تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية.. صحيفة "تشرين"

    ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‎Tamim Daaboul‎‏‏، ‏يبتسم‏‏في جريدة تشرين لم تكن الحلقات الرقابية بقوة نظيراتها في الصحف الاخرى. فالمادة الصحفية المقدمة من المحرر او المستكتب كانت تمر على المخافر الرقابية الموجودة في دماغه ثم على رئيس القسم بغرض تقييمها فنيا واجتماعيا وسياسيا واجازتها وإعدادها للنشر. أي أن المادة الصحفية لم تكن تخضع لرقابة مدير أو رئيس التحرير.
    أما في الصحف الأخرى. فكان الوضع يختلف قليلا من حيث الشكل والمضمون.
    كانت حلقات الرقابة في هذه الصحف متكاملة من المحرر الى رئيس القسم فامين التحرير فمدير التحرير وفي النهاية رئيس التحرير. والجميع كانوا يقومون بمهامهم الرقابية على أكمل وجه. أي أن دود الخل الرقابي الأكثر تأثيرا وحضورا كان موجودا داخل الجسم الصحفي ذاته وليس خارجه.
    والمؤسف أن بعض المدراء كانوا يمارسون رقابة مزاجية وانتقائية كأن يرفضوا نشر مقالات تدين مسؤولين فاسدين مقابل حصولهم على ثمن ما.
    كان المدير أو رئيس القسم يتصل بالمسؤول المقصود بالتحقيق ليطلعه على الفضيحة الموجودة بين يديه ويعده بعدم نشرها على صفحات الجريدة . وبعدها يصبح الطريق ممهدا امامه للحصول على ميزة او مكسب أو هدية ثمينة..
    لهذا السبب تحول بعض هؤلاء إلى حماة للفساد بصورة أو اخرى بحجة ان نشر مثل هذه المعلومات او الفضائح سيضر بالسلطة السياسية وربما يؤدي لفقدانه لوظيفته. صحيح أن هذا الأمر يمكن ان يحدث. ولكن الاتصال والتسريب كانت يهدف بالدرجة الاولى إلى التقرب من المسؤولين أو ابتزازهم بغيةالحصول على مكاسب أو إمتيازات مادية.
    لم يكن عدد المتورطين بمثل هذه المخالفات كبيرا. لكن إذا علمنا أن ثلاث صحف فقط تصدر في البلد فإن وجود امثال هؤلاء مهما كان محدودا فهو بالتأكيد سيؤثر على مصداقية الصحافة والإعلام عند جمهور القراء وحتى عند المسؤولين أنفسهم. كما سيؤدي بالضرورة الى تشجيع من هم في موقع المسؤولية الاقتصادية أو الخدمية على الانخراط في عمليات فساد مامونة ومضمونة النتائج.
    كان المسؤولون في الوزارات والمؤسسات الخدمية والاقتصادية هم المستهدفون بالابتزاز بالدرجة الأولى. لأن الجسم السياسي والوزارات السيادية كانت تقليديا خارج نطاق نقد النقاد.. لأن الوزارات السيادية كانت ومازالت خطا أحمر أمام الجميع.
    كانت تشرين في بداية انطلاقتها خالية من امثال هكذا إعلاميين وهكذا مبتزين. ولكن مع مرور السنوات. فتحت التعيينات واكتظت الجريدة بالصحفيين غير المؤهلين. وغابت المعايير التي كانت متبعة في التعيينات واشغال الوظائف. وازداد عدد الصحفيين "النازلين بالبارشوت" على حد تعبير زميلنا صبري عيسى. وغابت المحاسبة. ونتيجة لذلك بدات علامات الترهل والفساد بالظهور. الأمر الذي جعل الجريدة بعد سنوات من انطلاقتها تمتلك كل المؤهلات التي تدفعها إلى التقهقر. ولتصبح واحدة من ثلاث صحف عقيمة ومتشابهة في كل شيئ.
