د. اليان مسعد: فؤاد الشايب

فؤاد الشايب | التاريخ السوري المعاصرفي مثل هذا اليوم تاريخ 11/7/1970/ استشهد ابن معلولا البار رائد الثقافة وألإعلام وألأدب المفكر والكاتب الأديب الأستاذ فؤاد الشايب في بونس آيرس عاصمة الأرجنتين عندما كان مدير مكتب الجامعة العربية، حين ألقت إحدى المنظمات الصهيونية قنابل حارقة على مقر الجامعة وأحرقت منزله هناك و أصيب بعدها باحتشاء لم يمهله.
ولد الأديب فؤاد الشايب في معلولا عام 1911م.
درس الابتدائية في معلولا.حضر مأساة 1925 من حصار ظالم لبلدته وقتل ومجازر دون سبب، وروى كثيرا عنها، وتابع دراسته الإعدادية والثانوية في مدرسة الجامعة العلمية بدمشق، ونال الشهادة الثانوية فيها عام 1928م.
تخرج من كلية الحقوق في الجامعة السورية عام 1930-1931.
درس اللغة الفرنسية وآدابها في باريس 1933-1934م، حيث تأثر بالفكر الاشتراكي.
حرر في جريدتي ” فتى العرب” و ”الاستقلال” ومجلات: المعرض والمكشوف والصباح والاديب والاداب وجريدة النداء وكلها كانت تصدر في بيروت 1935-1939م.
التجأ الى بغداد في عهد حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان، بينما انحاز اهل بلدته ضد الحكومة الفرنسية المستعمرة وكلفهم ذلك شهداء ومعتقلين، وعمل مدرساً في ثانوية بغداد، وتولى رئاسة تحرير صحيفة “البلاد” العراقية التي كان يصدرها رفائيل بطي ما بين 1939- 1941م. و بعدها كتب كل خطب الرئيس شكري القوتلي ودفع ثمناً غالي لوفائه من سجن واهانة سنعد لايضاحها لاحقا.
عين رئيساً لشعبة المطبوعات في دمشق عام 1942م، ثم رئيساً للدعاية و الأنباء.
في العاشر من أيار 1959م، نقل من رئاسة الدعاية والأنباء إلى مديرية المكتبات في وزارة الثقافة في الإقليم السوري، بقرار من جمال عبد الناصر.
عين في ملاك رئاسة الجمهورية حتى عام 1961م.
أسس وترأس تحرير مجلة ”المعرفة“ التي صدرت أول مرة في الأول من آذار 1962م.التي لا تزال تصدر للان.
عُين في عام 1963 مديراً عاماً للاذاعة والتلفزيون بدمشق.
في عام 1967 عين مديراً لمكتب الجامعة العربية في بونس ايرس.
مؤلفاته:
المؤلفات الكاملة نشرتها وزارة الثقافة والارشاد القومي بدمشق ضمت أعماله القصصية وآثاره الادبية ومقالاته في السياسة والاجتماع.
وفاته:
توفي في بونس ايرس عام 1970م، ونقل جثمانه إلى دمشق ودفن فيها.
قامت محافظة دمشق بإطلاق اسمه على حديقة صغيرة على جانب درج الغساني بدمشق.
واليكم ما ترويه "الطليعة" عنه:

