nge.gif
    image.png

    إلى عُشّاق مقولة (سوريّة أوّلاً)

    د. بهجت سليمان9كتب الدكتور بهجت سليمان

    [ إلى عُشّاق! مقولة (سوريّة أوّلاً) ]

     يتساءلُ البعضُ حول ماهية الخسائر التي تلحق بسورية في حال انعزلت عن محيطها العربي و تخلت عن عروبتها..!؟
    و يمكننا حصر الإجابة على هذا التّساؤل بالفقرات التّالية:

    1▪︎ لقد كنّا في مناسبات عدّة، على هذه الصّفحة، قد تحدّثنا على عروبة سورية، و كانت الوثائق التّاريخيّة المحقّقة و البحوث ثّابتة المصادر قد ساعدتنا في معرفة أن سورية بشعبها عربيّة الأصل منذ الألف الثّاني أو الثّالث قبل الميلاد، وخاصّةً، عندما هاجرت الشّعوب العربيّة من جنوب و وسط الجزيرة العربيّة في أربع أو خمس موجات بشريّة لتستقر في حوض النّهرين و سواحل سورية الطّبيعيّة و جبالها السّاحليّة و واحات البادية السّورية في ما نسمّيه، عموماً، بلاد الشّام أو (سورية الكبرى).

    2▪︎ إذاً، ليس من باب الاختيار أن تكون سورية عربيّة، كما أنّه ليس من باب الانتقاء أو التّحلّي بالصّفات.
    و أمّا ما يمكن أن تختاره سورية، نظريّاً، إنّما هو تأكيد و تكريس عروبتها عن طريق التزامها بقضايا العروبة و ممارستها لدور المدافع عن هذه القضايا؛ أو تخلّيها عن هذا الدّور الرّياديّ الذي ميّزها و أعطاها حجمها العالميّ، و احترامها بين الحلفاء و الأصدقاء و الشّركاء التّاريخيين، و منحها موقفها الذي يدعمه الحقّ الطّبيعيّ و التّاريخيّ و السّياسيّ لمواجهة استعماراتٍ متعدّدة و بأشكال مختلفة و أهداف متباينة تجتمع كلّها على التهام سورية، و أهمّها الاستعمار الصّهيونيّ الذي يُريد أن يتمدّد في كيانه السّياسيّ (إسرائيل) ليشمل سورية و مصر و العراق و ما هو أبعد من ذلك بكثير.. من الهويّة التّاريخيّة العربيّة الضّاربة في جذور العالم الحديث و المعاصر، و الثّقافة الإسلاميّة المحمّديّة الخالدة.

    3▪︎ و عندما تنعزل سورية عن محيطها العربيّ، يعني عمليّاً أن تتجاهل قضايا الأمّة و تسكت عن انتهاكات الحقوق العربيّة في أهمّ القضايا الملحّة التي تشكّل إهانات مباشرة للشخصيّة السّياسيّة و التّاريخيّة العربيّة و احتقاراً لوجودها الجمعيّ و القطريّ و الفرديّ، على حدّ سواء.

    4▪︎ و عندما تدافع سورية عن الوطن العربيّ أو عن الأمّة العربيّة بالتزامها قضاياها، و دفع الأثمان الباهظة في سبيل ذلك، فهي بهذا تدافع عن الأفراد المواطنين و الشّعوب العربيّة لِتُجنّبَهم مسوخيّة التّكوين العالميّ التي تميّز القبائل المتنقّلة في أطراف هذه الحضارة العميقة، التي تميّز المنتمين إليها في عالمَ اليوم، بالاستقرار على أرض محدّدة تصنعها الجغرافيا و التّاريخ و الدّولة القويّة القادرة على ضمان استمرار معالمها، في وجه التّحدّيات الحالّة منها و الموضوعيّة، التي تتربّص بالكيانات و الدّول الضّعيفة في هذا العالم.