    فقط بقيت "تشرين" تمتاز بماضيها الذي شكل رافعة لها لعدة سنوات أخرى قبل أن يلف إنجازاتها النسيان برحيل وغياب وتقاعد الجيل المؤسس ومعاصريه الأولين، الذين كانوا يخشون من وصول الجريدة إلى هذه النتيجة المحزنة..!؟
    ولكن. وقبل أن نقيم مجالس العزاء. دعونا نتابع سرد هذه الشهادات لتسليط الضوء على تلك التجربة الإعلامية التي جعلت من "تشرين" في زمن ما نقطة مضيئة في نهاية النفق الاعلامي. ولكي نحاول فهم الاسباب التي ادت الى اختفاء النقطة المضيئة. وإلى انسداد منافذ النفق ونحن عالقون في عتمته..!؟
    في الأسبوع الأول من انطلاقة الجريدة. ظهر اول تحقيق لي. كان موضوع التحقيق "المتحف الزراعي" الذي كان يديره الأديب سعد صائب.
    عالجت التحقيق بطريقة السخرية السوداوية. السخرية من موقع المتحف وتصميمه ومحتوياته المتواضعة والدور الذي يقوم به. ومن كون مديره أديبا ويحمل شهادة أدبية.
    في صباح ذلك اليوم الذي نشر فيه التحقيق. دخل إلى غرفتنا شاب طويل ووسيم لم أكن قد شاهدته من قبل.
    كنت وعادل أبو شنب رئيس الدائرة ومحي الدين صبحي متواجدين في الغرفة. توجه الشاب إلى عادل أبو شنب وبدون مقدمات ساله:
    - مين تميم دعبول.؟
    اجابه عادل
    - شو بدك منه؟
    قال الشاب:
    - بدي أتعرف عليه.
    أشار عادل الي وقال للشاب:
    هذا هو تميم بشحمه ولحمه الذي ما زال طريا.
    مشى الشاب باتجاهي وقال:
    - هذا انت.. تخيلتك أكبر سنا!؟
    كنت اجلس خلف طاولتي، نهضت لاصافحه. صافحني وربت على كتفي وقال:
    - اسمي ابراهيم ياخور رئيس قسم التحقيقات. ماذا تفعل هنا..؟ مكانك عندي في القسم. انت كاتب تحقيقات من الدرجة الأولى. وتابع قائلا:
    - بعد الاذن من الاستاذ عادل، سأطلب من رئيس التحرير أن ينقلك الى مكانك الطبيعي الى قسم التحقيقات؟
    اعتذرت عن قبول عرضه كما ان رئيس القسم الثقافي لم يوافق عليه..
    بعدها بأيام نشر عادل لي تحقيقا ثانيا عن سوق البالة بدمشق. فعاد إبراهيم ليعرض علي الانتقال واعتذرت من جديد..

    وهكذا أصبح القسم الثقافي قدري منذ عينت في الجريدة وحتى مغادرتي لها. ولكن ذلك لم يمنع مجيئ يوم أصبحت فيه رئيسا لقسم التحقيقات بالإضافة للقسم الثقافي..
     
    ***********

    بعد أن استقر بي المقام في القسم الثقافي تركز عملي بالدرجة الأولى على انجاز تحقيقات مرتبطة بالشؤون الثقافية والاجتماعية. وكذلك على إجراء مقابلات مع كتاب وفنانين سوريين وعرب أثناء زيارتهم لسورية. وهكذا بقيت بعيدا عن الشان السياسي لقناعتي بأنه - أي الشأن السياسي - يحتاج الى مطبلين وليس الى صحفيين. !؟
    بعد مضي عدة أسابيع على وجودي في القسم الثقافي وفي أحد الصباحات دخل إلى غرفتنا رئيس التحرير جلال فاروق الشريف. وما أن ألقى التحية وجلس حتى رن جرس الهاتف. رفع عادل ابو شنب السماعة ثم التفت لرئيس التحرير وقال لهعادل أبو شنب - ويكيبيديا:
    - الهاتف لك أستاذ جلال.
    بعد محادثة قصيرة لم نفهم منها شيأ اخبرنا رئيس التحرير أن مكتب وزير الخارجية أخبره بأن مؤتمرا سيعقد في بلدة صوفر اللبنانية بعد ظهر اليوم للبحث عن حل للازمة اللبنانية. وان وزير الخارجية عبد الحليم خدام سيشارك في المؤتمر بالإضافة. إلى وزراء خارجية عرب آخرين وممثلين عن كل الأطراف المتقاتلة في لبنان. وإن علينا تغطية المؤتمر صحفيا..