قيصر وأهل الرأي

يقول عدنان الملوحي:
أصدر الشيشكلي قانوناً جديداً للمطبوعات، وتقدمت بطلب الترخيص لجريدة، وأصبحت صاحب ورئيس تحرير جريدة دمشقية مستقلة سميتها «الطليعة». ولما علم الشيشكلي بالأمر، اتصل بالأستاذ فؤاد الشايب وعاتبه لأنه منحني الترخيص، وقال له: إنني أصدرت القانون للحفظ في الأدراج لا للتنفيذ، ولغاية إعلامية دعائية لأثبت أنني أقمت نظاماً دستورياً ديمقراطياً! رد عليه الشايب: لماذا لا ننفذ قانوناً أصدرتموه؟ فسكت الشيشكلي على مضض.
وعند صدور العدد الأول من الطليعة، اتصل الشيشكلي بفؤاد الشايب يحتج على نشر مقال «قيصر وأهل الرأي»، المقال الذي رفضت كل الصحف نشره، وتطوعت جريدة الطليعة لنشره في عددها الأول. فقال له الشايب: أنتم يا سيدي لستم القيصر ولا الامبراطور ولا الديكتاتور، والمقال لا يعنيكم، لأنكم رئيس شرعي منتخب بطريقة ديمقراطية! فصدقه الشيشكلي وسكت على مضض، ومر المقال ومرت معه جريدتي الوليدة بسلام.
قال عدنان الملوحي في العدد الأول بأنه مستقل وجريدته مستقلة، ولا يعبر عن حزب معين، وإنما يعبر عن رأي كل وطني تقدمي. يضيف الملوحي: ولكن بعض أو أكثر من كانوا يقرأون جريدتي ويعجبون بها أو لا يعجبون، كانوا يظنون أنها شيوعية وأنني شيوعي لأنني كنت أبشر بالاشتراكية.

وكانت صحيفة معادية للأحلاف وتحظى برعاية الشايب

تحت عنوان «المشاريع الاستعمارية»، كتب الملوحي في العدد (13) بتاريخ 8/3/1954:

«يخطئ كثيراً من يظن أن المشاريع الاستعمارية التي تسعى أمريكا وبريطانيا لتحقيقها في سورية والأقطار العربية الأخرى، وفي الشرق كله منذ أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، قد توقفت أو حدت نشاطها وحبك مؤامراتها، ذلك لأن هذه المشاريع موضوعة لاستغلال مرافق هذه المنطقة من العالم وتسخير أراضيها لإعداد وتهيئة حرب عالمية ثالثة، وتحقيق استعمار الغرب للشرق من جديد وبصورة أشد وأقسى.
ومهمة الدور الانتقالي في سورية الآن القضاء على كل محاولة يريد المستعمرون بواسطتها فرض مشاريعهم الدفاعية وغيرها على بلادنا، أو الضغط من أجل الاتجاه وجهة لا مصلحة لبلادنا ولا لشعبنا فيها، وكشف جميع المؤامرات التي يدبرها أصحاب المشاريع في الخفاء ضد الحكم الديمقراطي الشعبي الصحيح الذي لا يمكن تنفيذ هذه المشاريع عن طريقه بحال من الأحوال».
ومن افتتاحية العدد (16) الصادر في 8/4/1954 التي مررها الشايب ينتقد الملوحي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تحت عنوان «دور أمريكا في الانقلابات»:
