nge.gif
    image.png

    باسل الأسد بين الحلم والحقيقة.. 26 عاماً على غيابه (محاضرة الدكتور بهجت سليمان)

    المحاضرة التي ألقاها الدكتور بهجت سليمان في جامعة دمشق / المدينة الجامعية، تأبيناً للرائد (باسل الأسد)

    [ بتاريخ 20 - 2 - 1994 ]

    بعنوان:

    أ باسل الاسد عهد وفاء البطل باسل الأسد بين الحلم والحقيقة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    يشرفني أن أتحدث إلى جيل الحاضر والمستقبل، شباباً وشاباتٍ، في موضوعٍ أثيرٍ إلى نفسي، هو ( البطل باسل الأسد بين الحلم والحقيقة )..

    غاب الأمل وبقي العمل، توارى الحلم واستقرت الحقيقة، سافر الرجاء صبيحة يومٍ شتائيٍ قاسٍ، بعد أن حمل إلينا وعداً بربيعٍ جميلٍ، يزخر بألوان الخضرة البديعة، وبزقزقة العصافير الرقيقة، وبضفائر صبايا الوطن وأمهاته، وبزنود شباب الأمة وأكتاف فتيانها، وبحكمة كهولها وشيوخها، وبابتسامة أطفالها وورودها.

    لقد نذر البطل نفسه لوطنه ولشعبه وأمته، وصمّم على أن يجدل من أشعة الشمس عالياً في قبة السماء، ومن ضوء القمر ومن مجرات النجوم، ومن جدائل عرائس الوطن وهامات رجاله المرفوعة، وهمم شبابه الأبية، أن يجدل منها، ومن خيوط الحقيقة، حلماً جديداً، وأن يصنع من الحلم حقائق جديدةً، تشرق منها صباحات جديدة، تحمل آمالاً واعدة، وأحلاماً كبيرة، وحقائق راسخة، وإنجازاتٍ جبّارة، تبني صرح الوطن الكبير، وترفع مداميكه، وترتقي بأبنائه ومواطنيه، إلى المكان اللائق بهم على أعتاب الألف الثالثة للميلاد.

    نعم، لقد غاب البطل، ولكنه لم يمت، وهل سمعتم في حياتكم بطلاً يموت؟، هل مات خالد بن الوليد، أو موسى بن نصير، أو عقبة بن نافع، أو صلاح الدين الأيوبي، أو سيف الدولة الحمداني؟؟.. إنّ هؤلاء الأبطال غابت أجسادهم، وبقيت أرواحهم وقيمهم وبطولاتهم ومآثرهم، مناراتٍ تهتدي بها الأجيال، وتتعلم منها ملايين البشر، جيلاً بعد جيل، إنّهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون، وأحياءٌ عند شعوبهم إلى يوم يبعثون، عندما يكون البطل تجسيداً للماضي، واستمراراً للحاضر، وضماناً للمستقبل الواعد، ثم يغيب فجأة دون سابق إنذار، فإنّ غيابه سيكون حتماً له وقع الصاعقة، لا بل وقع الزلزال، ويصاب الناس بحالة دوارٍ وأساً لا حدود لهما.

    لقد كان غياب البطل أشبه بهزةٍ أرضية في أعلى درجاتها، وذُهِل ملاين السوريين والعرب، مستشعرين حاجتهم الماسة، إلى وجود شخصٍ من لحمٍ ودم، يتجسد أمامهم في صورةٍ حيّة، يتحرك بينهم، ويعيش معهم، بمشاعره وجوارحه، ليستلهموا منه القيمة والمثال، وليعقدا عليها آمالهم، ولينيروا بها طريقهم إلى المستقبل.

    لقد كان الملايين من أبناء الجيل الصاعد، يرون في تعدد مواهب البطل باسل الأسد، دافعاً ومحرضاً لطموحاتهم المشروعة، فجاء غيابه المفاجئ، ليسلب من أبناء الجيل، الصورة المتجسدة للمثل الأعلى، التي يحتاج هذا الجيل أن تكون ماثلة دوماً أمام بصره وبصيرته، كي تدفعه وتحفّزه إلى تلمس مسؤوليته تجاه مصيره ومستقبله.

    ومع أنّ الكمال لله وحده، فإنّ الباسل كان متكاملاً في كل شيء، لقد كان كما قال عنه شقيقه الدكتور بشّار الأسد، مخاطباً إياه في الاحتفال التأبيني، قال: (أأذكرك أخاً عطوفاً، أم رجلاً حازماً، إنساناً مبدعاً أم عقلاً وقّاداً، فاعلاً للخير أم محارباً للخطأ والفساد، أأذكرك مخلصاً لعملك ووفياً لوطنك، أم أذكرك ممتطياً صهوة حصانٍ، أو موجة بحر، طياراً ومظلياً، أم بطلاً مغواراً، ما أذكره أنك كنت كل هذه مجتمعةً. )

    نعم، كان عظيماً حقَّاً، لقد انزرعت أفكاره ومُثُلُهُ ومبادئه وقيمه وسلوكه وتطلعاته، في أرض هذا الوطن الكبير، وفي عقول وقلوب ووجدانات الملايين.

    لم يترجل الفارس، لكنه صعد إلى عنان السماء، وبعد أنّ كان ينشر ظله على وطنه، من الأرض مباشرةً، صار ينشر ظله على وطنه وشعبه من السماء العالية، فصار الظل أكبر والفيء أشمل، ذلك أن عظماء الرجال يصنعون التاريخ في حضورهم وفي غيابهم، وعندما لا يقيد لأحدٍ منهم أن يصنع التاريخ وهو حاضر، فإنه يصنع التاريخ وهو غائب، ويصنعه بمهارةٍ ودقةٍ وروعةٍ، موشاة بلمسات السماء، التي لا تتوافر على الأرض، وكما خاطبه شقيقه ( الدكتور بشار ) ، قائلاً :

    ( سنجعل من مُثُلِكَ، مُثُلاً للجيل كله، وسنجعل من أخلاقك وقيمك، مدرسةً للشباب العربي، لأننا مؤمنون أنه بمثل هذه المثل والقيم، سيحقق العرب آمالهم وأمانيهم. )

    إنه عهد ووعد، قطعه الدكتور بشار على نفسه، باسمه وباسم الأسرة الصغيرة والأسرة الكبيرة التي تشمل الوطن كله، وعندما يتحقق هذا الحلم الكبير، نستطيع أن نقول حينئذٍ بثقة واطمئنان، أنّ البطل يصنع التاريخ حاضراً وغائباً.

    لا بل استطاع أن يواصل صناعة التاريخ، متقدماً إلى الأمام وهو غائب، بعزيمة ووتيرةٍ، قد لا تكون متاحةً عندما كان حاضراً بيننا، والبطل حينئذٍ، يُعَوّض غيابه عنّا، بحضور قِيَمِهِ وترسيخ مُثُلِهِ وأفكارِهِ وسلوكِهِ، لتبقى حيّةً بيننا، تدفعنا إلى مضاعفة الجهد، إلى تعميق الوعي، وإلى الإصرار على إيصال الرسالة التي نذر نفسه من أجلها، والتي هي رسالة القائد الكبير حافظ الأسد، ورسالة الأمة في الحياة والعزة والكرامة.

