تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 67

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
كانت قضية الخميسية واحدة من أهم القضايا التي أنجزت في الفترة التي تسلمت فيها رئاسة قسم التحقيقات. وقد حدثتكم عن هذه القضية في شهادتي بشيئ من التفصيل والاطالة، لأعطي فكرة للأصدقاء المتابعين عن الأسلوب الذي كنا نتبعه في إنجاز مثل هذه التحقيقات. وردات الفعل التي كانت تواجه أغلب تحقيقاتنا.
كانت تحقيقاتنا تواجه من قبل السلطات المسؤولة أو من قبل المعنيين بموضوع التحقيق بأساليب متعددة.
- اما بالتجاهل الكامل لموضوع التحقيق. أو بإنكار المعلومات الواردة فيه. أو بتوجيه ردود مكتوبة لنا، تحمل تبريرات لتقصير أو إهمال أو فشل أو فساد. أو بوعود لمسؤولين بالتعاطي مع موضوع التحقيق بجدية. ودراسة ما جاء فيه واتخاذ الإجراءات المناسبة. وتكون الحصيلة احيانا، اما التنكر للوعود أو القيام بإجراءات ترقيعية أو فردية تخص موضوع التحقيق ذاته وتتجاهل المناخات العامة التي تهيئ تربة خصبة لمن يريد تبرير تقصيره أو أهماله اوجهله او حتى فساده.
لم يكن تحقيق الخميسية هو الوحيد الذي حقق أهدافه. وتمكن من لفت الانتباه إلى ان الصحافة يمكن أن تكون مؤثرة على أصحاب القرار وعلى الرأي العام. فجريدة تشرين ومنذ انطلاقتها في 17 نيسان 1975 نشرت مجموعة من التحقيقات الهامة أيام رئاسة الزميل إبراهيم ياخور للقسم. ولكن قليلا ما كانت تحقيقات الصحف بشكل عام تحقق النتائج المتوخاة منها.
لكن ما ميز تحقيق الخميسية عن غيره هو اهتمام كبار المسؤولين. وكونه شغل عددا كبيرا في شخصيات السلطتين التنفيذية والقضائية. والأهم من كل ذلك أن إجراءات فورية اتخذت لحل المشكلة التي تناولها التحقيق، أسفرت عن إعادة الحق لأصحابه دون مواربة أو مماطلة وبشكل فوري.
لقد كان العامل الحاسم في وصول التحقيق لغاياته وأهدافه. هو قيام الزميل مصطفى عتيق باجراء التحقيق بحرفية واضحة. تمثلت في تأمين الوثائق التي تدعم تحقيقاته وأقواله وتعطي مصداقية لكل كلمة وردت في التحقيق.. وهذا ما كنت أسعى إليه باستمرار.
كنت ومنذ ان بدأت عملي رئيسا لقسم التحقيقات كثير الاهتمام بتوثيق المعلومات الواردة في التحقيق. لاني دائما كنت أعتبر ان للوثيقة أهمية لا تقل عن أهمية التحقيق ذاته. لأن التوثيق هو الذي يعطي للتحقيق أهميته وصدقيته ويجرد المقصرين والمهملين والمتورطين والفاسدين وداعميهم من أسلحة يمكن أن يستخدموها ضد الصحفي كاتب التحقيق أو ضد القسم وحتى ضد الجريدة.
لقد أنجز القسم قبل تحقيق "الخميسية" وبعده تحقيقات لا تقل أهمية عنه.. ولكنها على أهميتها واهتمام الرأي العام بها. لم تصل إلى خواتيمها السعيدة المنتظرة
كان من أهم هذه التحقيقات. تحقيق تناول معمل الأسمدة الفوسفاتية في الجهة الغربية من مدينة حمص.
لم يكن يعرف سكان مدينة حمص أو لم يكونوا على علم بالمخاطر البيئية والصحية التي سيتسبب بها هذا المعمل على المدينة وسكانها إلا بعد أن تم تشغيل هذا المعمل وأصبحت الروائح الكريهة والابخرة السامة - التي تحملها الرياح الغربية النشطة دائما في تلك المنطقة - تغطي سماء المدينة وارضها. وتتسبب بزيادة حالات الإصابات بالامراض التنفسية والسرطانية بنسب كبيرة
كانت وسائل إعلام محلية عديدة ومنها تشرين قد سلطت الضوء على هذه المشكلة وعلى معاناة السكان في حمص.. وقد قررت أن ادلي بدلوي في القضية.