«لم يعد خافياً على أحد أن أمريكا ودولاراتها لعبت دوراً خطيراً في تدبير الانقلابات سواء في سورية أو غيرها ولكن الذي خفي على أمريكا وما يزال خافيا عليها حتى الآن، هو أن الانقلابات لا يمكن أن تحقق آمالها في السيطرة وإقامة القواعد الحربية وفرض التحالفات العسكرية وزج بلاد الشرق في أتون الحرب، وأن دولاراتها مهما كان ثمنها لا يمكن أن تخدع شعوب الشرق، ولا أن تغرر بها لتسير في ركابها، وإن كل حكومة تقوم على أكتاف أمريكا ودولاراتها في هذا الشرق مصيرها الفشل الأكيد كما دلت على ذلك تجارب السنوات الخمس الأخيرة في بلادنا.
قد تجرب أمريكا أن تلعب دوراً جديداً في تحضير الانقلابات ولكنها فاشلة حتما في جميع تجاربها، ودولاراتها لم تعد عملة رائجة ومتداولة في هذه البلاد لأن العسكريين هم من أبناء الشعب ولأنهم يشكلون الجيش الوطني الذي نعده للدفاع عن بلادنا ضد كل المؤامرات الاستعمارية والصهيونية على السواء! فهل اقتنعت أمريكا بعد كل هذا الذي جرى أن مهمتها انتهت في هذه البلاد؟».
نشر العدد (19) نيسان 1954 في صفحته الأولى عن خفايا مؤتمر بحمدون الإسلامي المسيحي الذي عقد برعاية أمريكية. وكتبت الطليعة: رجال الدين في بحمدون يصفعون أمريكا على وجهها، أمريكا ودول الغرب الرأسمالية تشكل أكبر خطر على الدين والحرية، لولا أمريكا ما قامت إسرائيل ولا تكالب الاستعمار في العالم. كما نشر العدد مواقف الاتحاد السوفييتي الداعمة للقضايا الوطنية العربية، وكلمة لستالين يقول فيها: إذا اقتنعت بأنك على حق فيما تعمل، فلا تهتم بما يقوله الناس عنك، افعل ما يُمليه عليك ضميرك ووجدانك.
وفي الصفحة الأولى للعدد (36) عام 1954 كتبت الطليعة: خالد بكداش نائب دمشق، انتصار رائع للقوى التقدمية في الانتخابات، وحملت الافتتاحية عنوان: لماذا نجح خالد بكداش؟ أما العدد (49) في كانون الثاني 1955، فنشر في الصفحة الأولى نص خطاب الأستاذ خالد بكداش في البرلمان حول السياسة الخارجية والأحلاف الاستعمارية والقضايا العربية والدولية. كما رفعت الجريدة شعار «الأخوة العربية الكردية».
صدرت الطليعة كجريدة أسبوعية سياسية مستقلة، أغلقتها سلطات الوحدة عام 1958، ثم عادت وصدرت في عهد الانفصال باسم «الطليعة العربية» كجريدة يومية سياسية مستقلة، بعد أن انضم إلى هيئة تحريرها عبد الباقي الجمالي وهو صاحب جريدة «النور» التي أغلقت بداية الوحدة مع مصر ولم تصدر أيام الانفصال، وحرر فيها أيضاً سعيد مراد ونصر الدين البحرة وسعيد حورانية، وأغلقت الطليعة العربية نهائياً بتاريخ 8/3/1963.
يذكر أن عدنان الملوحي الذي تخرج من الكلية الشرعية، أصدر مذكراته «الطريق إلى دمشق»، وفيها فصول شيّقة عن المظاهرات الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وثورة الفقراء في حي جورة الشياح الحمصي، وانتفاضة الجلاء ورحيل الاستعمار، وعن رجال الدين الذين اتهموا بالشيوعية في حمص، وذكريات لجوئه إلى ألمانيا الديمقراطية بعد 1963. المذكرات من تقديم شقيقه الأديب عبد المعين الملوحي «الشيوعي المزمن».

