image.png

الشعر والمآساة في مسرح ممدوح عدوان

أ ممدوح عدوانأُبي حسن- جريدة النور- العدد 215- 21 أيلول 2005

قبل رحيله بنحو الشهر، سألته عن بدايات اهتماماته (لا كتاباته) المسرحية، ففاجأني بأن له مسرحيات كتبها خلال دراسته الثانوية في حمص وحماة إبان الوحدة السورية المصرية, بغية تمثيلها أثناء عطلة الربيع، وأبدى أسفه لأنه لم يحتفظ بنسخ منها. ليردف أنه لم يكن في نيته كتابة المسرح (لاحقاً). لكن عندما قدم دمشق، أوائل ستينيات القرن الماضي, لإتمام دراسته الجامعية كان يحضر عروضاً للمسرحيين القادمين حديثاً من دراسة المسرح في مصر، وأثناء مشاهداته لتلك العروض كان ينتابه شعورٌ بأنه يستطيع كتابة نصوص مسرحية جيدة تصلح للعرض أكثر من تلك التي كان يشاهدها.
ولئن كان التاريخ، وما تركه لنا ممدوح عدوان من نصوص مسرحية، يثبتان صدق شعوره السابق الذكر، لكننا لا يمكننا أن نضع منجزه المسرحي في سلة واحدة، سواء أكان من حيث المستوى الفني أم من حيث طريقة/طرائق تناوله لموضوعه. مع الأخذ بالحسبان أن للخبرة والممارسة والتدريس والنضج مع الزمن دوراً في صوغ تجربته التي امتدت إلى أن غدا ممدوح مرجعاً مسرحياً، أو خبيراً حسب تعبير المخرج المسرحي السوري حسين الإدلبي، وأحد أعلام المسرح في الوطن العربي في عالمنا المعاصر.
بدأ ممدوح عدوان كتابته للمسرح أواسط ستينيات القرن الماضي بمسرحية شعرية بعنوان (المخاض)، كانت تروي سيرة المتمرد الشعبي السوري (بوعلي شاهين)، وما تبقى منها في ضمير الناس. وحاول الكاتب أن يقدم إجابات عن أسئلة عدة من خلال ذلك النص، منها: لماذا بقيت سيرة (بوعلي شاهين) حية في ضمائر من عرفه عن قرب أو سمع به عن بعد؟ وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال بالذات هي ما دفعت به كي يكتب نصاً عن المتمرد المذكور، إضافة إلى عوامل سيكولوجية يشترك بها كل من الكاتب والبطل، فكلاهما لديه نزوع التمرد على واقعه.. لكن في ما بعد سيكتشف ممدوح أن الشعر لم يعد يصلح للمسرح، كما كان سابقاً، هذا بافتراض أن المسرح الشعري الذي كتبه كل من موليير وراسين وشكسبير... كان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بطبيعة وطريقة إلقاء الشعر والعرض المسرحي معاً في العصور التي وجدوا فيها، أقول هذا وتحضر في الذهن التغيرات التي طرأت على المفاهيم الخاصة بكليهما عبر تقادم الزمن.
اكتشاف ممدوح المبكر في هذا الجانب أتى انطلاقاً من فهمه لسيرورة الثقافة (ومن ضمنها المسرح) ووظيفتها عبر هذه السيرورة، ولم يكن يخفي رأيه: (إن آخر من كتب مسرحاً شعرياً ناجحاً هو شكسبير فقط).
ما سبق ذكره يفسر لنا لماذا لم ُيعِد ممدوح تجربة كتابة المسرح الشعري، لكن على الرغم من هذا أرخت أطياف الشعر بظلها على مسرحياته اللاحقة وتحديداً في مسرحيتيه الهامتين (هاملت يستيقظ متأخراً) و(ليل العبيد)، ففي الأولى استحضر هاملت شكسبير وحاوره معالجاً قضيته على طريقته هو وبلغته التي لم تنج من غواية الشعر, وهذا ما يعلل أن شخصية مثل (هوراشيو) تقول روايتها شعراً أثناء تعليقها على بعض المواقف في المسرحية المذكورة, ربما السبب في ذلك أن ممدوحاً لم يكن قد حدد مساره أو موقفه بعد من وظيفة الشعر ودوره واستقلاليته التامة عن المسرح. وقد يكون، وهو الأرجح، أنه لم يكن بمقدوره بعد الفصل بين ذات الشاعر وذات الكاتب المسرحي، لهذا لم تخل أجواء (ليل العبيد) من نكهة شعرية وتحديداً عندما يلجأ (وحشي) - أحد أبطال المسرحية - للتعبير عن أحلامه إلى درجة يتماهى معها بشخصية عنترة فيغني أشعاره، ونستطيع أن نضيف في هذا السياق أن تصور ممدوح ذاته أن بلالاً (في ليل العبيد) كان يغني شعراً قبل الإسلام (انظرالصفحة 71 من الحياة المسرحية العدد 51) يجعلنا نرجح عدم تحديد الكاتب لموقفه النهائي من المسرح الشعري.. وأكثر من ذلك، لعل الحالة الافتراضية التي قامت عليها مسرحية (كيف تركت السيف) وهي حالة جعلت الكثير من شخصيات المسرحية تعبر عن رأيها شعراً تعزز ما ذهبنا إليه؛ أقول هذا بمعزل عن الأفكار التي تناولتها المسرحيات المذكورة، وبمنأى عن الآلية المسرحية التي عالج من خلالها الكاتب ما تطرق إليه من مواضيع. وما يعزز ما جنحنا إليه هو ترجمة ممدوح لكتاب رونالد بيكوك (الشاعر في المسرح) أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وكأنه أراد من خلال ترجمته لهذا الكتاب أن يحدد موقفه نهائياً من قضية الشعر في المسرح.
