تيارات المجلس النيابي 1947 – 1949 والمعضلة الاجتماعية.. وقانون العشائر لعام 1956

    كتب الدكتور عبد الله حناد. عبد الله حنا: موقف الحكم في سورية من النقاب:

    يلاحظ المتتبع للتيارات الفكرية السياسية الموجودة في المجلس النيابي 1947 – 1949 الاتجاهات التالية:
    أ– تيار رجعي ينقسم بدوره إلى قسمين:
    تيار يدعو إلى اعطاء الأرض لمن يحسن استثمارها، أي لمن يملك الثروة وبإمكانه تجهيز مستلزمات العمل الزراعي وبخاصة بعد انتشار أسلوب الانتاج الرأسمالي في الزراعة. ومن وراء راية التراث والتظاهر بالدفاع عنه يسعى هذا الاتجاه لترسيخ أقدام النظام الاقطاعي المتعايش مع الرأسمالية الزراعية.
    تيار رجعي آخر، يدافع عن أفكاره، وبالتالي عن مصالحه، بأسلوب مرن وطرق متعرجة. كما نجد داخل هذا التيار المرن اتجاها يرفض مطلقا انتزاع أراضي أصحاب الأملاك ويعلن عداءه الصريح للنظريات الاشتراكية.
    ب – تيار معاد لحكومة الحزب الوطني متمثل في حزب الشعب يهاجم الحكومة بهدف الحلول محلها. أي تبديل الحكم "البورجوازي – الاقطاعي" بحكم "بورجوازي – اقطاعي" أكثر "حداثة" و"عصرنة"، وكان هدف هذا التيار في مطلع عهده الوصول إلى الحكم على أنغام الطبول والزمور "التقدمية" ولهذا فإنه فضح غيارات الأقوياء على أملاك الدولة في الجزيرة ونبه إلى استمرار بعض مظاهر الاقطاعية العشائرية مثل الخوة.
    ج– تيار ليبرالي يرغب في إجراء إصلاحات تقلص تأثير العلاقات الاقطاعية.
    د – تيار يدعو إلى اشتراكية غير واضحة المعالم وينادي بتوزيع الأرض "البور" غير المستثمرة على الفلاحين. ومعروف أن هذه الأرض قليلة الأمطار وخصوبتها قليلة لأن الكبار أخذوا الأرض الخصبة وتركوا الأرض الرديئة.
    ويلاحظ أن هناك من دافع عن الزعامات العشائرية زاعما أن الزعامة العشائرية، التي تحولت بصورة واضحة إلى أرستقراطية بدوية، تحيا حياة اشتراكية. وكانت بعض الصحف المأجورة تملأ صفحاتها تمجيدا "باشتراكية شيوخ العشائر وديموقراطيتهم".
    وقد دل حديث أكثرية النواب الحذر والخائف عن الاشتراكية على أن الأفكار الاشتراكية أخذت تدق أبواب المجتمع العربي مبشّرة بحلول عهد جديد. ولهذا أخذت القوى الاقطاعية البورجوازية ترفع "رايات الاشتراكية" بهدف تشويه الاشتراكية وطمس مبادئها عن طريق رفع رايات فارغة باسمها. ويلاحظ أن الكثير من النواب كان يظن أن الاشتراكية تقتصر على توزيع الملكيات الكبيرة فحسب.
    ويسترعي الانتباه خوف الجميع من "الدعايات الهدامة" ومطالبة الحكومة بإجراء اصلاح ما حتى لا تتسرب "المبادئ الهدامة" إلى المجتمع.
     
    ****************
    قانون العشائر لعام 1956
    والصّراع بين التّحضّر والتخلف
    1 – مقدمات القانون:
    أول قرار خاص بالبدو صدر عام 1936 في عهد الانتداب لحل الخلافات التي تتم بين العرب الرحل فقط. وآخر قرار صدر في عهد الانتداب كان في 4-6-1940.
    في عام 1945 طالب رؤساء ونواب العشائر بإصدار قانون عشائري وجددوا الطلب في جلسة مجلس النواب في 6-12-1947 من أجل تحضير العشائر. وقد احتج نواب العشائر على قانون العشائر الصادر بقرار من المفوض السامي الفرنسي والقاضي بتقسيم العشائر إلى رحل ونصف رحل. والقبائل نصف الرحل منها بو شعبان، العكيدات، الجبور، البكارة، طي.*. وطالبوا بإلغاء هذا القانون ووضع قانون جديد يساوي بين العشائر ويخضعها إلى أحكام القانون المدني والعشائري.