    لقد مرّ الباسل في تاريخ هذا الوطن، كالحلم الجميل الساطع، وعندما فارقنا تحول إلى حقيقة راسخة، رسوخ الجبال الراسيات، لا تهزها العواصف ولا الأعاصير، حتى ولا الزلازل والبراكين.

    قال مرةً: (لن يعود الفقراء والكادحون في هذا الوطن، عبيد التاريخ مرةً أخرى).. وهذا عهدٌ قطعه على نفسه، وتحول الآن وسيتحول إلى حقيقة، ذلك لأنّ مريديه وحاملي رايته، نذروا أنفسهم لتحقيق جميع ما كان يطمح ويعمل لتحقيقه.

    إنّ العقل نسبي، ولكن الوجدان مطلق، وملايين الناس هامت بالقائد الكبير حافظ الأسد، بوجداناتها وعقولها، ولذلك جاء ولاؤهم له مطلقاً، ولهذا سيبقى ولاؤهم مطلقاً له ولكل من يمرر يده الكريمة فوقه، أو يمنحه ثقته، أو يمنحه بركته، فحافظ الأسد هو النبع، ورجاله هم الجداول العذبة النقية الرقراقة المعطائة، وصحيح أن الجداول لا تعود ثانية إلى منبعها، لكنها بعد أن تنطلق من النبع، تروي ظمأ العطشى، وتسقى الزرع والضرع، ثم تصب في الأنهار والبحار الشاسعة والواسعة.

    كان الباسل باراً بوالديه، ويتحدث بخشوعٍ وإجلالٍ وإكبار لا يمكن وصفه عنهما، وعندما يرد ذكر القائد الكبير على لسانه، لا يقول عنه إلّا السيد الرئيس، وكلما قالها عشرات المرّات، كان يقول مرّةً واحدة الوالد، وحدث مرّةً أن تأخر عن موعد لقاء، فجاء بعدئذٍ ووجهه يطفح بالبشر، وعيونه تلمع فرحاً، وهو يعتذر قائلاً، أرجو المعذرة لأنني كنت مع الوالد، وأضاف قائلاً: وكما تعرفون فإن الجلوس مع الوالد فيه بركة.

    نظر البطل مرّةً من قاسيون إلى دمشق، وقال بحسرة: (أليس حراماً أن لا تكون دمشق المدينة الأقدم والأعرق في التاريخ، أجمل مدينة في التاريخ؟!. )

    وكان الهَمُّ الذي يؤرّقه ليل نهار، هو كيف يمكن أن تنتقل سورية إلى مصافِ الدول المتطورة، بل عالية التطور، تكنولوجياً وعلمياً واقتصادياً، كان حجةً في أي موضوع يبحثه أو يتطرق إليه، وهو يتسلح برأي سديد ووعي عميق وممارسة واعية ونشاط مسؤول وعمق في التفكير، وإصرارٍ لا حدود له على الإنجاز، كان سمح النفس، رحب الصدر، رقيقاً كالشَّفَق وهادئاً كالغسق، عميقاً كالليل، وثّاباً كالخيل، يتحلى بدماثة الخلق، ورهافة الحس، ويتمتع بالقدرة الفائقة على الحزم والحسم في سلوكه، كلما احتاج الأمر إلى فصلٍ وبت، وكان يعرف معادن الرجال بحق، ولا يمكن خداعه، ولا استدراجه، ولا استفزازه، ولا دغدغته، وكان البطل يتحلى بقوة الشخصية الهائلة، والذكاء والمعرفة والشجاعة، والحكمة والإباء، والتواضع وسعة الصدر، وكان يحمل بين جنباته، نبعاً فيّاضاً من الحب لأبناء وطنه، واحتراماً وحرصاً عميقين على خصوصيات الآخرين، ويتحلى بروح الدعابة الإنسانية، وبالعلاقات النوعية، وبالطموح الزائد.

    كان الباسل يزن بميزان الذهب، مابين الحزم والليونة، والصلابة والمرونة، والكبرياء والتواضع، كان كأبيه من صنف الرجال العظام، الذين يتحلون بكبرياء لا حدود له، لكنهم يفصلون بين الكبرياء والتكبّر، ويتحلون بتواضع لا حدود له، لكنهم يفصلون بين التواضع والإسفاف، ولذلك فهم يحتقرون التكبّر والإسفاف، ويتحلون بالكبرياء والتواضع، متصلين برباط لا ينفصم.

    كان البطل يحمل عقلاً ديناميكياً، وبصيرة نافذة، وإرادةً فولاذية، توظف كل الطاقات، وقدرةً هائلةً على ضبط النفس، كان حاد الذكاء، عميق المعرفة، واسع الاطلاع، في المجالات السياسية والفلسفية والاقتصادية والنفسية، وفي مجال علم الاجتماع، والعلوم الطبيعية، ناهيك عن العلوم العسكرية والرياضية، إضافة إلى متابعته الدائبة لآخر ما ينتج في مجالات الحاسبات الإلكترونية، كان قارئاً جاداً، وباحثاً متابعاً لما بين يديه، ويحمل عقلاً تحليلياً تركيبياً قلما يخطئ، وكان محللاً عميقاً للأحداث، وناقداً لا يرحم للأخطاء التي يمكن ارتكابها، في القضايا المبدئية والمسائل الأساسية.

    كان البطل يؤمن إيماناً مطلقاً بضرورة العمل القائم على العلم والمعرفة، ويؤمن بأنّ مَن يتخلّف عن ركب الحضارة البشرية، سوف يتجاوزه هذا الركب، إن لم يَسِرْ فوقه، كان يُبْحِر ويتبحّر في أعماق الأعماق، عندما يتناول موضوعاً ما، وكان لكل مقامٍ مقالٌ عنده، وكم من مرّةٍ انتابني الذهول واعترتني الدهشة، وأنا أنصت إليه بحبورٍ وغبطة، وهو يسترسل في الحديث، وكأنه يمتلك بساطاً سحرياً يصول فوقه ويجول، وأؤخذ بروعة كلامه وسحره وبهجته، يتقصى الجذور ويسبر الأغوار، ويغوص غوص العارف الماهر، ثم يعود من القاع إلى السطح منساباً، ويلخص ما قاله بزبدةٍ لا أروع ولا أجمل، بحيث تتمنى من أعماق أعماقك، أن تستطيع استظهار ما يقوله كلمةً كلمة، بل حرفاً حرفاً.