بعد ذينك النصين تخلص عدوان من الشعر في المسرح نهائياً، وكان حضوره في ما تبقى من منجزه المسرحي بما يخدم البنية الدرامية للنص حصراً، وهذا ما نجده في مسرحيتيه (أيام الجوع / سفر برلك) و(حكي السرايا حكي القرايا) إذ طعمهما بتوابل من الشعر العامي.
ما ذكرته آنفاً يدخل في إطار علاقة الشعر بالمسرح لدى ممدوح, لكن إذا ما دققنا النظر في مجمل نتاجه المسرحي نجده كاتب التمرد بامتياز.. التمرد على كل قبيح، ابتداءً من القبح السياسي المتمثل بالاستبداد ومشتقاته، وليس انتهاءً بالقبح الاجتماعي المتجسد في نمو طبقات طفيلية تسلقت قمة الهرم الاجتماعي (بفضل) انتهازيتها. وكان قبالة هذا كله يدافع عن الإنسان المضطهَد وحقه في الوجود والعيش الكريم.
ففي مسرحية (ليل العبيد) قرع باب صدر التاريخ الإسلامي وحاوره، ليستشف من خلال مسرحيته كيف تعيد الطبقات الاجتماعية ذات الثقل الاقتصادي الممزوج بعصبية قبلية صوغ المجتمع وفقاً لذائقتها وبما ينسجم مع ديمومة مصالحها، ذلك من خلال تسخيرها حقل السياسة لتحقيق أهدافها الخاصة ؛ وما لجوء ممدوح إلى التاريخ والاستعانة به إلا محاولة ناجحة من قبله للإجابة على بعض ما كان قد أنتجه واقعه وواقع مجتمعه (السياسي والاجتماعي والاقتصادي) في فترة من الفترات.
أما في مسرحية (كيف تركت السيف) فيبدو ألمه جلياً وتمرده أكثر وضوحاً ونضجاً، وبدءاً من العنوان الذي أتى على صيغة عتب؟ العتب على (أبي ذر) بسبب تشبثه بالمقولة التي لازمته (تعيش وحدك، وتقاتل وحدك، وتموت وحدك), بدلاً من التفاته إلى الناس كي يقاتل بهم بغية رد الاعتبار إليهم.
ازداد تمرد الكاتب عبر المسرح فكتب في ما بعد مسرحيته (الوحوش لا تغني)، كانت طبعتها الأولى في أواسط ثمانينيات القرن الماضي في اليمن (حتى الآن لم تطبع في سورية). لكن ما يؤخذ على هذه المسرحية طغيان اللغة الخطابية فيها على اللغة الدرامية، ومن الجدير ذكره أن هذه المسرحية عُرضت فقط في مصر.
ظهر ممدوح، في ما كتبه لاحقاً, أكثر هدوءاً، إذ خفَّ ضجيج التمرد ووهجه من غير أن يتجاوزه أو يتخطاه، طارحاً الكثير من القيم والأفكار والأسئلة في مسرحياته. فعالج، مثلاً، مفهوم البطل بأكثر من طريقة وعلى أكثر من مستوى. والرابط الذي كان يجمع بين هذه الطرق المتباينة أن البطل لديه كان دائماً تراجيدياً، فضلاً عن انطواء حياته, التي غالباً ما كانت تنتهي نهاية فجائعية، على عنصر مأسوي في سيرورتها. وهكذا كانت مسرحية (زيارة الملكة) التي احتفت بمفهوم البطل لتقول لنا إن بمقدور أي شخص منا أن يكون بطلاً, إذ ليست البطولة حكراً على نوع أو صنف من البشر دون سواهم، ولعلنا نتذكر عنصر مأساة الحاضر على أكثر من مستوى في (زيارة الملكة) فمن فقد الرقيب أول (البطل) لساقيه إلى طريقة تكريمه القائمة على تسليع الإنسان وتشييئه، وهذا بحد ذاته مأساة.
وفي مسرحية مثل (حكايات الملوك) كان البطل جماعياً، ألا وهو الناس البسطاء المهمشون الذين يترددون كثيراً قبل أن يتجرؤوا على الحلم (؟) الذي يدفعون ثمنه(؟)
صحيح أن البطل في (آكلة لحوم البشر) كان من حملة الشهادة الجامعية (على غير العادة في مسرح ممدوح)، لكن سيرة حياته لم تخل من مأساة، شأنه في هذا شأن الأبطال في (سفر برلك) و(الزبال) و(الخدامة) و(القيامة).... إلخ. كأننا بممدوح عدوان من خلال انتقائه لنماذج أبطال مسرحياته، كان يحاول ما أمكنه رسم لوحة كبيرة لمأساة كان شاهداً عليها ألا وهي الحياة في العالم الثالث.

عدد الزيارات
11047212

Please publish modules in offcanvas position.