image.png

محمد سعيد حمادة: هكذا كان مجتمعنا في منبج..

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏في ريفنا البعيد حيث لا كهرباء ولا ماء ولا مستوصفات ولا طرقات، نشأنا أجيالاً على الأدب والموسيقى وسباق العلم والقراءة المتنوّعة، وذلك بفضل أجيال سبقتنا لم يكن في واردها إلّا أن تعلّم وتترك في نفوس الجيل الذي تعلّمه أثرًا طيّبًا.

بُنيت أوّل مدرسة في قريتنا عام 1951، وكان الأستاذ أحمد عبد الرزاق شاوي، أوّل معلّم فيها، شيوعيًّا معروفًا، لا يقسو إلاّ من أجل العلم؛ لا يفضّل ابن فلان على ابن فلان، ولا يمايز بين تلامذته إلاّ حرصًا على تحصيلهم. لحقته أواخر أيّامه في التعليم أمينًا لسرّ الإعداديّة في منبج، غير أنّه كان يدقّق في محصّلاتنا ويستدعينا إلى التحقيق حول تقصير في هذه المادّة أو تلك، وعندما كنّا نستغرب هذا، كان الجيل الذي سبقنا والذي قبله وقبله يضحك ويجيب أنه من الجيّد أن الأستاذ أحمد لم يفرك أذنك ببحصة كي لا تنسى تقصيرك.

في منبج عاصمة الريف الشمالي تحدّثنا الأجيال السابقة عن الأستاذ محمود شريح مدير الثانويّة وقسوته وصرامته، وقد كان سوريًّا قوميًّا من فلسطين. عرفت في ما بعد أنّه من ترشيحا، ذلك أنّني أصبحت صديقًا لسميّه الدكتور محمود شريح أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركيّة في بيروت الذي كان بضحكته الجميلة كلّما رآني يفتح ذراعيه مرحّبًا "محمد هايدغر.. يا أهلاً أهلاً".

كان هؤلاء وأمثالهم سادة المجتمع الذين لا يردّ لهم قول ولا طلب ولا حكم، في مجتمع عشائريّ متعصّب يقدّم عُرف العشيرة على كلّ شيء حتّى الدين. في هذا الجوّ حفظنا أغاني فيروز من الراديو، من دون أن يذكر أحد يومًا أنّها مسيحيّة، وتعلّقنا بوديع الصافي وأم كلثوم ومحمد خيري وزهور حسين وداخل حسن الذي لم يكن أحد يعرف إن كان شيعيًّا. كانت أمّي تحبّ الشحرورة صباح وعبد الحليم الذي كلّما انبعث صوته من الراديو يغتاظ أبي ويقول لها "إجا خطيبك.. افتكريه، حاول تفتكرني".

كنت في الصفّ السابع عندما قرأت "جميلة" و"وداعًا يا غوليساري" و"شجيرتي في منديل أحمر" لجنكيز إيتماتوف الروايات التي كان خالي كلّما جاء إلينا يأتيني بواحدة ويسأل عن رأيي في السابقة. مرّة في زيارة لخبراء روس يمرّون في القرية وقد استضافهم خالي وبدأ بسؤالهم عن جمهورياتهم، تفاجأوا أن رجلاً يلبس الزيّ العربيّ في أقصى الشمال السوريّ يعرف ما يعرف عن الاتحاد السوفييتي والأدب الروسيّ، حتّى إنّ أحدهم ذهل عندما ردّ عليه خالي أن لا تستغرب فابن أختي هذا في الصفّ الثامن سيحدّثك إن أردت عن تولستوي وتشيخوف وغوركي وإيتماتوف، فكان أن ذهب إلى السيّارة وجاء بقنّينتين هديّة أن هذا مشروب شعبيّ روسيّ، وبقيت ألفّ وأدور كي أتذوّق "الكازوز" الروسي المائيّ الذي كنت أتخيّل أنّ تولستوي كان يكتب ويشرب منه، وعند أوّل جرعة وقد خرجت النار من عينيّ لم أتوقّف عن الركض إلى أن وصلت نهر الساجور وألقيت نفسي به كي تخرج النار منّي.

أفكّر كيف انهار هذا المجتمع وتأخون بلمحة بصر!! كيف غزته ثقافة الصحراء وقلبت خضرته وماءه ونفوس أبنائه الخصبة إلى رمال عطشى!! واستبدل أحمد عبد الرزّاق ومحمود شريح وأمثالهما بأمّيين تافهين من أصحاب اللحى المقمّلة!!

أستمع هذا الصباح إلى فيروز وقد داهمتني هذه الأغنية التي عرّفتني إلى أبي نواس قبل أن أعرفه من المدرسة بسنوات كثيرة، وأحببت مشاركتكم إيّاها.

عدد الزيارات
13954156

Please publish modules in offcanvas position.