فراس السواح: أصل الدّيانات السماوية

صورة ذات صلةالإسلام ليس إلا يهودية معربة! قد يبدو هذا القول غريباً بالنسبة للبعض ومرعباً بالنسبة للكثيرين. لكنها الحقيقة التي ينضح بها التاريخ! ذلك التاريخ الذي لا نقرأه. وحتى إن حدث وتصفحنا شيئاً منه، نعتبره مجرد أكاذيب وضلالات تدخل في إطار مؤامرة كونية على الإسلام une conspiration mondiale.
القول بأن الله قد أنزل اليهودية كديانة سماوية إلهية مخالف تماماً للحقيقة. فاليهودية هي ديانة خاصة بأحفاد إبراهيم من قبائل اليهود، أولئك الذين وعدهم الله بأرض كنعان (أرض فلسطين)، و هي ديانة خاصة بهؤلاء القوم و أحفادهم، و لهذا لن تجد مفهوم التبشير في اليهودية حتى اليوم، أما التوراة والتلمود فهي ليست كتباً منزلة من الله، بل كتبها أحبار اليهود إبان السبي البابلي على يد الملك العظيم نبوخذ نصّر الذي حاصر ودمر أورشليم jéruzalem و هدم المعبد الأول بين عامي 589 و 587 قبل الميلاد، و في هذا السبي أخذ نخبة القبايل اليهودية كعبيد معه لبابل، و هناك كتبت التوراة وجاءت مشبعة حد التخمة بروايات و أساطير وتفاصيل المرويات التي كان يتناقلها كهنة ورهبان عشتار ومردوخ وبعل وإنانا.. و هي كلها آلهة بلاد الرافدين التي توارثت عبادتها و تقديسها عدة حضارات مرت من تلك الأرض، وبقيت أساطيرها منتشرةً بين شعوب المنطقة منذ عهد السومريين. هاته الأساطير في مجملها هي قصة الطوفان والخلق الأولي و هي مأخوذة من ملحمة جلجامش gilgamesh وملحمة إينوما إليش كلمة بكلمة و سطراً بسطر.
بالنسبة للمسيحية فهي تاريخياً لم تكن ديانة، بل مجرد مذهب هرطوقي une doctrine hérétique منشق عن الديانة اليهودية . ولم تعترف به إلا قلة ضئيلة من الأتباع les adeptes . وهذا المذهب نفسه انشقت عنه عدة مذاهب و توجهات أخرى، و لم تنتشر هاته المذاهب خارج بعض مناطق الشرق الأوسط الموزعة بين شمال سوريا و جزء من باديتها عند مدخل الصحراء وشمال الجزيرة العربية . ولم تكن تُعرف حينها لا بالمسيحية ولا بالنصرانية. ففي الجزيرة العربية مثلاً سميت بالنسطورية نسبة للراهب نسطور. وفي مصر عرفت بالآريوسية نسبة لآريوس arius d'alexandrie 250/336 ميلادية . طيلة أكثر 3 قرون بعد تاريخ موت المسيح المفترض ظلت المسيحية ديانة شبه منسية في العالم ولا يؤمن بها إلا جماعات قليلة يتعرض أغلبها للاضطهاد والقتل والتنكيل من الرومان والفرس . ومن القبائل الوثنية. وكانت الديانة الميثرائية و هي ديانة هندو-إيرانية قديمة تنتشر أكثر من مذاهب المسيحية وذلك على امتداد العالم المعروف آنذاك، حيث وجدت معابد عديدة للإله ميثراس بدءً من شرق إيران ووصولاً لشمال إسبانيا، فرنسا، ألمانيا . وصولاً لإسكتلندا.. واستمرت الميثرائية كأكثر الديانات انتشاراً في العالم بين القرن الأول والرابع الميلادي . ولولا أن الإمبراطور الروماني قسطنطين constantin قد اختار المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية. وقام حينها بعقد مجمع نيقية le concile de nicée . إزمير حالياً . في العام 325 ميلادية لكي يضع الأسس الرسمية لهذه الديانة الجديدة. لما عرف العالم شيئاً عن المسيحية بكافة مذاهبها، و لظلت طي النسيان حتى اليوم. و قد دعا قسطنطين لهذا المجمع رهبان و قسيسين و كهنة يمثلون مختلف مذاهب المسيحية الموجودة