    كما طالب نواب العشائر ورؤساؤهم في جلسة 6-12-1947 بإعطاء كل فرد من العشائر قطعة أرض من أملاك الدولة في المنطقة، التي يتجول فيها تكفي لسكناه ومرعاه وفلاحته وزراعته واعطائه سند تمليك بها مع فتح الأقنية الرومانية وجلب آلات الفلاحة وإعطاء البدو البذار اللازم لهم.
    في أيام حكم الشيشكلي صدر في 21-5-1953 المرسوم رقم / 124 /، الذي رمى إلى تحويل عدد من العشائر البدوية إلى حضرية.
    في 21-4-1956 قرر مجلس النواب تأليف لجنة خاصة من ممثلي الأحزاب والكتل النيابية لدراسة اقتراح قانون العشائر الجديد الذي وضعته حكومة سعيد الغزّي أيلول 1955 – حزيران 1956 ليحل محل قانون العشائر الصادر أيام الشيشكلي في أيار 1953.
    الأسباب الموجبة لوضع القانون هي تطبيق أحكام الدستور 1950 "في مادته الثامنة والخمسين بعد المئة التي نصت على ما يلي":
    1 – تعمل الحكومة على تحضير البدو.
    2 – يوضع قانون خاص يراعي التقاليد البدوية بين البدو الرحل ويحدد العشائر التي تخضع لاحكامه ريثما يتم تحضيرهم.
    3 – يوضع برنامج على مراحل لضمان تحقيق تحضير البدو ويقر مع اعتماداته بقانون.
    4 – يوضع في قانون الانتخابات أحكام مؤقتة خاصة بانتخابات البدو الرحل تراعي فيها أوضاعهم من حيث السجل المدني وكيفية التصويت.
    مشروع قانون العشائر وضع في عهد وزارة سعيد الغزي، حيث كان منير العجلاني اليميني وزيرا للعدل*، وهذا مما أصبغ على مشروع القانون الجديد طابعا محافظا ممالئا للنزعات الراغبة في ابقاء البادية خارجة عن قوانين الدولة. وكان رؤساء العشائر وراء وضع القانون من أجل تغيير جدول العشائر بصورة تعيد من تحضّر منهم إلى عهد البداوة أو بالأصح تطبيق قوانين البادية عليه مع استفادته من "نعم" المعمورة وهي الحصول على الأرض وامكانية بناء بيت والاستقرار.
    الطريف في الأمر أن قانون الشيشكلي لعام 1952 سعى لتحضير البدو وكان خطوة اجتماعية إلى الأمام. أما مشروع القانون لعام 1956 فكان خطوة إلى الوراء، وقف وراءها زعماء العشائر والقوى اليمينية، الراغبة في عرقلة تطور البلاد سياسيا في مقاومة الأحلاف الاستعماري.
    ومن هنا فإن النقاش الدائر في المجلس النيابي حول مواد هذا القانون، وبخاصة مادته الثالثة عشرة، كان نقاشا بين تيارين:
    - تيار محافظ متخلف يحتمي وراء التقاليد والأعراف البالية،
    - وتيار تقدمي متنور يريد دفع المجتمع الريفي عامة والبدوي خاصة خطوات إلى الأمام وكان لنواب حزب البعث العربي الاشتراكي وللنائب الشيوعي وغيرهم من النواب التقدميين القدح المعلى في تعديل مواد القانون لصالح التقدم ولصالح جماهير البدو، التي خُدع بعضها أو استمرأ حياة البداوة وتقاليدها البالية.
    ***
    2 – مناقشات حامية في المجلس النيابي حول القانون.
    ننقل فيما يلي فقرات من أقوال النواب في مناقشة مشروع قانون العشائر في جلسة 28-4-1956:
    أكرم الحوراني - ... كيف يجوز لنا أن نقلب المتحضرين إلى عشائر بناء على مشروع القانون الجديد... ان الموضوع الأساسي الذي دفع البعض إلى تقديم المشروع يتعلق بجدول العشائر... كيف يمكننا أن نعتبر قسما كبيرا من الأراضي التي أصبحت آهلة بالسكان وأصبحت القرى فيها قائمة والأهالي يمارسون الزراعة، أن نعيدها إلى حالة البداوة... العهد الدكتاتوري (يقصد الشيشكلي) حضّر البدو ونفّذ أحكام الدستور.
