تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 46

الجزء التاني - في "تشرين"
قلت: إن توجه الكثيرين من شباب منطقة القلمون للعمل في دول الخليج في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ساهم إلى حد كبير في تسريع جفاف الينابيع وانخفاض مستوى المياه الجوفية في المنطقة إلى حد خطير. فكيف تم ذلك؟!
لم تمض الا سنوات قليلة على بداية تدفق هؤلاء الشباب إلى منطقة الخليج. حتى تمكن معظمهم من تحسين مستواهم المعيشي ومن إدخال مبالغ من المال مكنتهم من تغيير نمط حياتهم وحياة عائلاتهم. فقد اتجه هؤلاء تدريجيا إلى تحسين بيوتهم وتوسيعها وإلى تحويل بساتينهم وبساتين أهاليهم إلى مزارع للاستجمام صيفا. الامر الذي اقتضى منهم إجراء تغييرات نوعية على هذه البساتين.
ظهرت المسابح أو البحرات في الكثير من هذه المزارع واختفت الزراعات التقليدية منها كالبطاطا واللفت والقمح وهي الزراعات الأكثر انتشارا في منطقة القلمون لتحل مكانها حواكير صغيرة من الخضراوات مثل البقدونس والبندورة والخيار وغيرها من الخضراوات التي تدخل في مكونات التبولة والسلطة والمازوات الأخرى لزوم جلسات الترفيه التي كانت تحفل بها هذه المزارع وخاصة في فصل الصيف. واختفت الأزياء النسائية الريفية الجميلة التي كانت ترتديها نساؤنا وحلت محلها جلابيات صماء. تخلو من الجاذبية أو اي لمسة جمالية..
شكل هذا التغيير في نمط المعيشة دافعا لتشجيع الشباب من كل المنطقة للتوجه لدول الخليج. حتى أن الكثيرين من الطلاب تركوا مدارسهم أو أكملوا المرحلة الاعدادية أو الثانوية وتوجهوا إلى دول الخليج بعد اجرائهم مقارنة بسيطة بين ما يؤمنه لهم العمل في دول الخليج وبين ما يؤمنه عملهم في البساتين أو وظائف الدولة المختلفة.
كانت حمى شراء المزارع أو تحويل البساتين إلى مراكز ترفيه للعائلة والأقارب تزداد بتراتبية كبيرة تتناسب مع إعداد المهاجرين لدول الخليج ومستوى الدخل الذي يحققون. وحتى تكتمل عناصر الترفيه كان لا بد من تأمين كميات كبيرة من المياه تكفي لملئ المسابح أو البحرات وسقاية الخضراوات التي تستهلك الكثير من الماء بغض النظر عن المساحات المزروعة. ولتأمين كل ذلك كان لابد من حفر آبار في هذه المزارع وتركيب مضخات ديزل عليها.. وهكذا بدأ استجرار المياه الجوفية.
أثناء جولتنا في المنطقة تبين لنا أن معظم الآبار حفرت في منطقة الحوض المائي للبلدة المجاورة. فمثلا كثير من الآبار التي حفرت في يبرود كانت تسحب بشكل مباشر مياه الحوض المائي الذي يغذي النبع الذي يروي أراض مدينة البنك . وكذلك فإن الآبار التي حفرت في البنك كانت تسحب المياه من الحوض المائي الذي يغذي النبع الذي يروي أراضي وسكان ديرعطية. وانسحب هذا الوضع على نبع قرينة في يبرود وكافة ينابيع المنطقة.
بعد سنوات قليلة ومع القحط الذي حل بالمنطقة بدأت الينابيع بالنضوب وتوقفت عن الجريان وتبعها انخفاض مستوى المياه الجوفية بسبب تعميق الآبار بحثا عن المياه التي تم استنزافها دون وعي.
حتى سنة إجراء التحقيق بلغ عدد الابار التي حفرت في هذه المنطقة من القلمون أكثر من ثلاثة آلاف بئر. هدرت مياهها في في المسابح أو على زراعات غير مجدية اقتصاديا. وغالبها لا يحقق أي دخل معقول للأسر التي حفرتها.
أثناء تجوالي في المنطقة كان علي أن أجيب على سؤالين مهمين.
- كيف تمكن بعض سكان المنطقة من حفر هذا العدد المرعب من الآبار.