في المناطق التي تقع تحت حكم الإمبراطورية الرومانية، و قد اجتمعوا طيلة أكثر من شهرين وهم يناقشون مختلف تفاصيل الديانة الرسمية الجديدة التي سوف يعلنها قسطنطين الأول، بما في ذلك حقيقة المسيح ومريم والولادة العذراء المعجزة. والحديث في المهد ونبوته و صلبه وقيامه من الموت. وصعوده للسماء son assomption وبعثه من جديد sa résurrection واللاهوت le côté divin . والناسوت le côté humain والثالوث المقدس la trinité . و بما أن روما كانت لا تزال وثنية païenne حينها . ويمتد حكمها بين القارات الثلاث، فقد جاءت شخصية عيسى المسيح خليطاً من عدة شخصيات نجدها في عدة ديانات في شكل أساطير تعود لآلاف السنين قبل مجيء المسيح المفترض مثل ميثراس، حورس، كريشنا، أدونيس.. و كلها تمثل آلهة وديانات كانت لا زالت موجودةً ومنتشرة بين الشعوب التي تحكمها روما آنذاك.. كما قام المجمع باختيار الأناجيل الرسمية الأربعة وأمر الكهنة والرهبان بمنع وإحراق باقي الأناجيل المنتشرة بين الناس les évangiles . وعند نهاية المجمع المسكوني أعلنت المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية (رغم أن قسطنطين قد بقي وثنياً حتى موته و لم يؤمن بها)، و هي في جزء كبير منها نفس المسيحية الكاثوليكية التي نعرفها الآن. مما يعني منطقيا أنه لولا أن إمبراطورا وثنيا كان يبحث عن توجه جديد يوحد به الإرادة السياسية و العسكرية لإمبراطوريته لما كان أحد قد سمع بها اليوم و لبقيت ديانة غابرة منسية في الزمن مثل آلاف المعتقدات التي عرفها البشر و طوتها صفحات التاريخ.
في مسألة الأناجيل يجب أن نحدد نقطة مهمة، فهي ليست كتباً مقدسةً نزلت بها الملائكة على عيسى المسيح ثم حرفت فيما بعد كما يخيل للمسلمين اليوم؛ بل هي في مجملها قصة حياة عيسى و كلامه وأسفاره كما كتبها رفاقه وحواريوه ورهبان كثر من بعدهم.. وفيها تفاصيل عديدة متناقضة وغير مترابطة أو متشابهة بين إنجيل و آخر.. وإلى جانب الأناجيل الأربعة الرسمية هناك عشرات الأناجيل الأبوكريفية des apocryphes الأخرى أي المحرّفة والمستبعدة بسبب عدم الاعتراف بها رسمياً! (راجع اكتشافات مخطوطات البحر الميت و مخطوطات نجع حمادي).
في مسألة الشعائر والأدعية والصلوات والقصص والروايات والتفسيرات الدينية للخلق الأولي.. نجد أن المسيحية تأخذ نفس التفاصيل عن اليهودية التي أخذت بدورها عن البابليين والسومريين والأكاديين .. والإسلام جاء في القرن السادس الميلادي وأخذ عن كل هؤلاء، و خاصة عن اليهودية فيما يخص التشريعات والأحكام المتشددة .
الحقيقة المرعبة في كل هذا هو أن علماء التاريخ والأركيولوجيا archéologie أو الحفريات . وبعد أبحاث وحفريات استمرت منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اليوم. لم يجدوا نقشاً واحداً أو بناءً أو قطعة عملة أو فسيفساء أو تمثال، او بوابة أو عمود واحد يتحدث نبي واحد من أنبياء اليهودية أو المسيحية كما جاء ذكرها في التوراة والإنجيل . وهم يجمعون اليوم رسمياً على كون قصص إبراهيم و إسحق وإسماعيل و يعقوب و موسى و غيرهم، هي مجرد أساطير تم تجميعها من مرويات أقدم توارثتها شعوب وقبائل الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والصغرى l'asie mineure . وهذا ما تؤكده دراسة الأناجيل الأربعة والأناجيل الأب..