    عبد الكريم زهور - ... ان قانون العشائر يعالج مشكلة وجود مجموعة من المواطنين لا تنطبق عليهم أحكام القوانين التي تنطبق على بقية المواطنين... ينبغي أن لا يكون التشريع صدى للواقع وانما صدى للمرحلة التي تلي الواقع.. ان هنالك أكثر من خمسين إلى ستين كيلو مترا إلى الشرق من حماة أرض مليئة بالقرى المسقية أفراد البدو أصبحوا فيها حضريين ويعملون في الأرض...
    خالد بكداش – ان هذا القانون لا يسهل الاتجاه نحو التحضير، بل أكثر من ذلك سيؤدي إلى تطويل مدة تحضير العشائر.. فالمادة الخامسة تقول يجب أن ننتظر حتى يصبح 75% من أفراد العشيرة حضريين وعندها تصبح العشيرة حضرية.
    سهيل الخوري... لا يجوز استثناء أفراد العشائر من الجندية وترك الأمر لوزير الدفاع.. لن تكتب الحياة لهذا القانون لأنه يخالف القوانين التطورية..
    منير العجلاني – (وزير العدل) في الدستور دعوة إلى تحضير البدو وأخرى إلى رعاية تقاليد البدو.. ان من دخلوا الحضارة من البدو دخلوها من النافذة، وليس من الباب (أراد الرد على النواب التقدميين، وتحت ستار التمسك بالتقاليد. سن قانون رجعي كان العجلاني وراءه لأسباب سياسية).
    خليل الكلاس - ... عشيرة متحضرة يعتبرها القانون الحالي متبدية... ان عدم تحضير البدو يعود إلى رغبتهم في التهرب من أداء خدمة العلم.
    رشدي الكيخيا - ... اعطاء الفلاح قطعة من الأرض لا يفيد كما رأينا بأم أعيننا. أولئك الذين وزعت عليهم قطع من الأرض، أتى المستثمرون ووضعوا أيديهم على هذه الأرض.
    سهيل الخوري – ان قرار عام 1940 قسّم العشائر إلى رحالة ونصف رحالة. أما قانون الشيشكلي فلم ينص على العشائر الرحالة...
    أكرم الحوراني..... ان لفلفة الموضوع لا تجوز، واننا سننسحب..
    رئيس المجلس – ان من تكلم مع القانون أربعة ومن تكلم ضده ستة وهناك 18 نائبا يريدون الكلام..
    أكرم الحوراني - ... هناك عشرات الآلاف من أفراد العشائر قد سجلوا في سجلات الأحوال المدنية بعد صدور قانون الشيشكلي 1952 وخاضوا المعركة الانتخابية (في خريف 1954).... استغرب أن نضع قانونا يحوي جميع أحكام المرسوم 124 (أي مرسوم الشيشكلي) باستثناء النواحي الايجابية المتعلقة بتحضير العشائر، التي تحضرت فعلا... (ثم ينتقد الحوراني جدول توزيع العشائر الذي يعيدهم إلى البداوة).
    خالد بكداش - ... لماذا لا نريد هذا الجدول... بعض البدو المتحضرين طلبوا أن تسري عليهم الأحكام السارية على العشائر غير المتحضرة، هل يقبلون أن تؤخذ منهم الأراضي؟ أو يعودوا إلى البادية؟ وينتجعوا الكلأ... ليس هذا ما أرادوه أرادوا البقاء في حالة الحضارة مع التخلص من قوانينها وذلك للاستفادة من بعض الامتيازات التي تتمتع بها العشائر التي هي في حالة البداوة. هذا جوهر الخلاف الحاصل حول المادة الثانية.
    ممثل مديرية العشائر - ... عشائر شملها التحضير وتملك أرضا وعشائر شملها التحضير ولا تملك أرضا مثل عشائر جبل الدروز. بعد صدور المرسوم 124 لعام 1952 أصدر وزراء الداخلية في عامي 1953 و 1954 قرارين اعتبرا بموجبها العشائر الرحالة هي الرولة والحسنة والسبعة والفدعان وشمر وباقي العشائر صدر قرار بتحضيرها بموجب المرسوم 124.