وبحديث عن الإعلام الليبرالي يوضح

ربما سمع الكثيرون اليوم عن شعارات مثل «الحياد»، «الاستقلالية»، الشعارات التي تدعي وسائل الإعلام الليبرالية تبنيها وتنفيذها. تلك الوسائل التي تسوق إلى الناس كذبة كاريكاتورية أمريكية- غربية، وذات هدف ليس بمحايد ولا مستقل!
هي كذبة كاريكاتورية ليبرالية فضحها اثنان من الصحفيين وأساتذة الإعلام في الولايات المتحدة هما ديفيد إدواردز وديفيد كرومويل في كتاب «أسطورة الإعلام الغربي الليبرالي المستقل: حراس السلطة»، الكتاب الذي يتحدث عن السياسة الأمريكية والبريطانية ودور الإعلام في التضليل.
رغم مرور عقود طويلة على الإغلاق القسري لجريدة «الطليعة» الدمشقية، إلا أن كلمات موادها القديمة وهي مطبوعة على الورق الأصفر أصدق من استقلالية الإعلام الليبرالي.
فالطليعة جريدة مستقلة، حافظت على الخط الوطني العام للبلاد بفضال الشايب ، ودافعت بشجاعة عن الحركة الشعبية زمن صعودها ومدها الجماهيري في خمسينات القرن العشرين، اتهمها خصومها بالشيوعية وهي ليست كذلك، بل ضربت مثالاً كيف ناضلت الصحافة السورية من أجل الحريات الصحفية منذ العدد الأول إلى الأخير مع تجنب الغرق في مستنقع الليبرالية، وحذرت من دور الاستعمار الأمريكي في التحضير للحرب العالمية الثالثة في منطقة الشرق قبل تصاعد التدخلات الأمريكية الحالية بعقود طويلة، ولمّحت إلى التراجع الذي سيصيب هؤلاء في النهاية

