جمانة طه: البابا الشاعر

جمانة طه, Author at التاريخ السوري المعاصرعندما عدَّ أرسطو الشعر واحدًا من الفنون الجميلة، لم يدر في خاطره أن يكون الشعر واحداً من طقوس العبادة. إذ ليس غريبًا أن يكون الشعر فنًا جميلاً يستلهم العمارة والبنيان، وليس غريباً أيضاً أن يكون مدخلاً إلى الروح الشفيفة، إنما من المدهش حقاً أن يكون الشعر ترتيلة صلاة ترفعنا إلى مستوى إنسانيتنا وتقربنا من الله. هكذا هي أشعار قداسة البابا يوحنا بولس الثاني"1920-2005" التي صدرت عن أحاسيس نبتت في فضاء شعري متوحد مع الإيمان والإنسانية. فإذا كان تاريخ الإنسان يبحث فقط في جسد الأشياء، وإذا كانت الأشياء لا تموت موتًا شخصيًا، فإن الكثير من الإنسان يموت في الأشياء. فالأشياء، كما يراها قداسته، لا تقوى على الحفاظ على ما هو إنساني.. لكن الإنسان قادر على ذلك، فيما إذا حافظ على الإنسانية التي خصه الله بها.
في قصيدة عنوانها "مخاطبة تبدأ مع الإنسان"، يقول: الحياة تنبض.. والدماء تنز بداخلها عد إلى أي مكان رقد فيه إنسان ما.. ثم عد إلى المكان الذي ولد فيه الماضي، هو وقت الولادة.. لا وقت الموت. ترتكز أفكار الديوان على ثلاثة محاور، وهي: الإنسان والحياة والعمل. فالشاعر حين كان شابًا، وقبل أن يصبح رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، عمل في مقلع للحجارة. لهذا ليس غريباً أن تؤرقه أحوال العمال وظروفهم القاسية، وأن يشغله الفساد الذي يغمر العالم ويغرقه في لجة المادية ويخرب نفوس البشر، ويجردهم من إنسانيتهم. ولأن في الشعر انتصاراً للحياة وملاذاً للنفس المتصدعة، يدعونا قداسته في قصيدة "مقلع الحجارة" لنتعرف إلى المادة الصلبة عن طريق الإصغاء إلى وقع المطرقة وصوت التيار الكهربائي الذي يشق قلب الصخر، فيقول: إصغ.. مجرد القرع بالمطارق يشبههم كثيرًا.
* * استمع الآن التيار الكهربائي.. يخترق أحشاء نهر من الصخر وهنا تكمن عظمة العمل في الإنسان.
* * انظر.. كيف يقتات الحبّ على هذه الأرض الصلبة وكيف ينساب إلى أنفاس الناس كما النهر.. حين تحنيه الرياح فلا يُسمع له صوت بل يمضي في كسر الأوتار ذي النغمات المرتفعة.
وعن العامل، يقول: قاسية يده ومتصدعة مشحونة بالمطرقة العضلات ترسم أسلوبها الخاص والأفكار تنبىء عن أفعالها جبهته معقودة بالتجاعيد الأكتاف مقنطرة وكذلك العروق إنه ليس مجرد شكل بل هو إنسان يقف ما بين الله والحجر
***
هذا هو البابا الشاعر الإنسان، الذي ينتقي أفكاره من حياة البسطاء ومن طبيعة الأعمال التي يمارسونها. ثم يشكلها قصائد تشع بصدق اليقين، وتحيا بحلم الوصول إلى عيش أفضل. في قصيدة "عامل في مصنع الأسلحة"، يروي لنا قصة هذا العامل البسيط الذي يعاني من صراع يدور في أعماقه بين الالتزام بعمله وتنفيذ أوامر صاحب المصنع، ومشاعره الإنسانية التي تدعوه إلى التوقف عن إنتاج السلاح المدمر للبشرية. ولكن أنى لهذا العامل البسيط أن يتوقف، وهو لا يملك قوة ولا مالا؟!