    كان عدد محرري قسم الاخبار في ذلك الوقت محدودا كبقية أقسام الجريدة. والجميع كانوا يداومون في الفترة المسائية. وهذا ما جعل رئيس التحرير يلتفت إلينا ويتساءل
    - والآن ما العمل. كيف سنغطي المؤتمر وجميع المحررين غير متواجدين؟
    اجاب عادل أبو شنب:
    - مشكلة.. يجب أن نجد طريقة ما؟
    قلت:
    - انا اعرف طريقة..
    قال عادل:
    - هات لنشوف .
    قلت:
    - انا اذهب اذا لم يكن لديكم مانعا.
    نظر عادل إلى جلال وكأنه يستطلع رايه.
    قال لي جلال
    - تميم. الوضع في لبنان ما زال خطرا. والمؤتمر لا يدخل في اختصاصك. وهذا ما يجعلني مترددا في الموافقة على عرضك. ؟
    قلت:
    - لا داعي للتردد اذا كان الموضوع يتعلق بالمخاطر. إلا إذا كنتم ترون أنني غير قادر على القيام بالمهمة
    أجابني
    - ولو تميم. لم ننس انك كنت الأول في المسابقة . ساطلب ان يجهزوا سيارة ريثما تحضر نفسك.. سيرافقك سائق ومصور. وكلي ثقة بك وبادائك ولكن لا تخاطر وحافظ على معايير السلامة..
    بعد نصف ساعة من المحادثة انطلقنا باتجاه لبنان كان الطريق سالكا في الاراضي السورية أما في الأراضي اللبنانية فكان علينا التوقف عند عشرات الحواجز وكلها حواجز لقوات الردع أو حلفائها. كالعادة كانوا يعاملون المارة بطريقة لا تخلو من " الغلاظة" .وعندما اقدم لهم انفسنا تتغير المعاملة ويصبحوا ودودين ومتعاونين. بل ويتطوعون لارشادنا الى الطريق الموصل لقصر الشيخ زايد.
    وصلنا عصرا إلى صوفر. كان القصر سليما. ولكن علامات الاهمال بادية عليه باستثناء أصص الورود الموجودة امامه على شكل ممر موصل لبابه. والتي تبدو أنها شتلت بالورد منذ ساعات فقط.
    كان عشرات الجنود وبعض الضباط السوريين منتشرين في الساحة الموجودة أمام القصر على شكل مجموعات.
    أوقفنا السيارة على طرف الساحة وتوجهت مع المصور والسائق إلى أقرب مجموعة وقدمت نفسي لضابط برتبة ملازم اول كان متواجدا مع المجموعة. فرحب بنا وأبدى استعداده لتقديم اية مساعدة نحتاجها..
    كانت ما أطلق عليها تسمية الحرب الأهلية اللبنانية قد بدأت قبل عام من ذلك اليوم. أي في 13 نيسان من عام 1975 عندما قام مسلحو حزب الكتائب اللبنانية بمهاجمة حافلة تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية وقتلت 27 من عناصر المنظمة. الأمر الذي اعتبرته المنظمة وقوى الحركة الوطنية اللبنانية بداية مشروع " انعزالي" لطرد الفصائل الفلسطينية من لبنان تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية. الامر الذي اقتضى الرد من مختلف الفصائل الفلسطينية على حزب الكتائب. وتدخل حلفاء الجانبين وتوسعت المعارك حتى شملت كل الأراضي اللبنانية..
    كانت الفصائل الفلسطينية مدعومة بشكل رئيسي من مجموعة من الأحزاب والتنظيمات الوطنية واليسارية أطلق عليها اسم الحركة الوطنية اللبنانية. فيما تشكل الطرف الآخر من أحزاب وطنية لبنانية مسيحية بالدرجة الاولى يتزعمها حزبا الكتائب والأحرار. وكانت هذه الأحزاب قد أعلنت أكثر من مرة عن تخوفها من السلاح الفلسطيني ومن كون وجود اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سيخل بالتوازن الطائفي القائم.لذلك افتعلت حادثة عين الرمانة كمدخل لحرب تكون نسخة مطابقة للحرب التي شنها الملك حسين في أيلول الأسود والتي أدت لإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن. .
    لم " تظبط" حسابات ما أطلق عليها اسم "القوى الانعزالية" وبدأت تخسر معاركها واحدة بعد أخري بينما - وبعد سبعة أشهر من بداية الحرب - بدت الحركة الوطنية اللبنانية وكأنها متجهة لحسم الحرب لصالحها. عندما قررت القيادة السورية التدخل عسكريا تحت شعار إنهاء الحرب وإعادة الأوضاع الى حالتها الطبيعية. أي كما كانت قبل بداية المعارك..