اما علاقته مع الدكتور عبدالسلام العجيلي فقصة فريدة ولا بد من الاستفاضة بها

فؤاد الشايب في مرآة صديقه عبد السلام العجيلي
الكاتب والإعلامي والسياسي الذي دفع أثمان مواقفه استهلكه العمل الوظيفي ولكنه كان رائد القصة القصيرة السورية

فؤاد الشايب الكاتب والسياسي والإعلامي، جمع صفات عدة، كان بارعاً في كل صفة ولكنه لم يخلص لأي جانب من هذه الجوانب، واليوم بعد عقود على رحيله لا يأتي على ذكره مؤرخو الأدب والقصة كما يستحق، ولا يذكر دوره السياسي الثابت إلا نادراً ومن كبار السنّ الذين ما يزالون يستذكرونه، واليوم لا يذكره الإعلاميون، ولا تحيي الإذاعة السورية ذكراه وهو مديرها، بل أزعم أن عدداً كبيراً من الإذاعيين لا يعرفون دور فؤاد الشايب الإعلامي.. واليوم نستمع إلى خطب وتحليلات سياسية، ولا يعرف كثيرون أن من خطّ أهم الخطب والتعليقات السياسية لإذاعة دمشق هو فؤاد الشايب المُشْرب بالوطنية والسياسة والأدب.
فؤاد الشايب كاتب القصة الرائد.. عندما نعلم أن القصة السورية عاشت مراحل عديدة، وكان أوج ازدهارها في النصف الثاني من القرن العشرين نستطيع تحديد مكانة الكاتب القصصي الرائد فؤاد الشايب، فهو في أربعينيات القرن العشرين كان قاصاً مرموقاً، بل كان عضو لجان تقويمية وتحكيمية للقصة القصيرة، ولا يمكن لقاص أن يبلغ هذه المرحلة إن لم يكن مشهوداً له من الأوساط الثقافية.. وأما الشايب الإعلامي فقد ذكر معاصروه إسهامه في التحليل السياسي لإذاعة دمشق، إضافة إلى إدارتها إضافة إلى مهامه العديدة، بما في ذلك مكانته في القصر الجمهوري في ذلك الحين.
لماذا وقع الظلم على الشايب وأدبه؟
طبعت أعمال فؤاد الشايب في وزارة الثقافة السورية بعد رحيله وبعناية أستاذنا الدكتور حسام الخطيب، ولكن هل تعدّ طباعة الأعمال طريق إنصاف للأديب، أي أديب؟ من المؤكد أن الأمر يتجاوز حدود الطباعة، وقد نال فؤاد الشايب الظلم من جوانب عدة:
– ارتباطه بالسلطة، فقد كان منشئ خطب الرئيس القوتلي كما يذكر صديقه الدكتور عبد السلام العجيلي وهذا الارتباط قد يدفع الكثيرين إلى التوجس من المثقف ونتاجه.
– ارتباطه بالإدارة، فهو كان مديراً للإذاعة، ومن ثم صار أميناً عاماً لوزارة، بمرتبة معاون وزير في زماننا، والإدارة تسهم في تشويه صورة الأديب، وتخلق عداوات لا يد له فيها.
– تشتت اهتماماته وإنتاجاته، وعدم إخلاصه لفن القصة والأدب، وهذا شأن كل أديب ارتبط بالشأن العام، فيخسر الأدب في هذه الحال أديباً لمصلحة موظف يمكن أن يقوم بدوره أي شخص غير مبدع.
– عمله الذي اقتضى منه الاغتراب عن سورية وراء مهامه التي كلف بها، ما جعله غير مستقر للإبداع والانتاج الأدبي، وهذا ما يفسّر وجود عدد من الكتب غير المنجزة لفؤاد الشايب.
– آراؤه الوطنية التي لم تستطع أن تنحاز إلى فئة، فوجد نفسه وحيداً في وسط كبير، وهذه الآراء جعلت الشايب يودّع الحياة كرمى لها.
قرأت الشايب مبكراً، وأحببت أدبه لارتباطه بشخصيات التقيتها، وأخرى لم أحظ بلقائها، لكنها محل احترام ميلاد الشايب، كرم خوري، محمد رشدي الخياط، الذين دفعوني لقراءته وحبه، ومن حسن حظي أنني شاركت وبمشاركة لي مع الأستاذ الدكتور حسين جمعة في بلدته معلولا، وبمبادرة من أبناء معلولا، وبمساعٍ مشكورة من الصديق الذي رحل باكراً بشار مسعد الذي حرص على تكريمه في بلدته، وكان اللقاء يومها لائقاً بالشايب، واليوم وبمبادرة من وزارة الثقافة في مهرجان ريف دمشق الثقافي، ولأنني أنتمي إلى القلمون الذي أنجب الشايب والشايب وكرم خوري وجمعة وكل الذين رحلوا مع أنسام القلمون، والذين يتنفسون هواء القلمون اليوم أجدني مدفوعاً للعودة إلى الشايب وأدبه وإبداعه وحياته، وبعد إعادة قراءته وجدت أن أي حديث عنه وإشادة سيفهم على أنه مجاملة وتكريم، إضافة إلى أن أعماله لم تعد موجودة بين أيدي القراء، لذلك عنّ لي أن أعود لما كتبه عنه صديقي الراحل المبدع الدكتور عبد السلام العجيلي، وصديق الشايب الوفي، وراق لي أن أقف عند محطات عاشها العجيلي مع الشايب، وهي ذات جوانب أدبية وسياسية ودبلوماسية، وهنا أنصف العجيلي ابن القلمون ومعلولا، وأستكشف خصالاً ربما لم يقف عندها بنفسه، وأخرى سيغض الطرف حياء لو كان موجوداً يسمعها.. فأكرم بوفي لوفي، وأديب لأديب، وصديق لصديق، وسوري منتمٍ لسوري يماثله.
فماذا قال العجيلي؟
أهم ما أقف عنده في كتب التراجم والسيرة غير الذاتية، وربما السيرة الذاتية عندما تتسم بالصدق والصراحة أنها تحوي ما تغفل عنه الكتب الأخرى، وفيما يتعلق بمكرمنا الأستاذ فؤاد الشايب فأزعم أن جوانب عدة من شهادة العجيلي لا نجدها إلا عنده، ولو أراد الشايب نفسه أن يقولها لاستحى من كتابتها، وسنرى أمثلة تكريم الصديق لصديقه.