    كان يقرأ الأحداث، ثم يتأمل ويتأنى، ويقرر وينفذ ويتابع ويطور، لم يؤخذ مرةً بظواهر الأمور، بل كان باحثاً منقباً، يحلل الظاهرة، ويتحرى أسبابها العميقة، قبل أن يصدر حكمه بشأنها، كان يجسد روح العصر تماماً، فكراً ورأياً، وسلوكاً وطموحاً، وهدفاً وعملاً، - وروح العصر مصطلح معروف، جاء به المفكر الألماني الشهير غوتيه، ويقصد به مدى حجم ونوع العامل الاجتماعي التاريخي الثقافي الذي يستنبته ذلك العصر ويستنبط منه -..
    وكان يتحلى بكارزما هي أشبه ما تكون بكارزما أبيه، وأب الوطن، - والكارزما أيضاً مصطلحٌ عالميٌ شائع في أوربا منذ بداية هذا القرن وجاء به عالم الاجتماع الشهير ماكس فيبر، وكان المقصود به حرفياً، الكارزمية تعني روحي أو سحري أو شديد الجاذبية، والقائد الكارزمي، تعني القائد المُلْهِم والمُلْهَم، والذي يتمتع بشخصية آسرةٍ جاذبةٍ قادرةٍ على تجسيد معتقدات الناس ومبادئهم، والقائد الكارزمي ينظر إليه الناس، بنوعٍ من القداسة والإجلال، - إذاً كان يتحلى بكارزما أشبه ما تكون بكارزما أبيه، فهذا الشبل من ذاك الأسد ..
    كان بعضاً من أبيه، ولكنه البعض الأكثر التصاقاً، والأكثر قرباً، والأكثر تجسيداً، لما يعتمر في العقل الكبير الوقّاد، إنه كأبيه أنموذجٌ رفيعٌ للقائد الكارزمي، المتحضر والراقي والاستثنائي، والذي يجمع بين صفاته التحضر العالي، والثقافة العميقة، والحس الديمقراطي الرفيع، والوجدان الكبير، والعقل المبدع.

    كان الباسل مجدداً مبدعاً، وكيف لمن يمثّل روح العصر، أن لا يسبق زمانه لملاقاة العصر القادم، ولذلك كان يؤمن بأنه عندما تصطدم الإيديولوجيا مع الواقع، فإنها ستتهشم لا محالة - والإيديولوجيا معروف معناها جيداً، ولكن معناها الفعلي، هي نسق من الآراء والأفكار والنظريات، السياسية والحقوقية والأخلاقية والدينية والجمالية والفلسفية، بهذا المعنى نقصدها هنا - ولذلك كان يؤمن أنّ الإيديولوجيا عندما تصطدم مع الواقع، فإنها ستتهشم لا محالة، وكلما كابرت ازداد حجم الخسارة، إمّا إذا أحاطت بهذا الواقع، وأدركته بعمق، ووَلَّدَن أفكاراً جديدةً، تتناسب مع تطور هذا الواقع، فإنها ستحافظ على كيانها سليماً، لا بل تستطيع هذه الإيديولجيا حينئذٍ، أن تبقى وقوداً ومحركاً لصنع المستقبل، بطريقة فعّالة ومثلى.

    كان البطل يؤمن إيماناً عميقاً بالحديث الشهير القائل، للمجتهد أجران، إن أصاب، وأجرٌ واحدٌ إن أخطأ، ثم يعقّب عليه قائلاً: ولكن علينا أن لا ننسى، أنّ للاجتهاد في أيّ مجالٍ، أصوله ومقوماته، ومَن يخرج عليها لا يكون مجتهداً أبداً، ذلك أنّ المجتهد ينطلق أولاً من ولائه للفكرة التي يعمل على الاجتهاد من داخلها، ويضع هذه الفكرة ثانياً في ظروفها الصحيحة، وإطارها الموضوعي مكاناً وزماناً، وأنّ يمتلك ثالثاً الأرضية الفكرية والعملية والثقافية، التي تؤهله لكي يكون مجتهداً، ويضيف الباسل قائلاً: وأن تكون المصلحة العليا، هي نبراسه وهدفه، وأن يجترح باجتهاده مسالك جديدةً، تفتح أبواباً لم تفتح من قبل، وبما يخدم المسار الجوهري، ويسهل مسار حركته، وليس بما يشكّل ثقلاً، وعبئاً عليه، أو يزيده تعقيداً، أو يكبّل حركته.

    وكان البطل يؤمن بأنّ على مَن يعمل في المجال العام، أن تكون عيناه مفتوحَتَين دائماً وأبداً، على الواقع، وعلى ما يمور في هذا الواقع، من خلال ارتباطه بالماضي أولاً، وعلى أوجه احتمالات تطور هذا الواقع في المستقبل ثانياً، وأن تبقى آذانه مصغيةً، ليس لما يقوله الأصدقاء فقط، بل لما يقوله خصوم الوطن وأعداؤه، ولكل ما يقوله المحايدون، ممن لا مصلحة مباشرة لهم، سواء في التجني أو المداهنة، وكان البطل يؤمن بعمق، أنّ المداهنة ليست تعبيراً عن الولاء، ولا عن الحب، وأنّ أقصى درجات الحب والاحترام، هو الموقف الصادق الحريص، والعمل الصادق الصامت، وأنّ الحب الحقيقي، تترجمه الأفعال أولاً، والأقوال النابعة من قناعةٍ عقليةٍ ووجدانيةٍ ثانياً، يمارسها صاحبها في غياب المعني بهذا الحب، قبل حضوره، وبأسلوب بعيدٍ عن المباهاة والاستعراض، وتقديم أوراق الاعتماد، ويعتبر التملّق والنفاق والمداهنة مواقف خادعة، أمّا المجاملة والإطراء والدماثة واللطف والتنويه بالإيجابيات، والعرفان بالجميل، فهي عنده مواقف إنسانية صادقة، لاغنى عنها، وينظر إلى الولاء لقضية ما أو رمزٍ ما، على أنه الإخلاص بالعمل أولاً، والصدق في القول ثانياً، والاحترام العميق للنفس وللآخرين، ثالثاً.

    قال البطل مرّةً : إنّ الحياة تسير إلى الأمام دائماً، حتى لو تخللتها فترات توقف أو تراجع، لكمن ما تلبث بعد حين، أن تنهض لتتابع مسارها، بهمة الرجال، وعزيمة الأبطال، وأضاف: ولهذا فإنّ كل جيلٍ جديد، يسير خطوات أخرى على طريق الحضارة، ويرتقي درجات أعلى على سلم التطور، ولا يكفي بما أنجزته الأجيال السابقة، بل يضيف إليها إبداعاته وعطائاته هو، ويقدمها للأجيال اللاحقة، ثم يتساءل؟، وإلا فكيف تطورت المجتمعات البشرية، إلى هذه الدرجة التي هي عليها الآن.