    **********

    لم تكن قد انقضت سوى بضعة أشهر على صدور جريدة " تشرين " حتى صدر قرار من وزير الاعلام أحمد اسكندر أحمد بتنحية رئيس التحرير جلال فاروق الشريف من منصبه.
    كان القرار مفاجئا وصادما لجميع العاملين في الجريدة وللوسط الاعلامي بشكل عام.
    فالجريدة التي أسسها جلال فاروق الشريف وادارها لعدة أشهر كانت أنجح صحيفة رسمية عرفتها سورية. حيث ترك هذا النجاح انطباعا لدى الإعلاميين والقراء بأن "تشرين" قد تكون فاتحة لعهد جديد يبشر بمستقبل أفضل للصحافة السورية. لذلك فان إزاحة جلال أصابت كادر الجريدة وكثير من قرائها بالاحباط والتخوف من أن تكون الازاحة مقدمة لفرض تغييرات تقضي على كافة المنجزات التي تحققت في الفترة القصيرة من إدارة جلال فاروق الشريف للجريدة. وخاصة تلك المتعلقة بتحريرها من الروتين والبيروقراطية الإدارية وتقليص هوامش الحركة والحرية النسبية التي يمتع بها كادرها التحريري..
    لم يخرج جلال لوحده من الجريدة. فقد غادر الجريدة معه صديقه ورفيقه رئيس القسم الثقافي عادل أبو شنب في موقف تضامني يشهد لهجلال فاروق الشريف 1925-1983..
    يوم الخروج مر الاثنان بالقسم الثقافي فعبرنا لهما عن تضامننا وصدمتنا لخروجهما السريع . قال عادل:
    اختارني جلال لأكون معه أثناء تأسيس الجريدة وأثناء انطلاقتها. فمن الطبيعي أن لا أبقى فيها بعده. أما بالنسبة لصديقي جلال فهو معتاد على هكذا مواقف. لعلكم لا تعرفون انه استدعي لتاسيس جريدة الوحدة ومن بعدها جريدة الثورة. وفي الحالتين لقي ذات المصير. في كل مرة كان يؤسس ويطلق الجريدة وعندما تسير الأمور وفق ما يريد ويشتهي يعزل بدون مقدمات. وهذه هي المرة الثالثة وقد تكون الأخيرة.
    بالفعل خرج جلال من "تشرين" ولكن بعد أن ترك بصماته الجميلة والنبيلة في الصحف التي أسسها وعند الصحفيين والفنيين والعاملين الذين شاركوه مغامراته التي حاول فيه التأسيس لصحافة ترفل بالحرية، وتمتاز بالجرأة، وتستعمل لغة العقل في أوساط لا تجيد إلا لغة القهر..؟!
    هدأت مخاوفنا سريعا عندما علمنا أن وزير الاعلام كلف الدكتور غسان الرفاعي رئيس قسم الدراسات حينها برئاسة التحرير. كان الدكتور الرفاعي مثقفا متنورا يمتاز بثقافته الشاملة والموسوعية وبمواقفه الليبرالية المنفتحة على مختلف الثقافات. وباطلاعه وتواصله الدائم مع الصحافة الغربية وخاصة الفرنسية. ومتحدثا لبقا وجذابا وطريفا. لا تمل الاستماع لحديثه المنمق والمطعم ببهارات لذيذة من علوم البيان والبديع اللغوي بشقيه المحكي والفصيح.. كان يحكي ذات القصة ناسيا انه قد حكاها سابقا، ولكنه كان يجبرنا على سماعها بذات الاهتمام الذي ابديناه أثناء روايته الأولى. لأنه كان دائم التنويع في أسلوبه الروائي الشفاهي، لدرجة أنه ينسيك انك تعرف الرواية أو القصة أو الحادثة أو يجبرك على إنكارها. .
    بتسمية الدكتور الرفاعي اصبحنا شبه متأكدين أن تغييرا مهما لن يطرأ على توجه الجريدة يؤثر على ما حققناه منذ التأسيس وحتى خروج جلال. بل على العكس اعتبرنا أن وجود الدكتور غسان، اللاحزبي والمعروف عنه عزوفه عن المناصب والواجهات في رئاسة التحرير. قد يكون فرصة لتعزيز الإنجازات وتوسيع هوامش الحرية المتاحة.
