image.png

يحيى زيدو: لبنان.. البروفات الأخيرة للمسرحية

المشهد في لبنان سوريالي بامتياز، مثير للغثيان بقدر ما هو مثير للشفقة، و الريبة، و السخرية في آن.
لم يتأخر كثيراً تظهير النيجاتيف السياسي للحراك الاجتماعي. نزل المتظاهرون إلى الشوارع بمطالب عادلة و محقة، و هم يأملون بالضغط على السلطة القائمة للاستجابة لمطالبهم. لكن لم يكن هناك عاقل واحد يمكن أن يتوقع بأن يبقى هذا الحراك اجتماعياً مطلبياً، و من دون تدخل قوى سياسية محلية وجهات خارجية من أجل السيطرة على هذا الحراك و توجيهه، وفق المخطط القاضي بإعادة رسم الخرائط الجغرافية و السياسية لدول المنطقة وفق مصالح الناهب الدولي، الذي أنشأ تحالفاً صهيونياً- أطلسياً- أخوانياً- وهابياً لوضع المخطط قيد التنفيذ.
المشهد في لبنان يدل على أن المسرحية صارت في البروفات الأخيرة:
"- قائد الجيش الطامح للرئاسة يرفض أوامر رئيس الجمهورية و يلجأ، مع ضباط مقربين منه، للإقامة في السفارة الأمريكية، و هذه سابقة في تاريخ لبنان منذ العام 1990.
- إهانة الجيش اللبناني من قبل متظاهرين، و إنزال العناصر من الشاحنات و إجبارهم على المشي نحو نقاط تمركزهم، مع الحديث عن حوادث دهس لبعض الجنود و العناصر الأمنية.
- مواجهة بعض المتظاهرين للجيش و القوى الأمنية بالقول: "لا نريد منكم أن تحموننا، سنطلب من الإسرائيليين حمايتنا". من دون أن ننسى وجود مراسلة إسرائيلية كانت تنقل تقارير إعلامية من بين المتظاهرين في ساحة رياض الصلح، و كذلك رفع العلم الإسرائيلي في بعض المظاهرات الداعمة للحراك في الخارج.
- الصهيوني (محمد دحلان) يجول على المخيمات الفلسطينية في لبنان، و التي يتحشد فيها الأصوليون من بقايا (فتح الإسلام) و تنظيمات أخرى، من أجل تنسيق عمل هؤلاء ليكونوا جزءً من دورة العنف التي يتم التخطيط لها في لبنان.
- إسلاميو مخيمات اللجوء السوري يظهرون في عدة مناطق لبنانية، بلحاهم الطويلة و لباسهم الأفغاني، و يقومون بقطع الطرقات مع أخوان طرابلس، و وهابيي و دواعش عرسال وجرودها، و صولاً إلى صيدا في الجنوب حيث بقايا أحمد الأسير، و فضل شاكر، و تنظيم جبهة النصرة. و حيث خرج الناس هناك من قانون (الأواني المستطرقة) إلى قانون (الطرق على الأواني)، في استعادة سخيفة و مريبة لمشاهد الحرب السورية في بداياتها.
- القوات اللبنانية، و إن لم تكن هي القوة المسيحية الأكبر، إلا أنها القوة المسيحية الأكثر تنظيماً التي بحركها الثأر و شهوة الدم، و التعطش للسلطة انطلاقاً من الاندماج في المشروع الصهيوني. و لا يستطيع حزب الكتائب اللبناني سوى أن ينافس (أو يتواطأ) مع القوات في هذا الأمر. من هنا نستطيع أن نفهم تواجد عناصر القوات و الكتائب في مشاهد قطع الطرقات، و في التحريض على العنف، و الدفع نحو التصعيد.
- وليد جنبلاط الذي عاش تجربة (الإدارة المدنية) إبان الاحتلال الإسرائيلي عام 1982، ما زال يحلم بدولة درزية تضم الشوف و عاليه و حاصبيا و راشيا و الجولان السوري و جزء من محافظة السويداء و جبل العرب، و هو يستعد لذلك من خلال دفع "زعرانه" إلى قطع طرقات البقاع، و البقاع الغربي عن بيروت بانتظار ما ستسفر عنه المرحلة القادمة من خرائط يرجو أن يكون له حصة منها، و دور فيها“.
هذه المشاهد و غيرها، حولت الحراك اللبناني من حراك مطلبي اجتماعي في الشارع، إلى تحرك سياسي شوارعي (شارع مقابل شارع) مع محاولات تكديس السلاح لاستخدامه حين انطلاق شارة البدء من المشغلين الذين يمدون القوى السياسية و وسائل الإعلام بالمال السياسي و الدعم اللوجستي و الأسلحة.
الحراك في لبنان لا ينفصل عما يحصل في سورية، و لا ينفصل أيضاً عن المظاهرات في العراق، و التي اتخذت منحى تصعيدياً تمثل في إقدام متظاهرين شيعة على حرق القنصلية الإيرانية في كربلاء.
,(حصار إيران، و تفكيك حزب الله) و تفكيك الدولة السورية و القضاء على دورها، و التحكم بموقعها الجيوسياسي في المنطقة هو واحد من أهم الأهداف (و ربما الهدف الأهم) التي لم يتنازل عنه مطلقو شرارة الربيع الدموي منذ العام 2010، لكي تبقى إسرائيل القوة الوحيدة المسيطرة بمأمن عن أية متاعب مستقبلية، و بما يتيح لها تحقيق الحلم الصهيوني (من الفرات إلى النيل)، و هنا لا بد من التنبه إلى مبايعة دواعش سيناء لزعيم داعش الجديد، و مبايعة كلاب المحتل التركي لأردوغان في المنطقة العازلة في شمال سورية، من دون إغفال أهمية انتخاب رئيس إسلاموي بلهجة ليبرالية في تونس التي انطلقت منها شرارة الربيع العربي الدموي.
لبنان في خطر، و الاهتمام بما يجري في لبنان ليس نابع فقط من كون لبنان جار سورية، بل من قاعدة أن ما يؤثر على لبنان يؤثر على سورية و العكس صحيح.
إنه قهر الجغرافيا و مكر التاريخ.
مع الاعتذار من الرومانسيين الثوريين أصحاب النوايا الطيبة الذين اعتقدوا أن ما يحصل في لبنان سيبقى حراكاً مطلبياً شعبياً، و نموذجاً يحتذى.
(قريباً: مظاهرات العراق إعادة التموضع في مواجهة المرجعيات الدينية و السياسية)

عدد الزيارات
9493919

Please publish modules in offcanvas position.