لا قرار سعودياً بإنهاء الحرب: التهدئة المفتوحة بدل السلام الدائم

أ طائرات سعودية تعتدي على اليمنتزايدت الشكوك في الأسابيع الأخيرة في شأن جدّية الجانب السعودي في تحقيق السلام في اليمن، بل إن صنعاء، الراغبة في إنهاء الحرب بما يحفظ لها سيادتها وعودتها إلى ممارسة دورها الطبيعي في العالم العربي والإقليم، تأكدت، وبالملموس، أن الرياض ليست راغبة في السلام، ولا تمتلك الجهوزية المعنوية والعملية له، فضلاً عن ضعف الدافع السياسي لديها، وغياب الخطط والبرامج اللازمة من قِبَلها لمفاوضات ندّية مع الطرف اليمني. جلّ ما تفكر فيه القيادة السياسية في المملكة هو السعي إلى تخفيض التصعيد العسكري بغية تمرير استحقاقات داهمة.

وبناءً على ذلك التقييم، جاء الردّ على المراوغة السعودية من قِبَل وزير الدفاع في حكومة صنعاء، محمد ناصر العاطفي، الذي أكثر من إطلالاته الإعلامية في الأيام الماضية، بمواقف صبّت جميعها في خانة واحدة: قوات صنعاء استكملت كلّ جوانب البناء العسكري التي تؤهّلها لشنّ هجوم استراتيجي يؤدي إلى شلّ قدرات العدو. وذكّر العاطفي بأن قواته تقف على مشارف مدن كبرى ومناطق حيوية، مخاطِباً دول العدوان بأن «الحرب الحقيقية بيننا وبينهم لم تبدأ بعد»، ومتوجّهاً إلى داعميها، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، بأن الأمن القومي العالمي، وخاصة في الجانب الاقتصادي، مرهون بسيادة اليمن واستقراره.

ووفق معلومات حصلت عليها  من مصادر غربية، فإن السعودية لم تتخذ قرارها بإنهاء الحرب على اليمن، بل إن كلّاً من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وشقيقه نائب وزير الدفاع خالد بن سلمان، لا يزالان يعتقدان بالحلّ العسكري. كما أن السعودية لم تضع حتى هذه اللحظة استراتيجية للسلام مع اليمن. وعن الضجيج الحاصل حول المفاوضات الجارية بين الجانبين اليمني والسعودي، فتلفت المصادر إلى أن البحث منصبّ على تفاصيل عسكرية تكتيكية، من دون الغوص في الأمور الأساسية. أما في شأن لازمة حفظ ماء وجه المملكة، والتي تصاحب المفاوضات منذ سنوات، فتعتبرها المصادر ادّعاءً غير واقعي كذّبته الأحداث، ويُستخدم كساتر لإجبار صنعاء على تقديم تنازلات جذرية. فالقيادة السعودية لا تزال توهم نفسها بأنها في موقع المبادر والقادر على تحقيق الإنجازات، بل وحسم المعركة على الأرض.

وعليه، فإن الرياض، بأدائها التفاوضي المباشر وغير المباشر، لا تناور برفع السقف لإجبار الطرف الآخر على التنازل، كما لا تضغط بغية الوصول إلى نقاط مشتركة، بقدر ما تريد تهدئة غضب صنعاء والحدّ من ردور فعلها راهناً.

وعلى حدّ وصف مطلعين على المفاوضات، فإن السعودية الرابحة والمرتاحة هي ذاتها المأزومة والخاسرة، لم يتغير شيء في استراتيجيتها (إن وجدت) ولا في تكتيكاتها، وكأن الإخفاق الذي لحق بها على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمعنوية كافة لم يصل إلى مسؤوليها الذين لم يغادروا العقلية السابقة القائمة على الاستعلاء والعناد. الإضافة الوحيدة بعد كلّ سنوات الحرب المؤلمة، كما تقول المصادر، أن مسؤوليها من المستويات المتوسطة يمارسون في التواصل مع صنعاء مزيداً من المراوغة، من دون أن يقدّموا خارطة سياسية أو عسكرية يمكن المضيّ بها إلى خاتمة المسار التفاوضي.

ولئن أُجبِر النظام السعودي على ملاقاة اليمن بهدنة غير متفق عليها رسمياً، إلا أن الرياض لا تنتهز الفرصة لتطوير تلك الهدنة، بل تضع نفسها أمام مفترق طرق، معتقدة أن ما يجري حالياً يسمح لها لاحقاً بالاختيار بين العودة إلى المربع الأول، أي إشعال أوار الحرب مجدداً، أو إكمال مسار التفاوض وصولاً إلى السلام، وذلك وفق الظروف الموضوعية التي تقتضيها مصلحتها بعد الانتهاء من الاستحقاقات الماثلة أمامها، وعلى رأسها انسداد الأفق العسكري وفشل تنفيذ اتفاق الرياض، والذي يسبّب لها إرباكاً وإزعاجاً كبيرين، بعدما أملت من خلاله توحيد القوى المحلية الموالية لـ«التحالف»، تمهيداً لنقل المعركة إلى صنعاء.

أما حلفاء السعودية الغربيون وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا فيشجعون على تخفيض التصعيد، وتفعيل الهدنة التي يعدّونها إنجازاً بحدّ ذاته ينبغي تفعيله، وخصوصاً أن كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا منشغلة بأمورها الداخلية. إذ أن بريطانيا عاكفة، وفق ما يؤكد سفيرها في اليمن مايكل أرون في لقاءاته مع المسؤولين والشخصيات اليمنية، على مسألة «بريكست» والانتخابات البرلمانية، الأمر الذي يصرف اهتمام حكومتها عن المتابعات الخارجية، في حين أن الولايات المتحدة منشغلة بقضية عزل الرئيس دونالد ترامب في الكونغرس، بالتزامن مع قرب الانتخابات الرئاسية الأميركية. وعليه، فإن كلّ ما تسعى إليه العاصمتان (لندن وواشنطن) من التهدئة هو أن لا تُستغلّ القضية الإنسانية اليمنية في الصراع المحلي لبلديهما من قِبَل الخصوم السياسيين.

الأخبار