    سريعا كلف الدكتور غسان الزميل الناقد محي الدين صبحي برئاسة القسم الثقافي مكان عادل أبو شنب. واصبح القسم الثقافي مكونا منه ومني فقط لاغير..
    في أول يوم سيداوم فيه الزميل محي الدين صبحي رئيسا للقسم الثقافي. حضر الى المكتب. اعد بعض المقالات للنشر وطلب مني أن اساعده في إعداد بعض المواد. ثم دعاني لتناول الغداء في أي مطعم اريد..حاولت الاعتذار ولكنه أصر لأنه يريد أن يتحدث معي في موضوع هام..
    في المطعم. أخبرني محي الدين أنه حاول الاعتذار للدكتور غسان عن قبوله رئاسة القسم الثقافي. وأنه رشحني لأكون رئيس القسم وأنه لن يشعر بأي حرج في ذلك بل على العكس سيكون فخورا بالعمل معي. وأنه يتوقع أن أكون صحفيا لامعا. ولكن الدكتور غسان رأى أن الوقت ما زال مبكرا واني شاب يحتاج إلى مزيد من الخبرة على الرغم من ادائي الملفت - كما قال - وأنه لم يمض على وجودي في العمل سوى بضعة اشهر. وأنه سيتصرف في الوقت المناسب.
    شكرت محي الدين وأكدت له أنه لم يخطر ببالي هذا الخاطر وأني سعيد لكونه رئيسا للقسم وان الدكتور غسان رئيسا للتحرير. وإن تقييم الدكتور غسان لي واقعي وان الوقت ما زال مبكرا بالنسبة لي.
    عندها قال محي الدين:
    اسمع تميم. انا ناقد أدبي ولست صحفيا وكل الوسط الثقافي يعرف ذلك. وانت تعرف أن النقد غير الصحافة. كما تعرف ان الناقد قد لا ينجح في العمل الصحفي والعكس صحيح. ولذلك ساطلعك على سر.
    قلت: ما هو؟
    قال: انا غير مستعد لإعداد صفحات القسم الثقافي كما كان عادل يفعل. وأخشى أن أمارس عملا لا أتقنه ولا أرغبه. كما لا أريد أن يتأثر مستوى الصفحات بسببي . ولذلك انت ستقوم بهذه المهمة يعني انت ستقوم بدور رئيس القسم وانا بدور المحرر. وساساعدك بقدر ما استطيع ويقدر ما يسمح لي الوقت. وقد اطلعت الدكتور غسان على نيتي تقديم هذا العرض لك ووافق. ووعدني أن يصحح هذا الوضع في أقرب فرصة ممكنة.
    وافقت على العرض بعد أن علمت أن الدكتور غسان على علم به. وهكذا وجدت نفسي وانا في السادسة والعشرين وبعد تسعة أشهر من وجودي في الجريدة أصدر ربع صفحاتها وادير أكبر و أهم قسم فيها.. هو القسم الثقافي..

    *********

    كان القسم الثقافي في جريدة"تشرين" مسؤولا عن إصدار ثلاث صفحات يوميا وهو ما يشكل ربع الجريدة المكونة من 12 صفحة. وكانت هذه الصفحات تشمل الصفحة الثقافية ويقابلها صفحة المنوعات. ومن ثم الصفحة الأخيرة. وكان لكل من هذه الصفحات وظيفة ومواصفات تختلف عن الأخرى.
    فالصفحة الثقافية كانت مختصة بنشر المقالات والمتابعات النقدية للاعمال الأدبية والعروض الفنية التي تشمل المسرح والسينما والفن التشكيلي والموسيقى ومقابلات مع أدباء وفنانين وبعض الزوايا التي تعالج الشأن الثقافي بشكل رئيسي. في حين تختص صفحة المنوعات بتغطيات نقدية تركز على المتابعات المتعلقة بالمسلسلات والبرامج التلفزيونية المحلية والعربية والأغاني بالاضافة الى مقابلات مع ممثلين وممثلات. كذلك تتابع المستجدات العلمية والطبية وغيرها من المواضيع. أما الصفحة الأخيرة فكانت عروس الجريدة المدللة. وواجهتها الحقيقية كما في كل الصحف المحلية. فالمعروف عن الصحف السورية أنها كانت ومازالت تقرأ بالمقلوب. فالقارئ كان يستهل اطلاعه على الجريدة بقراءة الصفحة الاخيرة لاحتوائها على الزوايا الساخرة والاخبار الخفيفة والكاريكاتير ثم ينتقل الى صفحاته المفضلة. ثم بقية الصفحات..
