدة جهاراً نهاراً، واعلن أن نظامها صالح لكل زمان ومكان وأن على الجميع السير في فلكه. فمن فعل ذلك فهو من الأخيار، ومن لم يفعل فهو من الاشرار، ونصيبه صواريخ الكروز بموافقة الامم المتحدة أو بدونها. ‏

    بعد سبع سنوات فقط ضربت الولايات المتحدة هزة أرضية اقتصادية سنة 2008، وكانت آثارها كارثية على العالم وعلى الولايات المتحدة نفسها. ‏‏اجتمع ثلاثة اقطاب المال في الولايات المتحدة وهم رئيس البنك المركزي ورئيس فرعه في نيويورك ووزير المالية وكلهم من اليهود، وكلهم جاؤوا من شارع المال وول ستريت قبل تولي مناصبهم.
    اجتمعوا في يوم سبت مع روؤساء لجان الكونغرس وطلبوا منهم تفويضاً ينص، على عدم امكانية الرجوع قضائياً لاي سبب كان، بالموافقة على تخصيص 700 مليار دولار بشكل عاجل جداً وانهم إن لم يفعلوا كذلك، كما قال أحد اعضاء اللجان الحاضرين، فإنه لن يكون يوم الاثنين القادم نظام مالي أو اقتصادي في الولايات المتحدة.

    أحد اسباب انهيار الاقتصاد الامريكي كان العواقب غير المحسوبة لاحتلال العراق، والذي قدره البنتاغون بحوالي 70 مليار دولار. بينما كانت تكاليفه نتيجة المقاومة العراقية ما يزيد عن عدة تريلونات من الدولارات، كما كتب اثنان من الامريكان الحاصلين على جائزة نوبل في الاقتصاد.
    ‏كتبتُ عن تلك الأزمة واثارها كتابا بعنوان “أزمة نظام - الرأسمالية و العولمه في مأزق” استنتجتُ بأن الولايات المتحدة لن تخرج من هذه الازمه كما كانت قبلها، وأنها قامت بمعالجتها بتريلونات من الدولارات الورقية بدون اي تغطية، وأن نظام الأحادية قد بدأ هبوطه التدريجي ليصبح من الماضي، وأن الأزمة لم تنته بعد، إلا بتغيرات اساسية في سياسة الولايات المتحدة السياسية والاقتصادية. ولقد أثبتت الأبحاث الى يومنا هذا صحة هذا الاستنتاج.

    فالولايات المتحدة اليوم فيها 50 مليون فقير، بينما يمتلك 400 ملياردير امريكي ما يزيد عن مجموع ما يمتلكه 150 مليون امريكي.
    المهمشون والناقمون على نتائج النظام الامريكي في الداخل هم من انتخبوا دونالد ترامب طمعاً بالتغيير، غير مدركين بأنه ابن المؤسسة وانهم قد بدلوا الجرب بالطاعون.
    بدأ ترامب بتطبيق شعاراته الانتخابية التي اوصلته الى الرئاسة، وأهمها إيقاف الحروب في الخارج وسحب الجنود الامريكيين الى الداخل. ‏
    ‏الولايات المتحدة بدأت بهدم أعمدة العولمة التي عمودها الفقري التجارة الحرة، ففرضت الرسوم والقيود الجمركية ضد الصين و أكثر دول أوروبا، وتفرض ‏ الاتاوات علـى دول النفط العربية.
    و آخر تغريدات ترامب أن الأمن والأمان في أفغانستان افضل منه في شيكاغو ثالث أكبر المدن الامريكية.
    سياسياً ‏تفرض الولايات المتحدة حصارا اقتصاديا وسياسيا على روسيا والصين، وتفرض العقوبات على إيران وفنزويلا.
    ‏بدأت دول أمريكا الجنوبية بالخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية الواحدة بعد الأخرى وآخرها البرازيل.
    ‏بالرغم من ما سبق، ما زالت الولايات المتحدة هي أقوى و أعتى دولة في التاريخ حتى يومنا هذا.

    يدير ‏البيت الأبيض سياسته في الشرق الاوسط بواسطة ومن أجل دولة الكيان الصهيوني، والتي هي ركيزته في المنطقة، مع تحالف سري مع دول دول سايكس بيكو، والذي يتحول الى تحالف علني.
    لكن هذا الوكيل الاصيل يعاني ازمة وجودية اليوم. وما الحراكات التي نراها يميناً ويساراً، إلا سعياً للمحافظة على ذلك الكيان.
    وهنا يجدر الاشارة أن وكلاء الولايات المتحدة الاخرين يعانون ازمة و جودية، وهم مع الكيان وبالحلف مع اسرائيل يخوضون اليوم حرباً وجودية يرون ان نتيجتها إما قاتل أو مقتول.

