image.png

عبد الرحمن الشهبندر: صلاح الدولة من صلاح أبنائها، عن الدولة والأسرة والمجتمع

نتيجة بحث الصور عن عبد الرحمن الشهبندربقلم: عرض: أُبيّ حسن- جريدة النور- العدد 316 (7/11/2007)

يقول الباحث السوري محمد كامل الخطيب في مقدمته لكتاب (القضايا الاجتماعية الكبرى في العالم العربي) الذي سبق أن وضعه الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عام 1936 من بعد أن كان نشره في حلقات على صفحات مجلة (المقتطف) أوائل ثلاثينيات القرن الماضي: إن الشهبندر عُني في كتابه بدراسة فكرة (المدنية) أو الحضارة كما استقر المصطلح اليوم, والمدنية قوامها الإنسان, لكن الإنسان ليس مجرداً, فهو يتألف ابتداء من رجل وامرأة, وهذان -المرأة والرجل- يبنيان أسرة, والأسرة إذا ما تعددت وكثرت صارت مجتمعاً بشرياً. والمجتمع البشري يحتاج إلى منظم هو الدولة, وإذا كان هناك مجتمع ودولة فلابد من دين أو عقيدة.. لذا نجد أن الشهبندر يستعرض نظريات الدولة ومفهومها منذ آراء أفلاطون وأرسطو والخلافة الإسلامية وابن خلدون ونظرياتهم, مروراً بآراء ميكافيلي وهوبتس ولوك وروسو, ووصولاً إلى هيجل وماركس.
ويرى الباحث الخطيب أن الشهبندر ربما كان زعيماً من زعماء الاشتراكية الوطنية على الطريقة الألمانية, مع العلم أنه كان يريد دائماً أخذ الواقع العربي المتخلف بالحسبان, وربما لهذا وجه سهام نقده لكل من الاشتراكية المتطرفة (المقصود فيها هنا الشيوعية، وفقاً لمصطلحات ذلك الزمن), والديموقراطية الليبرالية. ويعتقد الباحث أن الشهبندر يبدو وكأنه مشروع سياسي مضمر ومجهض لنوع من: عبد الناصر بثياب مدنية، ولأجل هذا كانت الغاية من الكتاب الذي قال فيه الشهبندر ذاته: (أهم الغايات التي ننشدها في معالجة هذه القضايا هي الإصلاح في العالم العربي).
يرى الدكتور الشهبندر أن المدنية هي حالة من الثقافة الاجتماعية، تمتاز بارتقاء نسبي في الفنون والعلوم وتدبير الممالك. وتكفي كلمة (نسبي) الواردة في هذا التعريف للدلالة على أن التدرج الذي تمّ ليس تدرجاً مقطَّع الأوصال، بل متصل الحلقات تبتدئ الدرجة اللاحقة منه حيث تنتهي السابقة.
ويقول الشهبندر نقلاً عن (جدنجز) إن المدنية مرت بثلاثة أدوار, الدور الأول منها هو دور التأسيس، تمثله المدنيات القديمة على عهد الفراعنة والبابليين، وهو يتصف بضعف التوادد. أما الدور الثاني فيمتاز بالتغلب على سياسة الحصر والتضييق التي أقامتها النظم العسكرية، فيتحرر الشعب عقلياً وشخصياً. أما الدور الثالث فهو كائن فيما توصلت إليه الدول الغربية الحاضرة, فهو اقتصادي وأخلاقي. وغني عن البيان إن الدول الأوربية ما بلغت الدور الثالث هذا إلا بعد أن مرت في اختبارات الدور الثاني وانصهرت في بوتقة الانقلابات الأدبية والثورات الاجتماعية منذ (النهضة) الأدبية في القرن الخامس عشر إلى الثورة الفرنسوية وما تبعها من ثورات.
وفيما يخصّ العالم العربي يعتقد أن الموقف منه إجمالاً هو موقف تفريط وجمود، وصفته البارزة هي التمسك بالقديم لقدمه وانقياد إلى سنن الآباء والجدود انقياداً أعمى، حتى كادت بعض أقطاره تعد من عالم القرون الوسطى, ولا يهتم صقع من أصقاعه بالثورة الاجتماعية كما يفهمها العلم, وإن كان هناك اضطراب سياسي لاشك فيه. والنفخ في أبواق المحافظة في مثل هذه الحال ليس إلاّ تشجيعاً على إطفاء جذوة الحياة وروح التقدم والقضاء المبرم على فكرة الإصلاح, وما ينفع في روسيا المندفعة قد يكون ضاراً في الحجاز الجامد, وما ينفع في الحجاز قد يكون ضارّاً في روسيا.