توجهت إلى حمص مع أحد الزملاء المصورين لاستطلاع الموقف. وقررت أن أبدأ من أساس المشكلة وليس من نتائجها. فربما ساعد الكشف عن أساس المشكلة على التعامل مع النتائج الفظيعة التي أسفرت عنها بناء هذا المعمل في موقعه.
قمت بجولة في محيط المعمل رافقني فيها أحد المهندسين العاملين فيه. لاكتشف فداحة التدهور البيئي الحاصل في محيط المعمل، ولاجد ان الاضرار لم تقتصر على تلوث الهواء والتسبب بالامراض بل إن المزروعات المتواجدة في منطقة وضمن دائرة نصف قطرها يزيد عن خمسة كيلومترات قد تضررت وذبلت واصيبت هي الأخرى بأمراض لم تكن معهودة في المنطقة كما أن علامات التلوث بدات بالظهور في مياه الري والمياه الجوفية.
سألت المهندس عن الأسباب التي جعلت المعنيين يشيدون المعمل في هذا المكان وفي الجهة الغربية من حمص. فافادني بأن الشركة السوفيتية هي من اقترح الموقع لأنه قريب من مصادر المياه في بحيرة قطنية. وقد اعترض بعض المهندسين السوريين على الدراسة السوفيتية وحاولوا إقناع السوفييت ببناء المعمل في الجهة الشرقية من حمص لأنهم أبناء البلد وأخبر منهم بطبيعة ومناخ المنطقة. إضافة إلى أن الجهة الشرقية مناسبة اكثر لبناء المعمل من الناحيتين الفنية والبيئية. كما رفع بعض المهندسين السوريين مذكرة للجهات المعنية حينها. بينوا فيها حجم الأضرار التي سيسببها المعمل في حال بنائه في المنطقة الغربية. . ولكن المعنيين اعتمدوا الدراسة السوفييتية وأهملوا آراء المهندسين السوريين.
التقيت على مدى يومين بإدارة شركة الأسمدة التي صارت تضم يومها ثلاثة معامل.. وكما التقيت بعدد من مهندسي الشركة ومن إعضاء المجلس البلدي للمدينة. وخلصت إلى نتيجة مفادها. إن مشكلة التلوث الناتجة عن المعمل لا يمكن حلها إلا بنقل الشركة إلى الجهة الشرقية من حمص. وحتى يحين ذلك الوقت لابد من تخفيف انبعاث الغازات والابخرة والتلوث عن مدينة حمص وسكانها..
نشرت خلاصة التحقيق مع وعد اطلقه مدير الشركة بالمبادرة فورا بتركيب مصافي على مداخن المعمل لتخفيف التلوث. أما نقل المعامل فهذا القرار هو أكبر منه كما قال ولا يستطيع البت أو التوصية فيه..
وهكذا تسببت دراسة السوفييت للمعمل وبنائه قرب بحيرة قطينة والتي لم يقف في وجهها أي من المسؤولين إلى حدوث خسائر مادية تعادل مئات أضعاف المبلغ الذي تم توفيره جراء بناء المعمل في المنطقة الغربية من المدينة.
لقد انفقت الدولة السورية مئات الملايين نفقات أدوية ومشافي لعلاج السكان من الأمراض كما تحملت خسائر كبيرة في الانتاج الزراعي والارض الزراعية. .وما زال النزيف مستمرا..!؟
بعد ضجيج وسائل الاعلام تم تركيب مصافي على مداخن المعامل لم تفلح في حل المشكلة. وبقي سكان حمص يدفعون الثمن حتى الان دون أن يحاسب أحد على جريمة بيئية دفع السكان ثمنها غاليا.
"يتبع"
عدد الزيارات
15660776

Please publish modules in offcanvas position.