في الجانب الإبداعي القصصي

رحل الشايب، ولم يكن العجيلي مضطراً لمجاملة، أو لقول كلمة ليست حقيقية، ولكنه وضع للتاريخ والأدب شهادة من الصعوبة أن يدلي بها كاتب في آخر إن لم يكن بالمستوى العالي أدبياً وإنسانياً، وها هو العجيلي المتخم بالوفاء وبالإنصاف، وهو لم يعط شهادة لأحد إن لم يكن مستحقاً، يتحدث عن الشايب، فهو كاتب القصة الأول، وهو الكبير، وهو الذي ترك أثراً على قلة ما أنتجه وطبعه في غمرة انشغاله.
«كان كاتب القصة الأول في سوريا لا منازع في ذلك، لم يخلف لنا هذا القاص الكبير كتباً كثيرة، ولكن كل قصة في مجموعته اليتيمة (تاريخ جرح) وفيها الكثير عن الحصار وهو كتاب قائم بذاته، مضى ربع قرن منذ صدرت هذه المجموعة ما زلنا إلى اليوم نذكر قصصها القصيرة.. قرأناها في مستهل شبابنا وما زال أثرها باقياً في وجداننا الغني إلى اليوم.

هل من السهولة أن يطلق شخص اعتباري، وله مكانته الأدبية مثل العجيلي حكماً لا يحتمل أي تأويل أو تحوير، فالعبارة لا لبس فيها «كاتب القصة الأول في سوريا» ولم يردف قوله هذا بأي حكم قيمة أو عبارة تؤخذ عليه، فالريادة هي الجانب الذي اعتنى به العجيلي، أي إن فؤاد الشايب هو الأول ريادة في القصة القصيرة الناضجة التي بلغت الصيغة الفنية في القص وفنه.. ويدلل على مهارة الشايب، بأنه لم يكن يكتب القصة العادية التي وصلت إليه، بل وصل غاية أبعد، وحصل مكانة فنية، فالقصة التي مضى على كتابتها عند فؤاد الشايب أكثر من ثلاثة عقود تركت أثراً راسخاً وقوياً، وتملك كذلك مقومات الحياة إلى اليوم حسب تعبير الدكتور العجيلي، ونحن اليوم إذا أردنا أن نقوّم أو نتحدث عن القصة السورية، فإن تاريخ جرح للشايب في الطليعة، وقد درس ذلك باحثو الأدب والقصة القصيرة السورية كما فعل الدكتور حسام الخطيب وسواه، وقد أهملوا تجارب أخرى، لأن الشايب كما يقول العجيلي أثّر في الوجدان الفني، وهذه إشارة إلى القصة الناضجة فنياً وهذا أهم.

في الإنسان والقناعات

كان الشايب موظفاً في القصر الجمهوري، وكان منشئاً لخطب الرئيس القوتلي، وكان مديراً للإذاعة، وهذا ما جعله هدفاً لأول انقلاب حدث في سورية، والمتوقع من الموظف إذا كان مجرد موظف أن ينفذ الأوامر، وللشايب قصة أطلق عليها العجيلي سمة الوفاء، وهي في الحقيقة وفاء الشايب لقناعاته أكثر من وفائه للرئيس الذي كان قريباً منه، ولنقرأ ما قاله العجيلي:
«في منتصف ليل الإثنين من آذار 1949» دوهمت دار فؤاد الشايب في شارع العابد، حارة شرف، في دمشق، ونقل صاحبها في حراسة عسكرية إلى حيث كانت القيامة قائمة.. كنت وفؤاد الشايب آنذاك جارين، نسكن في عمارة واحدة. فكان اهتمامي به وقلقي لغيابه كصديق وجار ينضافان إلى اهتمامي وقلقي كعارف بمركزه الأدبي ومكانته الثقافية.. عاد صحيح الجسم، ولكن ساهم الوجه حزين العينين و.. حليق الرأس؟ لقد اذله حسني الزعيم لوفائه للقوتلي فقد اقتيد الشايب إلى حسني الزعيم فأصدر هذا أمره إليه بأن يعد بلاغ الانقلاب وأن يتكلم في الإذاعة معدداً سيئات العهد الذي مضى، وحاملاً على سيد ذلك العهد. وكان على فؤاد الشايب أن يلبي ذلك الأمر. لقد فعل بطرس الرسول ذلك قبله وأنكر سيداً أعظم من شكري القوتلي بكثير ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك.. لكن فؤاد الشايب المعلولي العنيد الكاتب والمفكر والقاص والفنان لم يلبّ الأمر لهذا أسمع من لسان الزعيم السليط قوارص الكلام، ولهذا حلق شعر رأسه، وألقي بهفي الزنزانة في انتظار ما هو أدهى..».
كم من الأشخاص يمكن أن يفعلوا هذا الفعل اليوم ؟ وكأن العجيلي يعيش معنا اليوم ويرى الناس الذين يشار إليهم بالبنان، وهم ينقلبون بين عشية وضحاها لغايات آنية، لذلك أراد العجيلي أن يكون بعيداً في حكمه، فاستشهد ببطرس وانقلابه ثلاث مرات حتى صاح الديك، ولكن الشايب لم ينقلب على قناعاته، ولم يغير فيها شيئاً على الرغم من سجنه وتعذيبه، وانتهى الأمر به إلى صورة مؤلمة ويتعجب العجيلي منها، لأنها أقسى من التعذيب، وهي أنه صار حليق الرأس، فالانقلابي العسكري عاقب الأديب عقوبة عسكرية، وكانت هذه العقوبة وساماً على رأس الشايب مرافقاً لغصته وحزنه.

