خالد محمد جزماتي: سقوط الدولة العثمانية (9)

    كانت بريطانيا تحلم بحكم العالم أجمعه باتباع سياسات ماكرة جدا لا تدرك حقيقتها الا عند دراسة تفاصيل ماجرى بحلقات متتابعة لفصول سقوط الدولة العثمانية ومستقبلا ما جرى للولايات العثمانية عربية كانت أم غير عربية بعد تفكيك الدولة العثمانية..
    وكانت السياسة الروسية القيصرية واضحة وعلنية فيها كل الفجاجة، غايتها اسقاط الدولة العثمانية والوصول الى المياه الدافئة وتزعم الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق كله..
    أما بريطانيا، فدعمت العثمانيين ضد الروس وحالت دون سقوطها قرابة فرن من الزمان، و في الوقت نفسه كانت ترضي الفرنسيين باطلاق يدهم في المفرب العربي والأفريقي، وأيضا كانت تعد النمسا باطلاق يدها على مناطق في البلقان مثل البوسنة والهرسك وهكذا كانت تفعل في بقية أرجاء العالم..
    و أهم الأحداث التي جرت في عهد السلطان عبد الحميد هي قيامه بتشكيل محكمة مقرها قصر "يلدز" عام 1881 لمحاكمة المشتبه بهم بقتل عمه السلطان عبد العزيز الأول وعلى رأسهم الصر الأعظم السابق مدحت باشا (1822 - 1884) الذي حُكم عليه بالاعدام ثم خُفف الحكم الى المؤبد مع النفي الى بلدة الطائف بالحجاز، حيث لقي مصرعه خنقا في ظروف غامضة عام 1884، وأثناء حكم الجمهورية التركية عام 1951 تم نقل رفاته الى تركيا، وهو شخصية تجدر بالمهتمين بتاريخ المنطقة دراستها عن كثب لمعرفة كثير من تفاصيل تاريخ علاقات الدول الغربية بمنطقة الشرق الاسلامي وكيف تم تدمير محاولات الاصلاح واللحاق بنهضة الأمم الأوربية.
    ..وفي عهد السلطان عبد الحميد، و بمناسبة المئوية الأولى لذكرى الثورة الفرنسية 1ي عام 1889 تأسست "جمعية الاتحاد والترقي" على أيدي طلبة الكلية العسكرية والمدرسة الطبية العسكرية، وكان هدفها الرئيسي اسقاط حكم السلطان عبد الحميد الثاني الاستبدادي، وكان لها ذلك عام 1908 وعام 1909.
     
    السلطان عبد الحميد واليهود:
    حاول بعض زعماء اليهود منذ العام 1876 الاتصال بالسلطان عبد الحميد وطلب السماح لهم بالهجرة الى فلسطين نتيجة لطروفهم في مختلف بقاع الأرض، ولكنه رفض طلبهم، ولكن الهجرة بدأت بشكل فردي وأحيانا قليلة بشكل جماعي وبطرق مختلفة غير مشروعة، ولما جرت حادثة اغتيال القيصر الروسي "الكسندر الثاني" عام 1881 من قبل اليهود حسب تقارير استخبارية عالمية مختلفة، جرى ملاحقة منظمة اليهود "أحياء صهيون" في روسيا القيصرية، تم السماح لليهود الروس بالهجرة الى جميع الولايات العثمانية ما عدا فلسطين، ولكن البعض من اليهود دخل فلسطين ومدينة القدس بالتحايل على القوانين.
    و في أواخر عام 1892 أصدر السلطان عبد الحميد فرمانا يحرم فيه بيع الأراضي الحكومية لليهود.
    و في تسعينات القرن التاسع عشر برز دور الصحفي اليهودي النمساوي "تيودور هرتزل" (1860 - 1904)، والذي حاول عن طريق عرضه على الدولة العثمانية بالمساهمة في حل القضية الأرمنية، باقناع الدول الأوربية بتفهم وجهة نظر السلطان عبد الحميد الثاني حيال ذلك، ولكنه فشل في مساعيه ولم ترض بذلك أي من الدول الأوربية..
    ثم قام هرتزل بترؤس المؤتمر الأول الصهيوني عام 1897 في مدينة بال السويسرية والذي خرج بقرارات مهمة حول تشكيل الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية، ولما جاءت أخبار ذلك المؤتمر الى القصر العثماني وكانت الاستخبارات العثمانية القوية التي أسسها السلطان عبد الحميد فور حل مجلس المبعوثان وتعليق الدسنور عام 1878 تتابع يوما بيوم تحركات اليهود، أصدر السلطان أمرا بمنع اليهود من السكن في فلسطين، ومنع اليهود الأجانب دخول مدينة القدس، ومع ذلك تمكن تيودور هرتزل من الوصول الى العاصمة استامبول ومقابلة السلطان عبد الحميد عام 1901، ثلاث مرات حيث عرض عليه مبالغ مالية مغرية والتكفل بسداد الديون المترتبة على الدولة العثمانية، مقابل السماح بهجرة اليهود الى فلسطين ومنحهم حكما ذاتيا، ثم قيامهم بدفع ما يترتب عليهم من الجزية، فرقض السلطان العرض بشدة، و وافق على هجرة اليهود إن شاؤوا الى اّسيا الصغرى والعراق على أن يسددوا ديون الدولة، وهذا لم يكن ليرضي "هرتزل"..
    و مع ذلك تابعت المنظمات الصهيونية التحايل على القوانين من أجل هجرة اليهود الى فلسطين وشراء الأراضي بمختلف الأساليب الشيطانية، وفي العام 1902 حاول هرتزل تأسيس جامعة عبرية في فلسطين ولكن السلطان منعه من ذلك، وفي العام 1903 حاولت قيادات الصهاينة عقد مؤتمرهم الصهيوني في فلسطين، ولكن السلطان عبد الحميد الثاني منعهم من ذلك أيضا، وفي العام 1904 مات زعيم الصهاينة تيودور هرتزل، فتابع الصهاينة أعماله وحصلوا على وعد بلفور المشؤوم عام 1917 القاضي بانشاء وطن قومي لليهود..
    وللحديث بقية
     
    الصورة العليا للسلطان عبد الحميد الثاني والسفلى لتيودور هرتزل
    عدد الزيارات
    15646997

    Please publish modules in offcanvas position.