    5▪︎ يصنع الاستقرار القوميّ- السّياسيّ لهويّة الأمّة (و لو في ما قبل الدّولة القوميّة) العمق النّفسيّ الحضاريّ الذي يصنع الشّخصيّة الخاصّة المندمجة عالميّاً و المتوازنة و التي يكون عمقها الثّقافيّ – الحضاريّ متعلّقاً، بكلّ من التّاريخ و الجغرافيا و الكتلة البشريّة المعبّرة عن وجود و صوت عالميين، لهما تأثيرهما في الدّفاع و الثّبات الوجوديين ضدّ الالتهام العالميّ، الذي تجري ممارساته على القبائل و الشّعوب المحدودة التي ليس لها تاريخ في كتلة معتبرة من البشر على سطح هذه الأرض.

    6▪︎ و في التّخلّي و التقوقع و العزلة، تخسر سورية شخصيّتها الثّقاليّة العالميّة في عالم متكالب على الشّعوب ذوي الصّفات الضّئيلة، التي لا تمثّل أمماً واسعة و ممتدّة في الجغرافيا و التّاريخ.

    7▪︎ صحيح أنّ الأمّة العربيّة هي قوميّة في ما قبل مرحلة "الدّولة القوميّة"، و لكن وعي و إدراك حضورها الاعتباريّ في مشروع الدّولة الوطنيّة - القوميّة (القطريّة)، لوحده، كفيلٌ بِجَعْلِها ذات حضور عالميّ معبّر عن كتلة كبيرة لها بعدها السّياسيّ و الاجتماعيّ و الثّقافيّ، الذي يُميّز الشّخصيّات الاعتباريّة المتينة..
    و هذا على رغم ما يبدو في الحقيقة من تشتّت لأوصال الدّولة القوميّة أو دولة الأمّة، و على رغم أنّ ذلك المشروع قد يبقى حلماً، طويلاً، و لكنّ الأحلام و الآمال، على صعيد الأفراد و الشّعوب، هي ما يبعث التّماسك في جسد الوجود السّاعي إلى الهدف المحدّد.

    8▪︎ و في الخسارات المباشرة، فإنّ من يَخسر في غياب سورية هو، أوّلاً، محيطها العربيّ؛ إلّا أنّ ذلك سينعكس على سورية حينما تضعف أواصرها بباقي دول الأمّة العربيّة، ممّا يُسهّل استفرادها و بالتّالي يُضعفها في جميع قراراتها، و ذلك كما هو المثالُ حاضرٌ أمامنا في (مصر) عندا اختارت التّفرّد و الانفراد في شخصيّتها السّياسيّة كدولة ما أوقعها موضوعيّاً في شرك (إسرائيل)، و أعجزها عن تمثيل مصالحها الوطنيّة الحقيقيّة (القطريّة) التي خسرتها، أيضاً، في علاقتها ب(إسرائيل) و باقي الدّول العربيّة الوطنيّة – القوميّة كسورية و الجزائر و ليبيا قبل "انقلاب الرّبيع" الاستعماريّ.

    9▪︎ إنّ المصداقيّة التي تكتسبها سورية في عروبتها و دفاعها عن القضايا القوميّة للأمّة العربيّة، يجعل منها دولة متينةً في حياتها المجتمعيّة و السّياسيّة و العقائديّة، و هو ما ينعكس منعةً و قوّةً في وجه الاستعمارات و المؤامرات و الحروب العالميّة التي تستهدفنا، صراحةً، و المثال على هذا حيّ و معاصر و لا يزال مستمراً في صمود سوريةالأسد في وجه أعتى الحروب و المؤامرات العالميّة الاستعماريّة و غير المسبوقة في تاريخ البشريّة.
    هنا يجب أن ندرك أن الشّعوب العربيّة، عموماً، لا تزال متمسّكة بقضاياها القوميّة المصيريّة في وجه التّحدّيّات التّاريخيّة التي تواجهها، و المثال الأقرب هو أغلبية الشّعب العربيّ السّوريّ الذي كان صورة حقيقيّة للفهم العفويّ لمسألة المصير، هذا الفهم المكتسب من خلال تاريخٍ من الانتماء إلى العروبة و قضاياها العادلة، و الدّليل وقوف هذا الشّعب العظيم بكلّ شرفائه إلى جانب الجيش العربيّ السّوريّ و الدّولة الوطنيّة- القوميّة في سورية.
    و لنذكر، أيضاً، في هذا السّياق أنّ المنابر الحقيقيّة لمعرفة اتّجاهات الميُول العقائديّة للشّعب العربيّ السّوريّ، هي ليست في منبر واحد (كوسائل الاتّصال و التّواصل الاجتماعيّ الحديث)، و إنّما هي ربّما تكون أصدق في أوساط أولئك الذين ليس لهم صوت أو عند هؤلاء الأبطال الذين يُصوّتون على القضيّة القوميّة العربيّة في ساحات النّضال و الحرب و الشّهادة تصويتاً بالدّماء!