وجميل أن يدوّن العجيلي هذه القصة، لأنه قال: إن الشايب لم يكتب هذه القصة، وكتبها العجيلي دلالة على الوفاء، وعنونها بالوفاء.

الشايب والحياة الأدبية

بدأ الشايب حياته أديباً، بل إنه من القاصين الرواد الذين أسهموا في تنشئة القصة السورية، فبعد أن وصلت القصة الفنية الحديثة إلينا من الغرب ظهر جيل من كتاب القصة العرب، وخاصة في مصر، وبدأت التجارب التي خلطت ما بين القصة في التراث العربي والقصة الفنية الحديثة، ولكن التجربة الفنية اكتملت على يدي عدد من الكتاب المبدعين فكان في الرواية شكيب الجابري وحنا مينه، وكان في القصة عدد من الكتاب يتقدمهم فؤاد الشايب، وحتى نكون بعيدين عن الإنشاء نقتبس شهادة العجيلي القاص:

في عام 1943 كنت آنذاك طالب طب في جامعة دمشق، فازت قصتي (حفنة من دماء) بالجائزة الأولى في مسابقة أقامتها مجلة الصباح الأديبة الدمشقية، وكان فؤاد الشايب مقرر اللجنة المحكمة في المسابقة.. فوزي بهذه الجائزة لفت النظر إلى.. ككاتب قصة.. حين عرفت فؤاد الشايب لأول مرة كان صاحب اسم راسخ في عالم الأدب في سورية ولبنان، كما كان في القصة القصيرة الفتى المبدع الذي أعطاها عنفوانها وهويتها العربية السورية بعد طول حبو وتعثر.

لو كان العجيلي ناقداً فإننا ننظر إلى شهادته بصورة مختلفة، ولكنه قاص وروائي، ومع ذلك فإن إنصافه ومكانة الشايب دفعاه إلى تدوين شهادة مختلفة، فحين تقدم العجيلي لمسابقة في القصة مبتدئاً كان الشايب علماً وحكماً وصاحب اسم ترسخ في الفن، ولعل خير ما يمثل مكانة فؤاد الشايب قول العجيلي: أعطاها عنفوانها في عالم الأدب وهويتها العربية السورية بعد طول حبو وتعثر.. ولا يعرف أهمية هذا الأمر إلا من طالع تعثر الأدب السوري عموماً، والقصة ضمناً، في إطار البحث عن خصوصية سورية.

بين الإبداع والوظيفة

لم ينكر العجيلي الدور السلبي الذي أدته الوظيفة في حياة الشايب المبدع الذي كان مخلصاً في وظيفته، وتدرج في وظيفته إلى مراتب عليا، وأثقل ظهره وحياته في العمل الوظيفي وكل ذلك في سلامة واستقامة، مع أنه كان مجبراً أحياناً لاتباع بعض الطرق التي لا يؤمن بها والتي تفرضها عليه الوظيفة، وفي هذه التهمة الوظيفية مماهاة وممازجة بين المبدع والموظف، بل بصيغة أكثر وضوحاً لما هو عليه الآن، ولم يكن يومها واضحاً المماهاة بين المثقف المبدع والسلطة: «لقد بلغ فؤاد الشايب في الوظيفة مراتبها العليا، وهي مراتب كانت وظلت بالنسبة للقطاع الأكبر من متعلمي بلادنا هدفاً مرموقاً تبذل من أجله الجهود ويفنى فيه العمر، ولكن ما من إنسان عدت عليه الوظيفة خسارة أو حسبت عليه مأخذاً مثل فؤاد الشايب. نحن أصدقاءه، رأيناها عبئاً أثقل ظهره، وقيداً حال بينه وبين الإبداع الذي كان يجب أن تفجر به موهبته الأدبية وثقافته الواسعة وتحرره الفكري. أما الذين لا يجدون فيه مطعناً إلا أن يقولوا عنه إنه «موظف» ويأخذون عليه طواعية الموظف ومسايرته واضطراره إلى سلوك سبل قد لا يؤمن بسلامتها أو باستقامتها». يتأسف العجيلي لأن الشايب أعطى عمراً كان من المفترض أن يعطى للإبداع، ولكنها الحياة وتبعاتها والتزاماتها، وهذا الأسلوب من الحياة قد يفرض على المبدع الموظف أن ينحي إحساسه الإبداعي المرهف من أجل عمل وظيفي.