يقول الشاعر بلسان العامل: لا أقوى على التأثير بمصير العالم أأنا البادىء بالحروب؟ أنَّى لي أن أعرف، إن كنت مع أو ضد؟ لا لست أنا الجاني يساورني القلق أني لا أستطيع التأثير لست أنا من يقترف الآثام إني فقط أدير مواقع البراغي ثم أنجز لحام أجزاء آلات التدمير إن ما أصنعه هو خطأ لكن ليست كل شرور العالم من فعلي أيكون هذا الاعتراف كافياً لتبرئتي؟
وفي قصيدة تحمل عنوان "في ذكرى عامل زميل"، يقول: لم يكن وحيدًا عضلاته نبتت في لحم الجماهير تغذي نبضهم بالطاقة ما دام يقبض على المطارق ما دامت قدماه تلامس الأرض ما دامت الحجارة تهشم وجهه وتخترق صميم كبده
من النصوص التي بين أيدينا نلحظ تماهي ذات الشاعر مع الذات الإنسانية الشاملة، حتى يكاد لا يظهر فيها غير صوت الإنسان الذي هو صوت الله والحق والحرية. ومن قصيدة "يوحنا يتضرع إليها"، نقرأ: لا تخفضي موجة قلبي يا أماه فهي تعلو أمام ناظريك لا تغيِّري مجرى المحبة دعي الموجة تدانيني عبر يديك الحنونتين رأى البابا الحياة بنور الله، فكان الشعر وسيلة يظهر بواسطتها الظلم الذي يحيق بالإنسان. فإذا كان الفكر ينظر ويحلل، فإن الشعر هو الروح التي تصل إلى قلب الحياة وتعانق أسرارها. يقول قداسته في قصيدة "الزنجي": يا أخي العزيز أحس وكأنك أرض شاسعة أنهارها نضبت والشمس تحرق الأبدان مثلما تصهر النار خام المعادن
***
أشعر أن فكرك هو فكري فسيان عندي إن هم أمالوا كفة الميزان ففي كفتيه: تكمن الحقيقة.. ويكمن الضلال إن رهافة الإحساس عند البابا الشاعر، تتبدى في براعته على التقاط أدق التفاصيل من الحياة، وتجسيدها في مواقف شعرية. من خلال اهتمام البابا بالإنسان، نلحظ حضوره في أشعار الديوان كلها، سواء أكان الموضوع عن الطبيعة أم عن المرأة التي يعدها البابا أمّ جميع المخلوقات البشرية، أم عن الطفل والمفكر والفتاة التي خذلها الحب، أو عن الرجل الأعمى الذي خذلته عيناه مثلما خذلت الرجل الزنجي بشرته. في إحدى قصائده يعيدنا قداسته أطفالًا نتدحرج على رمل الشط، وتتشابك أيدينا شجرة في ضوء القمر، فيقول: ينمون، من غير وعي، عبر الحب.. فجأة ينمون.. يدًا بيد يتجولون بين الجموع. تسقط قلوبهم كما العصافير في الشراك. نبض الحياة يضرب في قلوبهم.. على الشط.. بمحاذاة النهر، تتشابك أيديهم.. شجرة في ضوء القمر.
***
هذا هو البابا الشاعر، البابا الإنسان الذي أطلق أشعاره واضحة كفكره، صادقة كقلبه، صلبة كالحجارة التي عايشها. ترى هل كان قداسته شاعرًا، قبل أن يكون رجل دين؟ أم أنه شاعر لأنه رجل دين؟ وإذا كانت السماء فضاء متسعًا ممتدًا ومستمرًا، فإن أشعار قداسة البابا يوحنا بولس الثاني أيضًا فضاء إنسانيًا لا حدود له. تزينها لغة صوفية، ويوشيها إيمان راسخ بالحب وبالإنسان. أوليس الماء من لون الإناء؟
* البابا الشاعر/ ديوان شعر، ترجمة نويل عبد الأحد وجورج مصلح، عمان 1981
عدد الزيارات
15661436

Please publish modules in offcanvas position.