وفي فصل بعنوان (المرأة والرجل) يرى الشهبندر في معرض حديثه عن الأسرة باعتبارها وحدة اجتماعية أنه مهما تغير التنظيم الاجتماعي وتبدل بناؤه فالأسرة لا تزال وحدة ثابتة.. وهي أصغر انضمام اجتماعي وأقواه، وقد بقيت إلى أجل قريب مصدر الثروة في المجتمع وأداة توزيعها واستهلاكها. وينقل عن (الموجز في علم الاجتماع) أننا في الأسرة نتعلّم أبلغ الدروس الاجتماعية العملية، فنمارس فيها حقوقنا الشخصية وننشأ على قاعدة التملك.. ونتعلّم كبح جماح النفس وحسن السلوك والانقياد والخدمة والمعروف والواجبات المتبادلة. وفي الأسرة نرى بوادر الدين والأخلاق والتهذيب، وكل منها مطبوع بطابعها الدائم.
وإذا كان من المستحيل تعيين شكل الأسرة الأولى بالنص -حسب الشهبندر- وذلك أان التنظيم (العائلي) أمر سابق للتاريخ, فليس من المستحيل الوصول إلى هذا الشكل بالظن والتخمين والقياس.
وفي معرض تعليله لوظيفة الأسرة الكامن في تعاون الوالدين على تربية الأولاد، وهو أمر ذو قيمة حيوية كبرى في بقاء الجنس ـ كما يرى الدكتور الشهبندر. إذ وحده كاف من الوجهة الطبيعية للاحتفاظ بهذا التعاون وعض النواجذ عليه لأن الطبيعة حريصة على كل مامن شأنه بقاء الأحياء.
وفي سياق حديثه عن المرأة يقول: وإذا كنا من أكبر أنصار تحرير المرأة -وقد حررناها في بيوتنا فعلاً في أعصب الأوقات وحاربنا استعبادها كما نحارب أقسى أنواع الظلم والاستعمار- فهذا لا يمنع أن نكون من القائلين بأن الطبيعة حكمت على المرأة وعلى الرجل بتقسيم الأعمال، ووسمت كلاً منهما بوسم خاص للدلالة على هذا التقسيم, لذلك ترى في موقفنا الحاضر الميسور أن قطرة من اللبن تدرّ مع الحنان من ثدي المرأة في فم رضيعها خير من كومة من الإبريز تجمعها لتثبت بها احتقارها للأسرة واستغناءها عن الرجل. ويستطرد الشهبندر هنا بالقول موضحاً: وأرجو أن لا يستنتج القارئ من كلامي هذا أنني عدو عمل النساء في جميع الأحوال.. إننا نريد أن تعمل النساء ولكن في الحدود المستبانة من روح كلامنا وفي المنطقة التي تعينها لهن الخلقة والطبيعة. والقاعدة التي يمكن الركون إليها في هذا الصدد هي أن يكون عمل المرأة الخارجي هو لدفع الحاجة أكثر منه لجلب الثروة, ولا مراء في أن اشتراك النساء في الكثير من الأعمال التي اختصت بالرجل قد خيبت آمال أشد الناس اندفاعاً في تأييد هذا الاشتراك والدعوة إليه. وفي ختام حديثه في هذه الفقرة يحذر الدكتور الشهبندر من أن أفظع الكوارث التي تنصب على المجتمع البشري كائنة في أن يتخنث الرجل وتترجل المرأة.