الشايب وقناعاته

لم يكن العجيلي مضطراً لمجاملة الشايب أو غيره من الذين عاصرهم، ولكنه وهو الذي يعترف بأن الشايب بمنزلة الأستاذ، ومن ثم الزميل، ومن ثم وكيل الوزارة الأمين مع العجيلي يقف أمام الشايب ومواقفه موقفاً يسجل لكليهما، فنحن أمام شخص مختلف هو فؤاد الشايب، الذي قد يضطر في عمله الوظيفي إلى فعل أو تصرف يجافي الحس الإبداعي، لكنه في المواقف لا يتخلى عن موقفه، بل هو صاحب موقف يذكره العجيلي ويشكره ويدونه ويدون مواصفاته للأجيال القادمة بغية التمثل في كل موقع عمل فيه الشايب سواء كان فكرياً أم وظيفياً أو دبلوماسياً.

«يرفض ما لا يرتضيه من دون جلبة أو ضجيج.. اعتدي عليه في أحد أحياء دمشق في أول شبابه لأنه كتب في جريدة الأيام مقالاً أدبياً رفض فيه قيود الطائفية البغيضة.. وحين حبس وعذب لأنه رفض تلبية أمر أصدره حسني الزعيم.. وآخر مرة حين رفض الحياة الهينة اللينة كموظف دبلوماسي.. فاعتدي عليه وهو يدافع عن حق أمته المستضعفة في بلاد قصية أهلها عون للظالم، بعيداً عن الأهل والنصير.. وفي هذه المرة الأخيرة كلف الرفض فؤاد الشايب حياته وكلفنا نحن حياة فؤاد الشايب، اعتدي عليه وهو يخطب على منبر في عاصمة الأرجنتين، فسدّ ذلك الاعتداء شرياناً في قلبه، ولما تماثل للشفاء عاود الكرة

فعاوده الداء.. حتى جيء به إلى سورية وإلى قومه الذين ضحى لهم بقلبه، جسداً مسجى..».
أهم صفة يسجلها العجيلي للشايب أنه صاحب موقف هادئ لا يسعى إلى ضجيج واستثمار لمواقفه، ويعدد العجيلي لذلك بعض مواقفه، فهو يقف ضد الطائفية، ومن أجل ذلك تعرض للتضييق، وهو يرفض أن يتخلى عن تاريخه ومبادئه، لذلك سجن أيام الزعيم، وهو صاحب قضية لذلك اعتدي عليه في الأرجنتين بقنبلة .

لجأت إلى قراءة الشايب في مرآة العجيلي لزعمي أن كتب التراجم والسيرة هي الأصدق في تصوير دقائق حياة الأشخاص والأمم، وفؤاد الشايب من الشخصيات السورية التي تستحق أن نقف عندها باستمرار لنتعلم ونحذو حذوها.

العظماء لا يرحلون ثختفي أجسادهم فقط لكنهم بطريقة غامضة يأتونا من الغيب ويعيدون حياكة وجوههم وأصواتهم وكلماتهم نراهم حينا في أمكنتهم المفضلة.. أو تأتينا أصواتهم في أعمالهم واقولهم وعبارة كانوا يرددونها أو تجتاحنا على هيئة عطر يملؤنا اليقين بأنهم لم يرحلوا.. فتوقظ بداخلنا ألف قصة وقصة ونبقى للشوق والترقب.لم تمت أيها العظيم.. يملؤنا اليقين بأنك لم ترحل ما زلت تحيا بيننا وفينا المجد وألخلود وألسلام لروحك الطاهرة وليكن ذكرك مؤبدا.