- ولماذا تغاضت الحكومة والجهات المختصة عن هذه الكارثة البيئية ولم تحرك ساكنا لإيقافها. قي حين فطنت حكومات الأربعينات والخمسينيات إلى مخاطر العبث بالمياه الجوفية وسنت القوانين التي تحميها وتمكنت من تطبيقها. في حين فشلت حكومات الشعارات التي شكلت في الستينات والسبعينيات أقله في المحافظة على الانجاز الذي حققته حكومات مرحلة الاستقلال. ولكي احصل على أجابة شافية على هذين التساؤلين توجهت إلى مدراء النواحي والمناطق ورؤساء البلديات في المنطقة وتوجهت لهم بهذين السؤالين. وحصلت منهم على عدة إجابات كان أكثرها تعبيرا على واقع الحال هو أكثرها كاريكاتورية وغرائبية.. وإثارة للغثيان!؟
كان صاحب الإجابة مدير منطقة يبرود ويحمل رتبة مقدم على ما أذكر. كان اسم عائلته "الجاجة" ولم أعد أذكر اسمه الأول. فعندما سألته عن سبب فشلهم في إيقاف حفر الابار وايقاف نزيف المياه الجوفية. أجابني:
- نحن من جهتنا نعمل كل ما بوسعنا.. وتابع:
انا شخصيا صادرت أكثر من مائة حفارة أثناء خدمتي في يبرود..!؟
قلت له:
- عظيم بما انك صادرت كل هذه الحفارات فكيف حفرت كل هذه الآبار في مجالكم الحيوي وأين هي هذه الحفارات؟ هل يمكنني معاينتها؟
اجاب:
- لا فهي غير موجودة!؟
سألته:
- وأين هي إذن؟!
أجابني وحرفيا!؟
-هي عند أصحابها ويحفرون بها الابار حتى الآن!؟
صعقت من الإجابة وطلبت منه أن يكررها.. فكررها بكل شجاعة وأقدام..
- هي عند أصحابها ويحفرون بها الآبار حتى الآن!؟
قلت له:
- لم أفهم . وكيف يحدث ذلك وكيف تعيدونها لأصحابها بعد مصادرتها؟
أجابني:
-لا تقلق ولا يذهب تفكيرك لأماكن بعيدة.. كل ذلك يتم فق القوانين المرعية!؟
قلت له: وضح لي.. اجاب بالتالي وحرفيا..
- تأتينا إخبارية عن وجود حفارة تعمل في منطقة ما. تذهب الدورية إلى المكان وتصادر الحفارة وتضعها في الشارع أمام مبنى قسم الشرطة. وبعد 24 ساعة نسلمها لصاحبها لعدم وجود مستودع لدينا نودعها فيه لأن القانون ينص على إعادة الحفارة المصادرة إلى صاحبها - كطرف ثالث - اذا لم يتوفر لدى الجهة المصادرة مستودع لحفظها. ونحن لا نملك مثل هذا المستودع. وأكمل السيد مدير المنطقة:
- أن جميع مدراء المناطق والنواحي في المنطقة يمارسون الطقس نفسه عند مصادرة أي حفارة!،
وهذا يعني أن الحفارة تتوقف عن العمل لمدة 24 ساعة عند مصادرتها وتعود لممارسة مهامها من جديد!؟
في اليوم التالي كنت على موعد مع فك لغز مصادرة هذا العدد الهائل من الحفارات في يبرود وغيرها من البلدات والقرى. فقد تمكنت من التحدث إلى شخصين يملكون حفارات في المنطقة. بينما رفض البقية التحدث إلي. وكذلك تحدثت إلى بعض أصحاب المزارع الذين حفروا آبار في اراضيهم. وعلمت منهم أن مدراء المناطق والنواحي يتقاضون عن كل حفارة يصادرونها خمسة آلاف ليرة ليعيدوها إلى أصحابها . وإن المائة حفارة هي في الحقيقة أقل من ذلك بكثير. ولكن السلطات تصادر مجموعة منها كل شهر بالتناوب فيقوم اصحابها بدفع المبلغ ليسمح لهم باستئناف عملية الحفر مرة أخرى . كما علمت ان هذا السيناريو كان يتكرر في كل قرى وبلدات ومدن القلمون.. وإن مسؤولين كبار كانوا يحصلون على حصة من الاموال التي تجبى نتيجة مصادرة الحفارات قبل إعادتها لأصحابها كطرف ثالث..!؟
(بالمناسبة كان خريج الجامعة يعين في ذلك الوقت براتب وقدره 385 ليرة).
أنهيت جولتي وعدت إلى دمشق وكتبت كل هذه المعلومات في تحقيق أفردت له مساحة واسعة. ورحت أراقب الأخبار في التلفزيون العربي السوري. عسى أن أسمع خبرا عن إحالة أي مسؤول صغير في القلمون أو كبير في المحافظة أو الوزارة للتحقيق في وقائع هذه الكارثة التي أدت إلى جفاف كل ينابيع القلمون وريف دمشق تقريبا. وإلى انخفاض منسوب المياه الجوفية 380 مترا بالتمام والكمال. ولكني لم أسمع شيئا عن هذه القضية. كل ما سمعته أن وزير الزراعة الإسرائيلى الذي تسبب بانخفاض منسوب المياه في الكيان المحتل 75 سم. قد اقيل من منصبه واحيل للمحكمة العليا!؟
وكما يريد ويحلم معدو نشرات الأخبار التلفزيونية في تلفزيوننا. عدت للشماتة والتشفي بهذا الوزير الفاسد. وأنا اتوقع انهيار الكيان الصهيوني بين لحظة وأخرى!؟
"يتبع"
عدد الزيارات
15053870

Please publish modules in offcanvas position.