(السفير) في عيدها الثلاثين

النورأُبي حسن- النور- 31 آذار 1004- الصفحة الأخيرة

احتفل (السفيريون) في السادس والعشرين من آذار الجاري بمرور ثلاثين عاماً على ولادة (السفير). لم تكن تلك الولادة حدثاً استثنائياً بحد ذاتها، الاستثناء هو في مقدرتها على معايشة التعب والشقاء ومعاندة الواقع، هو تلك الرحلة التي وسمت تضاريس وجه طلال سلمان، وهو يجتاز بالسفير مراحل صعبة بقيت خلالها كما أعلنت: (صوت الذين لا صوت لهم). كما بقيت أمينة لنهجها القومي (جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان) في زمن باتت فيه الأمانة للقومية عبئاً.

تحلى طلال سلمان بأخلاق مهنية، وجاءت السفير بمثل هذه الأخلاق، فكل عضو في هيئة تحريرها هو رسول صدق في الخبر والعمل.

يروي أحد أعضاء هيئة التحرير الأوائل أن خلافاً حاداً نشب بين بلال الحسن (رئيس تحرير سابق للسفير) وبين رئيس القسم الثقافي، سرعان ما تطور إلى شجار عنيف يتدخل فيه محرر في القسم الثقافي معلناً تأييده موقف رئيس التحرير ضد رئيس قسمه، فما كان من رئيس التحرير إلا أن حذر المحرر مؤكداً أن المناورة والانتهازية ممنوعتان في السفير.

ويروي الشخص ذاته أن الجريدة مرت بضائقة مالية دفعت طلال سلمان، وهو رئيس التحرير وقتذاك، إلى طرح فكرة الاستغناء عن خدمات بعض العاملين في الجريدة. يقول هذا الراوي إن أحد المحررين اعترض قائلاً: إن هذا لن يحدث، لن نسمح بأن يقال إن جريدة (السفير) بترت بعضاً من أعضائها، خاصة إذا كانوا من الفقراء. توقع الحاضرون ـ كما يقول الراوي ـ أن يردّ على ذلك المحرر الذي تحدث على نحو فظّ ومحرج، غير أنهم فوجئوا بطلال سلمان يشكر المحرر على موقفه، ويعلن إغلاق ذلك الملف.

كانت السفير، وما تزال، صديقة لسورية، شعباً وحكماً. ولأنها صادقة في صداقتها، فإن الحكم لم يكن في منأى عن انتقاداتها في كثير من الأحيان، كما أن اليسار العربي، والسوري خاصة، وجد في صفحات (السفير) حضناً دافئاً آمناً لآرائه وبياناته ومواقفه، ومنها مواقف معارضة للسلطة، أو لبعض مواقفها.

استطاعت (السفير) بما حرصت عليه من صدق في نقل الخبر، وأمانة في متابعة الأحداث وتغطيتها، أن تحوز ثقة قرائها وتعزز صدقيتها لديهم.

ثمة عامل آخر، على ما أعتقد، له علاقة بما اتسمت به (السفير) وبالصورة التي ارتسمت لها في أذهاننا طوال ثلاثين عاماً، هو أن صاحبها ليس مجرد صحفي قدير ومتميز، بل هو سليل الفكر النهضوي العربي، ذلك الفكر الذي يأبى أن تكون هذه الجريدة على غير ما عهدناها.

قد يكون ثمة نواقص، لكن مسيرة جريدة (السفير)، سابقاً، واليوم، تدفع بي، وبكل متابع منصف، أن يرفع القبعة احتراماً لتلك الوجوه السفيرية التي خددها الزمن وما أتعبها.

كل عام والسفير، وأسرة تحريرها بألف خير.

عدد الزيارات
15064276

Please publish modules in offcanvas position.