    كان البطل يؤمن بأن منطق هذا العصر، عصر ثورة الاتصالات والمواصلات والمعلوماتية، يفرض نفسه على جميع من في هذا الكون، ويلزمهم تحت طائلة دفع الثمن غالياً، ألا يقفزوا فوق قوانين هذا العصر ومسلماته، ويؤمن بأنه عندما تنهار القيم أو المثل العليا لدى فردٍ أو مجتمع ما، فإنّ كل شيء ينهار..
    وكان يقول : ليس هناك ما هو أسهل من توجيه الانتقادات، إنها في غالب الأحيان لا تكلّف صاحبها أيّ جهد، ووحده من يعمل، يحق له أن ينتقد، وكان يعتقد بأنّ قوة المثال، هي أوقى قوّةٍ تعليمية وتوجيهية على وجه الأرض، ولذلك ضرب المثل لا بل الأمثال بنفسه، وكم قال البطل: علينا أن نكون دقيقين في تناولنا للأمور، وأن نبتعد عن الخفة واللا مسؤولية، وأن لا نخلط بين الممكن وغير الممكن، وبين الواقع والخيال، وبين المتاح وغير المتاح، وبين الأكثر أهمية والأقل أهمية، لأنّ مَن لا يعمل وحده الذي لا يخطئ، وكم من مرةٍ أكّد بأنه لا توجد حلول بسيطة في مثل هذا العالم، لمشاكله المعقدة، وأنّ من يعتقد ذلك، يكون إمّا حالماً أو واهماً.

    كان الباسل يقول لمخاطبه : مَن يحادث عقلك، يحترمك، ومَن يخاطب قلبك، قد يحبك، وقد يشفق عليك، أمّا مَن يخاطب غريزتك، فهو وبدون شك، يحقد عليك، ويحاول جرّك إلى أسوء العواقب، خدمةٍ لمصالحه وأغراضه، ويضيف: إنّ الخطاب الموجه للعقل، هو الأفضل، ولو كان الأصعب، وخطاب القلب هو الأسلس، أمّا خطاب الغرائز، هو الأسهل، ولكنه الأكثر ضرراًربما تحتوي الصورة على: ‏‏٥‏ أشخاص‏.

    وكم ردّد البطل قائلاً : إنّ السياسيّ الذي يصاب بالمرارة، لأنّ ما يرغب بحدوثه لم يحدث، ليس سياسياً، بل هو طوباوي، والسياسي الذي لا يرى إلّا من نافذة رغباته وأشواقه، ليس سياسياً، بل هو حالم، ويضيف: إنّ الرجل الحضاري، يتميز باحترام الوقت، والنظام، والعمل، وأنّ من يحترم هذا الثالوث ويلتزم به، يحترم نفسه، ويكون جديراً بالاحترام، ولذلك كان الباسل يسابق الزمن دائماً، بل ويستثمره، ويعتصره اعتصاراً، ولا يترك دقيقةً تمر، دون أن يقدّم شيئاً جديداً ومفيداً، وكم تمنى أن يكون اليوم 48 ساعة بدلاً من 24 ساعة، كي يكون عطاؤه اليومي مضاعفاً، ووافراً.

    كان البطل يقول: ليس هناك ما هو أسهل من الحديث عن الأهداف العريضة، والغايات الكبيرة، والقيم النبيلة، لكن ليس هناك ما هو أصعب من إيجاد الوسائل الكفيلة، بتحقيقها أو تحقيق بعضها، وأنّ هذه مهمة الشرفاء، في كلِّ زمانٍ ومكان، وأشار مرةً قائلاً: على المثقف الحقيقي، صاحب الإحساس العميق بالمسؤولية، إلاّ يكتفي بالحديث عن المبدئيات، وألا يقتصر حديثه عن العموميات، أو على ما هو خارج سياق الواقع الجديد في هذا العالم، وإلّا تحوّل حديثه من حيث لا يقصد، إلى مجموعة مجردات لا تقدم أيّ ذخيرةٍ أو عونٍ لمن يريد التصدي لهذا الواقع الراهن، والتعامل معه، لترويض ما يمكن ترويضه، ولمواكبة ما لا بُدّ من مواكبته، والالتفاف حول ما يمكن الالتفاف حوله، ويتابع البطل قائلاً:
    إنّ المثقف ليس عابر سبيلٍ، كي يقول كلمته ويمشي، بل هو جزء عضوي في جسم هذا الوطن وروحه، وعليه أن يقول كلمته ويدافع عنها، ويضحي من أجلها، عندما تقتضي الضرورة، لكي يكون جديراً بلقف المثقف الحقيقي.

    وكم تحدث الباسل بإعجابٍ وفخر، عن سياسة سورية الأسد، فقال مرّةً: سورية الأسد لم تندلق مع المتغيرات العالمية الدراماتيكية، فتحاشت الضياع والفوضى، ولم تنغلق على هذه المتغيرات، فصانت شعبها من الاهتزاز والتأرجح، ولكنها تكيّفت مع ما لا مفرّ من التكيف معه، وكيّفت كل ما يمكن تكييفه مع نهجها المبدئي، وخطها القومي، وسياستها الوطنية، وأضاف قائلاً:
    مخطئٌ من لا يرى ما جرى ويجري في هذا العالم، ولكنه يكون مخطئاً أكثر إذا انساق معه جرياً مع القطيع، ثم يضيف البطل قائلاً، من الدعائم الرئيسية لمدرسة حافظ الأسد، أنها تقوم على فن الصدق مع الذات، ومع الشعب، وعلى فن المناورة، بأرقى درجاتها، مع الخصوم والأعداء، وعلى فن الممكن في السياسة، لاستخلاص جميع ما يمكن استخلاصه، في الظروف الدولية والإقليمية المحيطة، ولكن ليس أيّ ممكن، بل الممكن الأكثر صعوبةً والأكثر قدرةً، على تحقيق المصالح العليا، والطموحات الوطنية والقومية،

    ويضيف الباسل : من يفهم ويتفهم بدقة سياسة الرئيس حافظ الأسد، ويستوعب بعمق مدرسته الفكرية والنضالية، يحصّن نفسه من الخطأ، ويمتلك بوصلةً دقيقةً، يحدد من خلالها الاتجاه الصحيح والسليم دائماً، بحيث يصبح قادراً على السير، بثقة واطمئنان، وعلى العمل بجدية وإخلاص، مندفعا نحو المستقبل المشرق الزاهر.

    ويتابع البطل قائلا: علينا أن نفرّق بين حرق المراحل، وتكثيف المراحل، ذلك أنّ سياسة حرق المراحل، ثبت عدم نجاعتها، لأنّها محاولةٌ للقفز فوق التاريخ، وفوق عوامله الموضوعية والذاتية، وتؤدي من حيث النتيجة النهائية، ومهما طال الزمن، إلى الانتكاسة، أمّا تكثيف المراحل أو ضغطها، فيعني، أخذ جميع العوامل التاريخية في الحسبان، واستثمار الحاضر والواقع الراهن، استثماراً كاملاً وصحيحاً، بجميع طاقاته وقدراته القائمة والكامنة، دون تبديد أو هدر أيّ شيئٍ منها.

    وقال مرّةً: إنّ الزمن لا يلعب لصالح أحد، ولكنه يلعب فقط لمن يجيد ويتقن فن اللعب به، وتوظيفه بمهارةٍ وعقليةٍ، لصالح القضية التي يؤمن بها.