    كان همي الأول بعد أن بدأت بإعداد هذه الصفحات ان أحافظ على المستوى الذي اوصلها إليه عادل أبو شنب. ولذلك كنت اعمل 12 ساعة يوميا على الاقل، اقرأ خلالها كثيرا من المقالات والزوايا واعدها للنشر بطريقة تضمن ظهورها بشكل ملفت وشيق كما تضمن أن تبقى الصفحات التي يصدرها القسم متألقة ورصينة وجذابة ومتنوعة..
    منذ اليوم الاول الذي صدرت فيه الجريدة بشكلها النهائي لفتت نظري احترافية عادل وبراعته في التعامل مع المادة الصحفية وفي انتقائها وتوزيعها وفي إعدادها وطريقة ظهورها في الصفحات التي يعدها.
    كنت اطلع على المواد والمقالات التي يقدمها الكاتب له قبل نشرها وبعد أن يتدخل فيها وينشرها في الصفحة. والاحظ التغيير الايجابي الذي حصل من حيث السلاسة التي أحدثتها لمساته على المقال أو المادة الصحفية. ولذلك لم أجد صعوبة كبيرة في السير على ذات النهج عندما بدأت بإعداد الصفحات. حتى أن القراء والزملاء لم يلحظوا بداية أي تغيير طرأ على روحية المواد المنشورة وعلى أسلوبية وضع عناوينها الرئيسية والفرعية وعلى طريقة تقديمها للقارئ. وهذا ما كنت أسعى إليه مرحليا.
    كان لعملي مع عادل محررا مساعدا في الاشهر الاولى من صدور الجريدة الدور الأهم في تمكني من القيام بهمام رئيس القسم دون صعوبات وعراقيل تذكر فيما بعد. لأني - وهذه حقيقة لا استطيع نكرانها - تعلمت منه ما لم اتعلمه وغيري من خريجي قسم الصحافة طوال اربع سنوات من الدراسة. ولما ذكرت ذلك في إحدى المقابلات التلفزيونية. ووجهت بلوم من بعض الزملاء خريجي قسم الصحافة على اعتبار اني خريج قسم الصحافة واكاديمي وان عادل لايملك هذه المواصفات. وإن تصريحي هذا يحمل في طياته انتقاصا من قدري وقدر الخريجين.. ولكني بقيت ومازلت وسابقى أردد هذا "الاعتراف"، واعطي صاحب كل ذي حق حقه.
    بعد فترة لاحقة لفت نظري مدير الشؤون الإدارية إلى أن الموافقة الأمنية على تعييني في الجريدة لم تأت بعد. ولذلك فان وضعي الوظيفي مازال مؤقتا. واستمرار هذه الحالة سيؤثر على ترفيعي وعلى راتبي. ونصحني أن أسعى لدى جهاز الأمن المعني لإرسال الموافقة لاعين بصورة دائمة لاحصل على كامل حقوقي.
    بعد عدة أيام التقيت عند أحد الأصدقاء مع صديقي طبيب الأطفال اللامع وابن بلدي الدكتور عمر سلوطة.ولما سألني عن عملي أخبرته عن وضعي الوظيفي وعن تأخر الموافقة الأمنية. فطلب مني القدوم إلى عيادته صباحا لأنه سيحل لي المشكلة. وأخبرني بأن جهاز الأمن هذا متعاقد معه وأنه يشرف على الوضع الصحي لأطفال العاملين فيه.
    في الصباح ذهبت واياه إلى الفرع واستقبلنا هناك أحد الضباط الكبار حيث حكى له الدكتور عمر عن قصة الموافقة الأمنية. فأبدى الرجل استغرابه لهذا التأخير وطلب هاتفيا من قسم الأرشيف إحضار ملفي على جناح السرعة.
    جاء الملف كان سميكا إلى درجة جعلت الضابط يلتفت الي ويقول:
    - اوف شو مساوي؟
    قلت:
    - انتم اعلم؟!