    الحراك في لبنان:

    ‏هل هناك احد يستطيع أن ينكر أن مطالب المتظاهرين محقةً تماماً وأنها نتيجة النظام الطائفي و المحاصصة والاقطاع السياسي الناتج عن ذلك؟
    وهل ينكر أحد أن الفساد الذي ينخر في عظام المواطنين ‏الذين ازدادوا فقرا وبؤساً وحرماناً يوماً بعد يوم وحرموا من أساسيات الحياة كالماء والكهرباء بل و حتى حرمانهم من جمع النفايات من امام بيوتهم وزيادة الضرائب يوما بعد يوم، بينما هرب ويهرب فئةً قليلة من الفاسدين حوالي 300 مليار دولار جمعوها عن طريق الفساد، بينما ازدادت مديونية البلد لتصبح حوالي 100 مليار دولار .
    فهل هناك أحق من المطالبة بإزالة هذه المظالم؟ لكن هناك سؤالان أولهما من الذي خلق نظام الطائفية والمحاصصة و اللذان يولدان الفساد كتحصيل حاصل؟ ‏
    والجواب انه الاستعمار الفرنسي وعملاؤه رؤساء الطوائف و الإقطاع السياسي منذ 100 سنة الى يومنا هذا.
    والسؤال الثاني: هل يتم تغيير هذا النظام عن طريق التظاهر في الشارع 100 ساعة أو 100 يوم.. وهل يتم عن طريق قطع الطرقات وزيادة الازمة الاقتصادية سوءاً؟
    والجواب لا. الاصلاح ممكن بطريقة مدروسة ومنظمة. ومما لا يجب أن يكون نقطة خلاف هو أن الإصلاح لن يتم عن طريق أحزاب الإقطاع السياسي وأحزاب الطوائف. لكن الأكيد أن محاسبة الفاسدين لن تتم في فراغ إداري وبدون مؤسسات حكم كالقضاء مثلاً ويمكن البدء بشعار واحد وهو محاسبة الفاسدين وارجاع اموالهم المنهوبة. وهذه العملية نفسها، ستسقط الاقطاع السياسي وتؤدي بالنتيجة الى نظام جديد.

    أنظمة منتهية الصلاحية تدافع عن وجودها:

    عندما يهتز الكيان الصهيوني، تهتزُ معه مراكز الهيمنة في واشنطن. وهذا الكيان مأزومٌ اليوم كما لم يكن في اي يوم من الايام وبتسارع وبوتيرة كبيرة. أهم ركيزتين في استراتيجيته العدوانية كانتا أولاً ان تكون الحروب قصيرةً، وذلك لأن جيش الكيان هو جيشٌ شعبي يعتمد على التعبئة العامة والتي تأخذ الطبيب والمهندس والعالم والعامل من مراكز اعمالهم. ولا يمكن لعجلة الاقتصاد أن تدور بدونهم لفترات طويلة.
    فهذه الركيزة قد اصبحت في خبر كان نتيجة استراتيجية المقاومة التي استطاعت أن تصمد بل وتهزم هجوم العدو لمدة 33 يوم في لبنان واكثر من 50 يوم في غزة، في الوقت الذي لم تصمد به الجيوش العربية مع العدو سوى ساعات معدودة.

    اما الركيزة الثانية فكانت أن على الحروب أن تكون دوماً في اراضي العدو. ومن الواضح تماماً أن حروب المقاومة قد غيرت هذا المفهوم بشكل دراماتيكي، بحيث اصبحت الحرب تدور داخل ارض الكيان نفسه وتطال كل مرافقة ومدنه ومعسكراته وبنيته التحيتة.
    وفي هذه الحالة غير المسبوقة، فسيهاجر نصف المستوطنيين في كامل فلسطين، حيث أن جميعهم ما زالوا يحتفظون بجنسياتهم من البلدان التي جاؤوا منها.

    قال نتنياهو يوم الأحد الموافق 27 اكتوبر 2019 في جلسة مجلس الوزراء المصغر: ”الشرق الأوسط يمر بهزة أرضية مرة أخرى، إذ يعصف لبنان ويعصف العراق، بينما تتقدم إيران قدما، وبسرعة في كل هذه المساحات”.

    الجنرال كوخافي يُحذِّر من اندلاع حربٍ شاملةٍ متعددة الجبهات ويقول ان "حزب الله" قادِرٌ على إدخال كلّ إسرائيل للملاجئ.

    ‏كان المفروض أن تعلن واشنطن تفاصيل تصفية القضية الفلسطينية في ما يسمى بصفقة القرن منتصف أكتوبر، وهل هي صدفة أن حراكات لبنان والعراق جاءتا في هذا التوقيت؟!
    تأخر إعلان تفاصيل تصفية القضية الفلسطينية، نتيجة عدم فوز نتنياهو بالانتخابات، ولكن التخطيط للحراك بقي كما كان مخططا له سابقا.

    ما يحصل في العراق هو نسخة طبق الاصل عن ما يحدث في لبنان. نظام المحاصصة والإقطاع السياسي والفاسدون جاؤوا جميعهم على ظهور دبابات الاحتلال، بما في ذلك الدستور الذي لا يمكن له إلا أن ينتج الفساد والفرقة.
    ما قلناه عن لبنان ينطبق تماماً على العراق. رئيس الوزراء الحالي يبدو أنه قد شق عصا الطاعة عن العمل بريموت كنترول من واشنطن، فهو يوماً في الصين يبرم الاتفاقات الاقتصادية، ويوماً يطلب منظومات S400 للدفاع الجوي من روسيا، ومرة يتهم اسرائيل بالهجوم على المنشآت العسكرية، ويعلن رفض العراق لورشة البحرين الاقتصادية لتصفية القضية الفلسطينية. وهكذا اصبح من الاشرار ووجب تغييره!

    عدد الزيارات
    9517781

    Please publish modules in offcanvas position.