    ويتابع البطل قائلاً: إنّ علم الكلام، مهما كان فصيحاً وبليغاً، لا يسعفناً كثيراً في تحقيق الرغبات، والطموحات العادلة والمشروعة، ولكن علم العمل المترافق مع الوعي والخبرة والواقعية المبدئية، هو الذي يحصننا من مختلف المحاولات الهروبية، سواء ما كان منها إلى الأمام أو إلى الخلف، ويحمينا من عمليات الخلط بين المستحيل والممكن والواقع الراهن، وينير لنا طريق الواقع القائم، إلى واقع أرقى وأفضل من سابقه، ويمهّد لنا الطريق في خطوةٍ لاحقة، لنجعل من المستحيل ممكناً، من خلال مراكمة التغيرات والتغيرات والتبدلات، وصولاً إلى الزمان التي تصبح فيه هذه التطورات، قادرةً كمّاً ونوعاً، على تحقيق المصالح العليا، وطموحاتنا الوطنية والقومية.

    كان يُقْلِق البطل كثيراً مستقبلُ أمته وشعبه، ولكن كان يفرق دائماً بين القلق الخلّاق، والقلق المكبّل الأسر، بين القلق المثمر، والقلق المستهلك، بين القلق الإيجابي والقلق السلبي، بين قلق الشجاع وقلق المرتعد، وكان يقول :
    إنّ التطور الحقيقي القادر على صنع المستقبل المشرق دائماً، يحتاج أولاً إلى الإيمان بقضية ومثل أعلى، والتفاني من أجل انتصارهما، وثانياً إلى زعيم مُلْهَمٍ وملهِم، وثالثاً إلى قادةٍ وكوادر قدوة في الديناميكية، وروح المبادرة، والحسّ بالمسؤولية، وتجانس القول والفعل لديهم.

    وكان الباسل يؤكد قائلاً: إنّ الكثير من البديهيات، صحيح تماماً من وجهة نطرٍ تاريخية، لكن التعامل معها من منظور الفقه السياسي، الممارسة السياسية، أمرٌ يحتاج إلى ما هو أكثر من استظهار البديهيات، ويضيف قائلاً: إنها مسألة معقدة، تستدعي أن تؤخذ بالاعتبار عشرات لا بل مئات الوقائع الموضوعية والذاتية الماثلة والجاثمة، أمّا المنظور التاريخي، فيبقى تاريخيّاً أولاً، ومستقبلياً ثانياً، أمّا الحاضر فهو الجسر بين الضفتين.

    كان البطل يقول: إنّ التاريخ صراع إرادات حقّاً، لكنها ليست الإرادات العالقة في الهواء أو العائمة في فراغ، بل الإرادات الواعية الفاعلة، في سياق المعطيات والظروف الذاتية والموضوعية، وكان البطل يحذّر دائماً من تداعي روح المجابهة، ويعتبر أنّ تحديات الحياة المعقدة، تتطلب الاستجابة لها، بروح المجازفة المحسوبة، ويحذّر من روح الاسترخاء، والتسليم بالأمر الواقع، وينادي بأنّ الانحناء للعاصفة، لا يعني الانبطاح أمامها، وإلاّ فإنّ الأقدام ستدوس المنبطح حكماً، وعلى من ينحني للعاصفة، أن يرفع رأسه فور مرورها.

    وكان يقول: إنّ الحق الذي لا تدعمه القوّة مصيره إلى زوال، وإنّ القوّة غير المستندة إلى الحق، مصيرها التلاشي، مهما طال الزمن، ولذلك كان البطل يؤكد على ضرورة بناء القوة الوطنية والعربية، والارتقاء بها إلى مستوى ، أصالة الحق العربي، بحيث تستطيع حماية هذا الحق، والدفاع عنه، في مواجهة جميع التحديات.

    كان الباسل شمعةً تحترق وتذوب من أجل الآخرين، وكانت حيويته دافقةً، وقدراته على الحركة الفاعلة والنشاط والعطاء والإبداع، لا حدود لها، وكم كان يشعر بالرضا عندما يرى إنساناً يشعل شمعةً بدل من أن يلعن الظلام.

    قال الصحفي العربي اللبناني الكبير طلال سلمان: لقد كان باسل الأسد يزيد من رصيد الوالد الرئيس، لقد أضاف إلى الرصيد ولم يسحب منه، كي يعيش عليه، صدقت يا أستاذ الصحافة العربية.

    وكم كان الأديب والإعلامي العربي العراقي حسن العلوي معبراً عندما قال ، قبيل معرفته بالبطل : كم هو سعيدٌ من كان أبوه حافظ الأسد، وعندما قال بعيد لقائه بالبطل: كم هو سعيد ذلك الأب الذي أنجب ابناً كباسل الأسد.

    وقال شاعر دمشق الكبير نزار قباني في رثاء البطل:
    لقد ذهب باسل إلى السماء، لأنّ السماء بحاجةٍ إلى فارسٍ نبيلٍ وجميلٍ وشجاعٍ مثله، ولا قدرة لنا يا سيدي الرئيس على التدخل في خيارات السماء.. صدقت يا نزار العرب فيما تقول.. لكننا نقول لك: إذا كانت السماء نفسها بحاجةٍ إلى الفارس النبيل الجميل الشجاع، فكم هي حاجة الأرض وحاجة هذا الوطن الصغير، إليه وإلى أمثاله.

    فَدَتْكَ نفسي يا رفيقي وصديقي الغالي، كما كنت أحب أن أناديك دائماً، وكنت تبتسم كلما سمعتني أناديك هكذا، ولكن ما حيلتي، والأمر فوق طاقة البشر، فدتك نفسي وعشرات الألوف من محبيك ومريديك، تمنوا لو افتدوك بأنفسهم، وعداً وعهداً أن الوجد الصوفي الذي خبأته لك بين ضلوعي، سيبقى إلى أن ألحق بك في الدار الآخرة، لا بل سوف تتسع مساحة هذا الوجد وتتعمق، حتى تسبقني أنفاسه وزفراته إليك، وأنت في عليائك السماوية.

    نعم لقد وقعت الصاعقة وأحرقت ما حولها، والآن علينا وفاءً للبطل، وعرفاناً للباسل أن نرمم ما أحرقته، وأن نبني ما هدمته، وأن تزرع ما عصفت به.. لقد وقع الزلزال، ودمّر ما دمّر، والآن علينا أن نضاعف العمل والجهد والتآخي والتحابب واليقظة والحذر والاستعداد، وإعمال العقل دائماً وأبداً.

    إنّ الأمة وهي ترنو إلى السيد العالي، بأبصارها وبصائرها، بقلوبها وأفئدتها، تتضرع مبتهلةً إلى الله جلّ جلاله، أنّ يعمّر القائد الكبير بعمر نوحٍ عليه السلام.

    وعندما غاب الأمل بزغت تباشير أملٍ آخر، ليمنح العمل معنً وقيمة، وليرفده بالمثل والرمز والهدف والغاية، أمّا ربّ العمل فلا زال كالنسر الشامخ على ذرى قاسيون، يفيض حيويةً وعزيمةً وعطاءً، على شعبه وبنيه وأمته، إنه في ذروة عطائه، ويحمل في أعماقه مبدئية علي، ودهاء معاوية، وإباء صلاح الدين، وعنفوان سيف الدولة.