    ضحك الضابط وراح يتصفح الملف ورقة ورقة. و لما انتهى قال للدكتور عمر.
    - معهم حق ان يتأخروا فيه. صاحبك محير العلماء. وضحك.
    كان الملف يحوي عشرات التقارير المتناقضة والمنوعة ولم تترك وصفا سياسيا أمنيا لم تلصقه بي. كنت من خلال توصيف التقارير شيوعا وماركسيا وناصريا وصديقا للحزب ومعاد له. وكل ما يخطر على البال من صفات إلا صفة واحدة لم اتشرف بالحصول عليها وهي اتهامي بالانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين. ولأنهم لم يستطيعوا تحديد انتمائي الحقيقي تريثوا في إرسال الموافقة.
    وعدنا الضابط أن يرسل الموافقة في اليوم التالي وغادرت المكان بعد أن لمح لنا بشكل عرضي أن أغلب التقارير واردة من ديرعطية. ولأني كنت وكثيرون من شباب الضيعة نعرف من هو بنك المعلومات. ذهبت في نهاية الاسبوع إلى ديرعطية وعندما حان وقت صلاة الجمعة توجهت إلى الجامع لعلمي أن مرسل التقارير يذهب لشمشمة الأخبار وتقديم فروض الطاعة لله!؟.
    لم أكن قد دخلت إلى جامع في الضيعة منذ سنوات طويلة. كان الشيخ يلقي خطبة الجمعة ألقيت نظرة على المصلين وشاهدت البنك المعلوماتي. كان يجلس في مكان قريب من المكان المخصص للإمام. جلست خلفه ونكزته على كتفه. التفت الرجل إلى الخلف وعندما رآني رحب بي قائلا:
    - اهلين تميم شو شايفك في الجامع اليوم. ما الك بالعادة!؟
    أجبته
    - نعم جئت خصيصا من أجل أن ترسل للفرع تقريرا بأني إخوان المسلمين. لأن هذه التهمة هي الوحيدة المتبقية حتى يكتمل ملفي.
    اصفر وجهه وقال لي:
    - الله يسامحك. والتفت إلى الأمام.
    وحتى يومنا هذا لم اعرف إن كان الله قد سامحني أم لا؟!

    ********

    لم تمض أيام معدودة حتى جاءت الموافقة الأمنية الموعودة. وصدر قرار تعييني محررا رئيسيا في الجريدة.
    وبعدها بأيام جاءني أستدعاء منتظر لأداء الخدمة الالزامية. . ودعت رئيس التحرير وبقية الزملاء والتحقت بمركز التدريب الأول في النبك. سلمت دفتر خدمة العلم. وطلبوا مني العودة إلى المركز بعد عشرة أيام لاستلام الفرز.
    أمضيت الأيام العشرة في دمشق ولكني لم أذهب خلالها إلى الجريدة تحسبا من ان ينتابني الضعف بفعل الحنين. وبعد عشرة أيام رجعت إلى المركز لاستلم فرزي وابدأ رحلة خدمتي العسكرية التي ستستمر عامين ونصف.
    جمعنا الضابط أمام مكتبه في صفوف متوازية ثم أحضر مظروفا يحوي أوامر الفرز لجميع المطلوبين للتجنيد. وبدأ يقرأ الأسماء بصوت مرتفع ويعلن عن الجهة المفروز اليها صاحب كل الاسم، ويسلمه أمر الفرز ليغادر إلى الوحدة العسكرية المفروز اليها.
    بعد قليل من بدء عملية تسليم أوامر الفرز وقعت المفاجأة التي أم أكن اتوقعها. اذ صاح الضابط
    - تميم دعبول. .. تسريح..
    تساءلت بيني وبين نفسي تسريح..؟
    لا بد أن خطأ قد وقع فأنا لم أخدم حتى أسرح؟نقدم لكم صورة لــوزير الإعلام الراحل ( أحمد إسكندر أحمد ) – سورية ...! .
    مشيت باتجاه الضابط لاستلام الأمر. وعندما وصلت إليه سألته.
    - هل انت متأكد أنني سرحت من الخدمة
    قال:
    - شو عم امزج معك؟. دائما بتعملوا واسطات وبتساوا حالكم ما عندكم علم..تسريحك جاء من وزير الدفاع.. ياالله على بيتك!؟ .
