image.png

د. عبد الله حنا: الاشتراكات الحزبية.. وفد طلابي جامعي في زيارة الشيخ محمد الاشمر بعد عودته من موسكو.. وفاة ستالين- محطّات في الذاكرة- ح3

يتابع فينكس نشر "محطّات في الذاكرة", و هذه الحلقة الثالثة من محطّات الدكتور و المؤرّخ السوري عبد الله حنا:الشيخ وهبة الزحيلي في محيطه الديرعطاني وفضائه الإسلامي -د. عبد ...

انتظمت في الجامعة أواخر 1952 في فرقة حزبية سرية مؤلفة من ثلاثة طلاب. وكان الاجتماع الأول محرجا لي ماليا. فعندما جرى الحديث حول الاشتراك الحزبي قال أحمد فايز فواز وهو من الرقة ويدرس في كلية الطب انه سيدفع اشتراكا شهريا 15 ليرة سورية فذُهلت. فالليرة السورية كان لها تلك الأيام قيمة شرائية محترمة (وهي تفلح الأرض فلاحة) وتكفي لإطعامي غذائين في المطعم. وجاء دور كامل صنّاع وهو طالب في كلية الصيدلة ومن ادلب فأعلن انه سيدفع خمس ليرات. في تلك الأجواء انتابتني قشعريرة ممزوجة بمشاعر لا أستطيع وصفها و أنا مسرور ومعجب "بالرفاق" الكرماء، فأعلنت أنني سأدفع ليرة وأنا لا أملكها وبالكاد أسيّر أموري المالية. وكان الطعام المطبوخ، الذي تحضره والدتي يأتيني كل اسبوع في سلة كبيرة مع السيارة، التي تنقل الركاب بين ديرعطية ودمشق.
*
أخذت الفرقة الحزبية تجتمع في غرفتي السرية. وذات مرة أخبرنا مسؤول الفرقة أحمد فايز فواز أننا سنشارك في وفد طلابي جامعي لزيارة الشيخ محمد الأشمر {المجاهد المعروف في الثورة السورية لعام 1925 وعضو لجنة أنصار السلام الناشطة ضد الحرب والاستعمار الأميركي} للسلام عليه بعد عودته من زيارته لموسكو. أذكر ان عددنا فاق العشرين عندما دخلنا على مضافة الأشمر الرحبة في حيّ الميدان. وبعد أن تكلم أحد أعضاء الوفد الجامعي مهنئا بسلامة الوصول ومشيدا بالأشمر ونضاله.
وبعدها شرع الأشمر في الحديث عمّا شاهده في موسكو وبخاصة حضوره احتفالات ذكرى ثورة اكتوبر وهو يجلس في غرفة زجاجية بسبب البرد القارس وتساقط الثلج. وبإعجاب وصف الأشمر ستالين وهو واقف في العراء والثلج يتساقط عليه وبين الحين والأخر ينفض الثلج عن سترته وهو ويتابع العرض العسكري غير عابئ بالبرد والثلج، والاشمر المتقدم في السن يرتجف من البرد.
*
عُدنا من مضافة الأشمر الواقعة في أقصى الجنوب من دمشق في تروماي (الحافلة الكهربائية) الميدان إلى السنجقدار. ومن شدة فرحي بنجاح الزيارة والنجاة من الاعتقال بسببها كما كنت أتخيل، قررت مغامرا الدخول إلى مكان بيع العوامة والاستمتاع بطعمها اللذيذ وأنا أذوقها لأول مرة وثمن صحن العوامة ربع ليرة سورية. أثناء الاستمتاع بهذه الأكلة سمعت من الراديو نبأ وفاة ستالين. لم يكن للخبر أي تأثير عليّ، رغم إعجابي يومئذِ بستالين وشاربيه المعبّران في نظري عن "رجولية" وقوة شكيمة. وكنت في داخلي أشعر أن تعظيم ستالين من قبل الحزب الشيوعي يضرّ بالقضية، فعلينا أن نعتزّ بالخالدين في حضارتنا العربية.
فِرقتُنا، التي تجتمع اسبوعيا، وقفت دقيقة صمت لذكرى موت ستالين ولم أكن في أعماقي متأثرا بالحدث، وكنت أنظر إلى ستالين كرجل شجاع يقود دولة اشتراكية. وبعد اسبوعين على وفاة ستالين اشتريت مجلة مصرية لا أذكر اسمها وفيها شعر منثور لخالد محمد خالد تحت عنوان: "طِبْتَ حيّاُ وميتا يا رفيق". فأثارت جزالة الشعر شجوني فحفظت القصيدة عن ظهر قلب. ومن مقاطعها: "والشريان الذي تفجّر في رأسك دماُ، سيتفجّر في وعي الشعوب نوراُ ومضاءّ ومعرفة".
*
بسبب ظروف التخفّي لم أنجح في امتحان السنة الأولى من كلية الآداب، فتركتُ الجامعة وتقدمت بمسابقة للعمل في مديرية البريد والبرق والهاتف. وكان حكم الشيشكلي قد خفّت حدة دكتاتوريته و "نسِيَ" المكتب الثاني اضبارة ملاحقتي بسبب عدم أهميتي. نجحتُ دون عقبات في المسابقة، وعُيّنت موظفا براتب حامل بكالوريا مئة وخمسين ليرة سورية كانت لها قيمتها، وغالبا ما كنت اتناول طعام الغذاء بعد الدوام في أحد مطاعم المرجة بمبلغ نصف ليرة سورية.

رابط الجزء الأوّل:

http://www.fenks.co/index.php/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/34991-1-2

رابط الجزء الثاني:

http://www.fenks.co/index.php/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/35136-2020-04-07-07-03-16

عدد الزيارات
13032685

Please publish modules in offcanvas position.