    فالأسد ينجب أشبالاً، وإذا كان الشبل الأول قد غاب عن عيوننا، فالله يبلو ويعين، ومن نعم الله على هذه الأمة، إنّ الشجرة المباركة، أفرعت أغصاناً عديدة، وإنّ العاصفة التي كسرت الغصن الأول، هي نفسها التي دفعت الغصن الثاني لكي يقتحم رابعة النهار، وليتنكب الأعباء التي تركها له، وليظهر على الملأ، بعد أن كان معتكفاً في محراب العلم، والطب والأدب.

    لقد أحب الناس الطيبون العاديون، باسل الأسد، لأنه نجل حافظ الأسد، ثم أحبوه بعدما عرفوه، لأنه باسل الأسد، ثم أحبوه أكثر فأكثر، لأنه رأوا فيه رمزاً وضمانةً لاستمرار واستقرار الخط العربي النضالي الشامخ، الذي أرساه القائد الكبير حافظ الأسد.

    ومن هنا اندفعت الجماهير في أسبوع التعزية، بعفوية صادقة نحو بشار الأسد، لأنه نجل حافظ الأسد أولاً، ولأنه شقيق باسل الأسد ثانياً، ولأنها ترى فيه ضمانة ورمزاً منشودين، لاستمرار واستقرار نهج حافظ الأسد ثالثاً، وليتلقف الراية من يد شقيقه، وليسير بها في طليعة المؤمنين الراسخين، بثبات وعمق نهج وخط ومسيرة حافظ الأسد النضالية، وقد عاهدته مئات الآلاف بعقولها ووجداناتها، على أن يجعلوا من دموعهم السخية على فراق الباسل، أنهاراً وجداول تصب في طاحونة العمل والكفاح، لتخليد قيم البطولة والنضال، التي أرساها القائد الكبير حافظ الأسد.

    والمستقبل قادم، ولسوف يتعلق الجيل أكثر فأكثر ببشار الأسد، لأنه ينطلق من أرضيةٍ أصلب من صخور الصوان، ويستند إلى تاريخ حافظ الأسد العملاق، وبطولات باسل الأسد وأخلاقيته الرفيعة ومناقبه السامية، وسيتنكب كل هذا التراث النضالي العريق، الحافل بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي، والمجبول باللحمة الوطنية، والمتشرب بالعدالة الاجتماعية..
    ومن هنا، فإنّ جماهير الشعب تضع في حدقات عيونها، وفي شِغاف قلوبها من يتمثل هذه المدرسة وهذا النهج وهذا الخط، الذي حفره القائد الكبير حافظ الأسد، في صخور هذا الوطن عميقاً، وفي ترابه وسهوله وبواديه، ورسخّه في الساحة العربية والدولية، وتعمّد هذا الخط بدم الشهيد الحي باسل الأسد الوعد المأمول، والذي كان تلقائي الفطرة، والسجية التي صقلها وحصنّها في مدرسة أبيه، ومدرسة الشعب.

    وتلقائيته تختلف عن الإعداد المنهجي المدروس، الذي تحدثت عنه مئات التقارير الإعلامية والدبلوماسية، وعندما غاب الباسل، حدث فراغٌ كبير، ليس من حيث الأداء والدور الذي كان يقوم به فقط، بل الأهم من ذلك، بل من حيث تقديم المثل الأخلاقية أولاً، والمثل الحضارية التي تجسد روح العصر ثانياً..
    وكان تعويض الفاقد المثالي هو أول ما شغل ملايين الشباب، فاندفعوا بعفوية لا أروع ولا أبها، صوب الشقيق الثاني بشّار الأسد، وذلك لأنّ جيل الأبناء بقدر ما هو محتاج لكي يكتسب قيم جيل الآباء وخبرتهم، يحتاج أكثر إلى استلهام رؤى المتفتحين والنابغين من جيله هو، وهكذا جاء وفاء ملايين الشباب للشهيد الحي، من خلال تشبثهم بالشقيق الثاني بشار الأسد، يدفعهم نبض الشباب وحرارة دمه وصدق طويته وسلامة حدسه، وليجعلوا من بشار رمزاً جديداً لهم، ينتظرون منه أن يترجم رؤاهم وآمالهم إلى سلوكٍ حياتي يومي، وإلى أفعالٍ هادفة.

    لقد شاهدت الدكتور بشار على الطبيعة، عندما حمله عشرات آلاف المعزين، ورافقه بضعة حراسٍ، فأمرهم أن يبتعدوا، قائلاً لهم : من يحرسه الشعب لا يحتاج إلى حراسة، وعندما حاول الحراس مرةً ثانية الاقتراب منه، صرفهم كلياً، وأصَرّ إلاّ أن يبقى وحيداً، لساعات طوال بين عشرات الآلاف الأخرى المتتابعة من الجماهير، التي حملته مئات الأمتار، وهي تهتف للقائد الكبير، وللشهيد الحي باسل الأسد، وللنجل الثاني بشار الأسد، وعندما وقع أحد المواطنين أرضاً، وضاق نفسه، نزل الدكتور بشار الأسد من على أكتاف الجماهير، وأخذ يفحصه طبياً، ويجس نبضه، ويستمع إلى دقات قلبه، واطمئن عليه، وطلب إسعافه فوراً، إلى أقرب مركزٍ طبي.

    وبعدئذٍ تحدث الدكتور بشار الأسد قائلاً:

    علينا أن نختزن آلامنا وأوجاعنا، ثم نصعدها إلى طاقاتٍ هائلةٍ خلّاقة، ونفجرها ينابيع عطاءٍ وشلالات محبة، وجداول عملٍ وبذلٍ شاق، كي نسير على الدرب الذي سار عليه باسل، وكي نحقق رسالته التي هي رسالة أبيه من قبله، ورسالة الوطن والحزب والشعب، وأنه بقدر ما نساهم جميعاً في حمل الرسالة، فعلاً لا قولاً، وعطاءاً لا أخذاً، وتضحيةً لا كسباً، بقدر ما نكون أوفياء لباسل، وصادقين في حبه، ومخلصين لذكراه الطيبة بيننا، دائماً وأبداً.