    استلمت أمر التسريح ودفتر الخدمة الإلزامية المسجل عليه تاريخ التحاقي وتاريخ تسريحي ورجعت إلى دمشق وانا احلل واضرب أخماسا باسداس لأعرف السر الكامن خلف تسريحي السريع. ولم أصل إلى نتيجة..
    مساء. ذهبت إلى الجريدة وفورا توجهت إلى مكتب رئيس التحرير الدكتور غسان فلا بد أن سر تسريحي موجود عنده. وفور أن شاهدني أطلق ضحكته المتقطعة المعتادة وبادرني بالقول:
    - أهلا بالمقاتل الصنديد. الحمد لله عل السلامة.؟
    سالته:
    - ماذا جرى. لماذا سرحت من الخدمة.؟
    اجاب:
    اذن. فعلها السيد الوزير. وحكى لي ما يعرفه.
    بعد ان ترك المؤسس جلال فاروق الشريف الجريدة. أصبح وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد يداوم في الجريدة في بعض الأمسيات ليطلع على سير العمل ويحل بعض الإشكاليات التي تواجه الإدارة في الجريدة الناشئة والتي ما زالت تفتقر إلى الكوادر الصحفية والتجهيزات والكوادر الفنية والمقر الدائم والمستقل. كنت نادرا ما التقيه لأنه كان يتردد أكثر على المبنى الذي لا اداوم انا فيه.. في اليوم التالي لالتحاقي بالخدمة حضر الوزير إلى الجريدة. فأخبره الدكتور غسان بأن الوضع في القسم الثقافي يحتاج إلى من يديره لأن محي الدين لا يرغب بادارته..
    قال لي غسان:
    عندما أخبرت الوزير قال لي:
    - كلف تميم .
    ولما أخبرته انك ذهبت لأداء الخدمة الالزامية وان القسم أصبح بحاجة لمن يديره.
    قال لي معاتبا.
    - كيف يحدث ذلك دون أن تخبروني.؟
    واردف: اترك الأمر لي. انا ساتصرف. ولكنه لم يخبرني كيف سيتصرف. ويبدو أنه طلب تسريحك..
    اتصل الدكتور غسان فورا وأخبر الوزير بأني سرحت وعدت إلى الجريدة. وإني موجود حاليا إلى جانبه فطلب ان يتحدث الي. وبادرني بالقول:
    - الحمد لله على السلامة.. هيك بيصير يا تميم. انا زعلان منك ومن الدكتور غسان. كيف بتروح على الخدمة الإلزامية في هذا الظرف الذي تمر به الجريدة دون أن تخبروني فقلت له.
    - بس هذه المرة. انا من يحق له أن يزعل. لاني كنت قد برمجت حياتي للسنوات القادمة على أساس أن انتهي سريعا من اداء الخدمة الإلزامية. والآن تخربط كل شيء.
    أجابني
    - للظروف أحكام. لقد طلبت تأجيلك لسنة وبعدها انت حر التصرف.. ولكن الجريدة الان بأمس الحاجة لك..؟
    في اليوم التالي رجع كل شيء لما كان عليه. رجعت لإعداد الصفحات وكتابة الزوايا. والغرق في العمل لمدة تزيد عن 12 ساعة يوميا.
    لم يطل الوقت حتى طلب مني الدكتور غسان الرفاعي الاستعداد للسفر إلى اليمنين الشمالي والجنوبي في مهمة صحفية.. يومها كان اليمن السعيد يمنين.
    كانت مهمتي في اليمن الشمالي تقتضي مني حضور مؤتمر التنمية اليمنية والمشاركة في فعالياته وتغطيته إعلاميا. أما في اليمن الجنوبي فكلفت بتغطية الاحتفالات بمناسبة مرور عشر سنوات على استقلال الجزء الجنوي من اليمن عن الاستعمار البريطاني.
    كانت طبيعة المهتمين بعيدة بعض الشيء عن اختصاص القسم الثقافي. ولذلك شعرت أنهما جاءتا جائزة ترضية لي بسبب تسريحي التعسفي من الخدمة خلافا لارادتي.
    بالفعل كانت جائزة قيمة. تعلمت منها الكثير. وخضت من خلالها ما اعتبرته مغامرة لم تكن تخطر لي على بال..؟!

    عدد الزيارات
    14350261

    Please publish modules in offcanvas position.