ويرى أن نظرات الناس قد تغيرت في السياسة والتهذيب والعقيدة منذ جيل إلى اليوم تغيرا كلياً حتى صارت الصدمات القاسية التي كان يلاقيها بعض زعماء الإصلاح، أمثال الشيخ طاهر الجزائري في سورية وشكري أفندي الألوسي في العراق والشيخ محمد عبده أو قاسم بك أمين في مصر، أشبه بمداعبات ومهاترات منها بمواقف جدية, ذلك لأن الرأي العام أخذ في الاختمار وصار الطعن في الرجال للعقائد التي يدينون بها عن إخلاص سمجاً تأنفه النفوس.. ويضيف قائلاً: لا نخطئ إذا قلنا إن القضية انعكست وصار الاستسلام الأعمى للعقائد والنظريات التي درج عليها الآباء والجدود من غير تمحيص علمي عيباً يتجنبه النابهون, ومن أهم التطورات الفكرية التي استجدت في ميدان العلم ألاّ يقبل الباحث رأياً من غير أن يعرضه لمطارق الشك, وإذا نام المتقدمون على راحة اليقين فقد صحونا نحن على تعب الشك، لكن هذا الشك أدى إلى ما نراه من الانقلاب الخطير في العلوم المادية والمعنوية.
وفي فصل بعنوان (الدولة والحكومة والرعية) يعقد الدكتور الشهبندر مقارنة بسيطة ومستساغة مابين الأسرة والدولة، فيرى أن مما يسهل على القارئ الإحاطة بمعنى الدولة أن يشبهها بأقرب الأوضاع إليه وأعز الأوساط المتصلة به, أن يشبهها بالبيت الذي نما فيه والأسرة التي ترعرع في أحضانها. فالوالدان هما الحكومة والأولاد هم الرعية, والعادات والتقاليد المتوارثة هي الدستور, والبيت هو الوطن, ومن مجموعهم تتألف الدولة الصغرى وهي الأسرة. وكما أن هنالك أنواعاً من الإدارة (العائلية) كذلك هنالك أنواع من الإدارة الحكومية: هنالك أبوان شديدا الوطأة ظالمان يأخذان أبناءهما بالقوة وربما سخَّراهم لمنفعتهما الخاصة فقط. وهنالك حكومة ظالمة غاشمة تستثمر الرعية وتسخّرها لأغراضها كما يسخّر الفلاح الثيران لحراثة الأرض, وفي مقابل ذلك نجد سلطة أبوية حكيمة تستخدم نفوذها لهداية الأبناء والحصول على السعادة المنزلية, كما نجد حكومة صالحة تتخذ من سلطانها ذريعة لإصلاح الدولة. وهنالك أيضاً أسرة متفككة الأوصال يتآكلها الحسد ويهدم كيانها البغض المتأصل في الأعضاء، كما أن هنالك دولة مؤلفة من عناصر متنافرة لم تجمع بينها تربية صحيحة, يدس بعضها لبعض ويتجسس بعضها على بعض ولم يتفق أفرادها على شيء إلاّ السعي لهدمها والخلاص منها.
وفي معرض حديثه عن صلاح الأسرة في العالم العربي يرى إن إصلاح الأسرة في البلدان العربية (الناشئة) هو أهم توطئة للحصول على الحكومة الصالحة وأقوى ضمان لإمكان الاحتفاظ بالمجتمع على بنائه الحاضر من غير انقلاب خطير في أوضاعه، وإلاّ سقط حق الأسرة (الجاهلة) في الاستمرار على استبدادها بالأبناء واستقلالها بإدارتهم والإشراف عليهم. ويضيف الدكتور معللاً: وتكون الاشتراكية المتطرفة حينئذ على صواب في إصرارها على وجوب إنقاذ الأطفال من براثن الآباء والأمهات, لأن الدولة تكون صالحة على قدر الصلاح في أبنائها العاملين.
وخلال ضربه الأمثال عن فشل بناء الدولة العربية في زمانه يستشهد بالشريف حسين قائلاً: ومن أكبر البلايا التي أصيب بها الحسين بن علي, ملك الحجاز(حينذاك) وزعيم الثورة العربية, طمعه في أن يبقى (شيخاً زعيماً في القبيلة) يتناول الأشياء كبيرها وصغيرها بقبضة يده, مما كان سبباً عظيماً في انهيار ملكه.
يتطرق المؤلّف في فصول أخرى إلى المذاهب السياسية، بدءاً من جمهورية أفلاطون وانتهاء بشيوعية روسيا, ويفرد فصلاً خاصاً بالنهضة التركية في عهد كمال أتاتورك, ويختم الجزء الأول من كتابه بفصل يتناول فيه أصلح أشكال الحكم في العالم العربي.

عدد الزيارات
11046888

Please publish modules in offcanvas position.