    وقال الدكتور بشار في وقت آخر:

    إنّ باسل كان شخصاً منكم، ثم صار رمزاً، وتحول الآن إلى قضية، هو جزءُ من القضية الكبرى، التي نذر السيد الرئيس نفسه وتاريخه، لرفع رايتها وإعلائها، وبقدر ما نستظل هذا الرمز، ونحمل هذه القضية بين جوانحنا، وفي حدقات عيوننا، ونبذل الغالي والرخيص لتثبيتها وترسيخها، وانتصارها واستمرارها، بقدر ما نبرهن أننا أوفياء مخلصون، لروح باسل الأسد ..
    ولعلنا نتذكر ما قاله رئيس الدولة العظمى الوحيدة في هذا الكون حالياً، الرئيس كلينتون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، معترفاً بالمهارة الخارقة التي يتمتع بها الرئيس الأسد، في تعليم فن القيادة والسياسة والتربية، حيث قال كلينتون:
    لقد تمكنت من أن أتعلم من الرئيس الأسد أموراً كثيرة، وأشاد بقوة احتماله وصبره وطاقته، وبراعته السياسية، وقدراته الأسطورية، بل وأعرب عن أمله في أن يقبل الرئيس حافظ الأسد، دوراً قيادياً للجانب العربي في عملية سلام في الشرق الأوسط..
    والسؤال هنا، إذا كان رئيس أقوى قوّة في العالم، أستطاع خلال خمس ساعات ونصف فقط من لقاء الرئيس الأسد، أن يتعلم الكثير منه، فكم هو حجم ما تعلمه باسل الأسد، طوال أكثر من ثلاثين عاماً، وكم هم حجم ما تعلمه وما سيتعلمه كلٌّ من الشبلين الآخرين، بشارٍ وماهر، واللّذَين هما بالفطرة والسجية، بعضٌ من حافظ الأسد، لا بل البعض الآخر النبيل والعريق والمتفرد.

    وعندما قال الأديب الدكتور علي عقلة عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب، مخاطباً القائد الكبير، قائلاً:
    إنّ الحصان يحمحم يا سيدي الرئيس، ينتظر نجلاً آخر من أنجالك كي يمتطي صهوته.. كان أديبنا يعبّر أصدق التعبير عما يختلج في ضمائر وعقول ووجدانات ملايين المواطنين، الذين وضعوا أيديهم على قلوبهم، خوفاً من أن تبقى صهوة الحصان السائر نحو المستقبل شاغرة، ونهض بشار الأسد ليمتطي صهوة حصان أخيه، وها قد بدأ الفارس والفرس، يسيران بثقة وتؤدة، صوب المستقبل..

    هذا الفارس العربي بشار الأسد، يجسّد تماماً يفاعة أبيه، وهدوءه وعمقه ورزانته ووقاره، وحتى قامته المديدة، وملامحه وتقاطيعه.. لقد كانت تلك العواطف الجيّاشة والنبيلة والفيّاضة، لجموع الشعب في الوطن الكبير، شكلاً من أشكال التماهي مع القائد الكبير، كانت تعبيراً عن التواصل الأبدي، معه، ومع ما يقوله، ويفعله، ويشير إليه، كانت نوعاً من الإصرار على التشبّث بمستقبلٍ، يكون استمراراً للحاضر، وكانت استفتاءاً جماعياً وفردياً، على التسليم الواعي المؤمن، بمدرسة حافظ الأسد، ونهجه وخطه، وخياره ومسيرته، منذ الآن وإلى يوم يبعثون.

    لقد ظهر الوطن بملايينه الأربعة عشر، سبيكةً واحدةً في حضرةٍ وجدانيةٍ، رفيعة المقام، أمام هول المصاب الجلل، لقد ساهمت أيها البطل حاضراً في تعميق اللحمة الوطنية واللحمة الاجتماعية، وساهمت غائباً في تلاحم الوطن والشعب والقائد، بحيث صاروا سبيكةً واحدة، فحققت اللحمة الوطنية في ذروتها القصوى، وحققت التلاحم العربي الذي نتلهف لاستمراره دائماً، وحققت التآخي الإسلامي في أنقى وأبهى صوره، فلله درّك أيّها الشهيد الحي، حاضراً وغائباً، في السرّاء والضرّاء، تمنحنا الأمل والقوة، والتماسك والتلاحم، والإرادة والعطاء..وكما أنّ قدر الرجال العظماء، أن يكون مصابهم عظيماً، فإنّ قدر العظماء أن يحوّلوا مصابهم العظيم إلى إنجازاتٍ أعظم.

    لقد كانت أمواج البشر الهادرة والحزينة، على امتداد الوطن الكبير، تعبّر بأعدادها الهائلة، عن طريقةٍ فريدةٍ لتقديم نفسها لقائدها، إنه التفاف جماهيري عاصف، حول القائد الكبير، ليس بسبب المصاب الجلل فقط، بل بسبب ما يراه الناس ضرورةً لتأكيده في كلِّ مناسبة، حزينة كانت أم سعيدة، وهو إصرارهم على مدرسة حافظ الأسد، وتمسكهم بنهجه، وخطه، ومسيرته، واستماتتهم في سبيل إعلاء راية الأمة، والدفاع عن شرفها ومصيرها..
    فأين هي الأقلام والمحطات والإذاعات التي تتحدث عن الديمقراطية، فليتعلموا وليشاهدوا الديمقراطية الحقيقية، التي تجسدت بروعتها وكمالها، ونقائها وشكلها الجوهري، والحقيقي والصادق، والذي لم تزيّفه التقنيات، والحسابات والحرتقات، واللوبيات السياسية الضاغطة، إنّها الديمقراطية المباشرة، أشبه ما تكون بالديمقراطية بمنبعها الأصلي، في اليونان القديمة، وأشبه ما تكون بالديمقراطية المطبقة حالياً في سويسرا، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروف وخصائص كل بلدٍ، والزمن التاريخي الذي مرّ ويمرّ فيه، لكنّها الديمقراطية المباشرة ، دون رتوشٍ ولا مساحيق، وهي التعبير الأصدق الذي لا يداخله زيف، ولا يلحق به حيف.

    وكما يرى الناس في قائدهم تجسيداً لطموحاتهم وآمالهم، فإنّهم يستشعرون فيه كإنسانٍ من لحمٍ ودم، مصباً لعواطفهم ومشاعرهم الوجدانية، والتي تندفع أحياناً كثيرةً، نحو آفاقٍ موغلةٍ في العمق، بحيث اختلطت مشاركتهم الوجدانية له، في مناسبةٍ حزينة، بإشفاقهم على أنفسهم، من مصيرٍ مجهول تتخيله هواجسهم ومخاوفهم، في ظرفٍ كهذا.

    وللحقيقة والتاريخ، فإنّ حزن جميع المحافظات السورية على الشهيد البطل، كان عميقاً وكبيراً ونبيلاً، لكن حزن دمشق كان بالإضافة لذلك، حزناً يدرك عمق المسؤولية، ويتطلع صوب المستقبل بقلق، وكان يعكس وفاء العارف للماضي، والمستوعب للحاضر، والمدرك تماماً عظمة مدرسة حافظ الأسد، وعِظَم البصمات التي حفرها ويحفرها في تاريخ هذه المدينة العملاقة، إنها طبيعة العلاقة النقية بين الناس وقائدهم، وكلما كان فعله القيادي أعمق تأثيراً في مجرى حياتهم، ومسار مصيرهم، كلما اشتدت مشاعر الخوف، والقلق عليه، وتلاطمت نوازع قوية في أعماق القلوب، لأن تفعل شيئاً ما، يجب فعله، دون أن يعلموا ما هو هذا الشيء..