    10▪︎ و في محصّلة هذه الجردة البسيطة يتبيّن أنّ ما تخسره سورية في تخلّيها عن شخصيّتها القوميّة، هو تاريخها النّضاليّ و التزامها بقضايا المصير العربيّ، و وقوفها مع العدالة الطّبيعيّة التي تخصّ الإنسان الطّبيعيّ و الاجتماعيّ قبل أن تخصّ الإنسان السّياسيّ (أو المواطن)..
    و كذلك تخسر سورية في التّخلّي عن العروبة جميع تضحياتها و دماء شهدائها و تضحيات أحرارها و أشرافها في سبيل القضايا القوميّة الكبرى.
    و قبل ذلك و بعد ذلك، فإنّ ما نخسره جميعاً في عزلتنا و انعزاليّتنا القطريّة أو الإقليميّة، إنّما هو ذلك الجزء الأغلى على كلّ إنسان عادل في هذا العالم، و أعني بذلك "الحقيقة" التي تفتتح في اعتناقها باب "الحقّ" الثّابت.

    *******

    [ياغيرة الدين!! ]

    1 لا يجوز نسيان النزعة "الإستعلائية" للأكثريات العدديّة، سواء كانت عرقية أو دينية أو مذهبية، وخاصة في بلدان العالم الثالث، التي غالباً ما تكون نزعة عدوانية..

    2 ولا نزعة "الإنعزالية" للأقلّيات العددية، التي غالباً ما تكون نزعة دفاعية، في هذه البلدان.

    3و تبقى "الإستعلائية" و "الانعزالية" لدى الجميع، عنصريةً ومرذولة.. إنهما ك آفة السرطان الخبيث المستشري في الجسد الاجتماعي.

    4 وأما عندما يصرخون (ياغيرة الدين).. فهم يشعلون النار في ثيابهم وفي ثياب الآخرين، ويجعلون من الجميع حطبا يحترق في سبيل تحقيق مصالح أعداء أتباع الدين الذي يدعون الغيرة عليه.

    5 و غالبا ما تولد العنصرية ويجري تأجيجها، لدى القوميات والإثنيات والأعراق والطوائف والمذاهب، من خلال إقناعها بأنها مغبونة ومظلومة ومضطهدة..

    6 بغرض شحنها وتعبئتها لتنفيذ ما هو مخطط لها وما هو مطلوب منها أن تقوم بتنفيذه، تحت هذا العنوان، وبما لا يخدم مصلحتها مطلقا، بل غالبا ما بحري دفعها، قطيعيا، للعمل ضد مصلحتها.

    7ويبقى العقل الجمعي للناس عقلا قطيعيا بامتياز.. والعقل القطيعي يلغي نفسه ويعتمد الغريزة.. والطائفية هي الإبنة المدللة للغريزة.

    8 رغم أن مفهومي "الأكثرية" و "الأقلية"، على الصعيد الطائفي، يتناقض بالمطلق مع مبدأ المواطنة و العدالة الاجتماعية.

    عدد الزيارات
    9609785

    Please publish modules in offcanvas position.