    فالتظاهر في الشوارع مع رفع الأعلام السود، يبدو في ظاهر الأمر وكأنه فعلٌ، يعكس طريقة التعبير، عن الأحاسيس والمشاعر، غير أنّ حقيقته الجوهرية، تعكس واقع التواصل بين الناس وقائدهم أولاً، وبين الناس وبعضهم بعضاً ثانياً، فهناك ضميرٌ جمعي، يختلف في تكوينه، عن مجموع ضمائر الأفراد، وهو ليس حاصل جمعٍ لها، لأنّ قيمته النوعية، أسمى بكثير من القيمة العددية، الناتجة عن عملية الجمع، إنه يرتقي فوقها جميعاً، مع أنّ قيمته مستمدة منها، وهكذا فإنّ كل متظاهر في الوطن، شعر كفردٍ بحزنٍ شديدٍ، لمصيبةٍ شخصيةٍ ألمّت به، لكن هذا الحزن تطور ليفرز شعوراً آخر، يتمثل بالقيمة المشتركة، وهي القيمة الوطنية والأخلاقية، وبهذا يرتقي فعل الإحساس الفردي، إلى فعل الأداء الجماعي بشكل تلقائي.

    هذه الملايين من البشر اختلطت لديهم مشاعر الحزن بفقد المثل الأعلى الشخصي لكلٍ منهم، اختلطت بمشاعر التعاطف مع قائدهم، الذي فقد جزءاً من أعز ما يعنيه شخصياً، فانمحت الخدود بين العام والخاص، بين الناس وقائدهم، وهم يرون في حافظ الأسد عيناً ثرّةً من عيون التربية على البطولات والقيم والأخلاق والوطنية، ولكنهم وإن لم يتكلموا عن تجسّد تلك التربية في صورةٍ متدرجة من الوضوح، فيما لو كتب لنجله الأكبر المزيد من العمر، إلاّ إنهم قد لا يجدون الكلمات المناسبة للتعبير عن مفهومهم للاستمرارية، ليس عبر الميراث الذي يخلّفه الأب لابنه، وإنما عبر تمثّل الجيل اللاحق لقيم هذا الميراث، وأخلاقيته ومناقبيته، بعد أن رأوا في شخص باسل الأسد، رمزاً ومنارةً تتجسد فيها هذه القيم، فأحبوه وتعلقوا به وتشبثوا بأهدابه.

    لقد تحوّلت المناسبة إلى استفتاءٍ عفوي على ولايةٍ دائمةٍ عبر الأجيال لمدرسة حافظ الأسد، ونهجه ومسيرته ومواقفه الوطنية والقومية، وكأنما أرادت الملايين من أبناء الشعب، أن تُسمع القاصي والداني، أنّ استمرار هذه المدرسة بثوابتها، أمرٌ لا رجعة فيه، وعلى مَن يريد أن يجرّب إمكانية حرف سورية الأسد عن مواقفها، أن يعرف أيضاً أنّ محاولته تلك، لن تعود عليه إلاّ بالخيبة والهزيمة، ذلك أنّ فترة ربع قرنٍ من عمر سورية حافظ الأسد، قد أكسبت سورية، تقنيةً خاصة، متبلورةً ومتجذرةً في التعامل مع جميع شؤونها الوطنية والقومية والدولية، فتمرّست بالتجارب، وصارت عصيةً على جميع المحاولات الهادفة إلى النيل من حقوقها وكرامتها.

    وفي خضم هذه التبدلات العالمية الجارفة، تبدو الحاجة إلى سورية الأسد، ونهجها، أشد ما تكون حيويةً وملحةً، حيث أنّ القائد الكبير، قد استطاع امتصاص الصدمات الموجّهة من الخارج إلى الأمة، وتمكّن من الإمساك بمعظم الخيوط التي كادت أن تتحول لولاه، إلى شرنقة لا تستطيع الأمة منها فكاكا.

    لقد أدركت جماهير سورية، والوطن العربي، بحسها وعقلها وحدسها، أنّ حافظ الأسد يشكّل الضمانة الكبرى، لصون حقوقها وكرامتها، ولمست لمس اليد، ورأت بأم عينها، أنّ انتهاج الطريق الذي رسمه للتعامل مع قضاياها المصيرية، هو ضرورةٌ بلورتها التجارب، وعركتها الأيّام والأحداث، من أجل مواجهة جميع الظروف والاحتمالات.

    لقد صار واضحاً لكلِّ ذي عينين، أنّ سورية الأسد هي موئل العروبة، وملتقى طموح أبنائها على امتداد الوطن الكبير، وأنّها عازمةٌ على ترسيخ مدرستها النضالية، وتعميق نهجها، وتعميمه، انطلاقاً من إحساسها العميق، بمسؤوليتها التاريخية، ومن ثقل الأعباء التي يلقيها موقعها الريادي على كاهل قيادتها المناضلة.

    لقد أكّد الشعب والوطن، أنّ سورية الأسد تتعدى خطوط كلِّ محنة ، وتتخطى كل تجربةٍ صعبةً كانت أم حزينة، لتبث الآمال ولتنعش النفوس، استعداداً لخوض مواجهات جديدة، على طريق الحرية والكرامة.

    وقبل أنّ أنهي حديثي، أستذكر بعض ما سمعته من الدكتور بشار الأسد، في لقاءٍ معه في أسبوع العزاء عندما قال:
    إنّها محنة، لكننا سوف نحوّلها إلى امتحان، إنها صاعقة أحرقت ما حولها، لكننا سنحوّلها إلى شرارة نورٍ، تضيء وتدفئ ما حولها، إنّها زلزال، ولكننا سنعيد بناء ما هدّمه الزلزال، بل وسنضيف إلى هذا البناء، بصمات الشهيد الحي باسل الأسد، ليغدو أكمل وأجمل وأروع، وسنستمد القوّة والعزيمة والإصرار من ملايين الشعب وملايين البيوت في هذا الوطن، الذي اعتبر كلّ بيتٍ فيها، إنه فقد ولداً من أولاده.

    وقال الدكتور بشار: لقد زرع باسل عندما كان بيننا، أملاً في كل بيت، وزهرة عند كل منعطف، وشجرةً فوق كل رابية، والآن بعد أن صار في عالم الخلود، يقتضى وفاؤنا له، أن نجسّد آماله، وأن نحوّل كل منعطفٍ إلى حديقة أزهار، وكل رابيةٍ إلى غابةٍ باسقة.

    وأختتم حديثي بقول الدكتور بشار الأسد:

    سوف نجعل من كل أحلام باسل الأسد حقائق لا يرقى إليها الشك.

    والآن بعد أن تغلغلت روحه في كل ذرةٍ فينا، نحن أبناء الوطن، نشعر أننا نمتلك قوةً خارقةً قادرةً على الفعل والحركة، في الزمان والمكان، بحث نحوّل الممكن إلى واقع، والمستحيل إلى ممكن.

    وشكراً لكم جميعاً.

     

    عدد الزيارات
    11168907

    Please publish modules in offcanvas position.