    خليل الكلاس – ممثل الحكومة أعطانا مساحة الأراضي المستثمرة من قبل كل عشيرة وعدد أفرادها ولم يعطنا نسبة المتحضرين أو عددهم.
    رئيس المجلس – ليس لديهم هذه الاحصاءات.
    عبد الكريم زهور - ... ان هذه الأراضي المسجلة باسم العشيرة يملكها عدد محدود فهل هم الذين يستثمرونها أم يستثمرها فلاحون كأفراد العشائر... يجب أن يؤخر اقرار هذا القانون لكي نتمكن من دراسة وضع كل قبيلة. فإذا وجد 5% متحضرين فيجب أن نعتبرهم كذلك.
    رئيس المجلس - ... لدي طلب بالاكتفاء بالبحث والبدء بمناقشة مواد مشروع القانون والتصويت عليها (وهنا أخذ نواب حزب البعث العربي الاشتراكي بالانسحاب من الجلسة).
    وعلى الرغم من انسحاب نواب حزب البعث العربي الاشتراكي احتجاجا على مشروع القانون الذي أريد به العجلة وتضمن مواد ترجع أجزاء من المجتمع إلى الوراء، على الرغم من ذلك شرع المجلس النيابي في التصويت على مواد القانون بعد مناقشتها مادة مادة.
    ***
    ويسترعي الانتباه النقاش الحاد، الذي جرى حول المادة الثالثة عشرة التي ورد فيها أن اللجنة التحكيمية والمحكمة المختصة تفرض العقوبات في الجنايات من سنة إلى عشر سنوات وفي الجنح من عشرة أيام إلى سنة. وللجنة التحكيمية تطبيق عقوبة "الجلاء" حسب العرف، أي الانتقال من منطقة إلى منطقة أخرى كعقوبة متعارف عليها في البادية. وجاء اعتراض القوى المستنيرة على عقوبة الجلاء كما يلي: ان عشائر كثيرة واردة في "جدول العشائر" لا تزال تعتبر بدوية مع أنها استوطنت الأرض وبنت البيوت.. فلو سمحنا للجنة التحكيمية ان تحكم على هؤلاء بالجلاء فإن معنى ذلك انها تحكم عليهم بترك بيوتهم ومغادرة الأرض.. وبعد نقاش طويل رفضت هذه المادة بشكلها الحالي ووافق المجلس بأكثرية 32 نائبا ومعارضة 22 على نص المادة / 13 / التي تقدم بها النائب المستنير مظهر الشربجي (يسار الحزب الوطني) ونصت على ما يلي:
    "يُحاكم مرتكبو الجرائم وشركاؤهم والمحرضون من أفراد العشائر أمام المحاكم العادية المختصة وفقا لاحكام قوانين الأصول الجزائية وتطبق بحقهم بالاضافة إلى قرارات اللجنة التحكيمية العقوبات المنصوص عنها في القوانين النافذة ويمكن للمحكمة ان تأخذ الأعراف العشائرية كما يشير إليها العارفون أسبابا مخففة تقديرية".
    كان يعني اقرار هذه المادة، تقليص سلطات رؤساء العشائر في قضايا الجنايات والجنح وتطبيق القانون في سائر أنحاء البلاد وعدم اعطاء امتيازات لمجموعات أو فئات معينة من السكان وتطبيق الأمن وحماية الضعيف من اعتداءات القوي.
    ولكن أحد رؤساء العشائر وهو دهام الهادي شيخ شمر اعترض على موافقة المجلس وقال مخاطبا الرئيس: "سيدي نسحب المشروع ونعود إلى قانون الشيشكلي"، أي إلى القانون الموضوع عام 1953... وحسب وقائع جلسات المجلس النيابي "حدثت ضوضاء وضجة من بين مقاعد النواب. مما حدا بمقام الرئاسة إلى رفع الجلسة"...
    { والضوضاء حدثت بسبب اعتداء نائب العشائر دهام الهادي على مظهر الشربجي (يسار الحزب الوطني) بالضرب... اذن نحن هنا أمام تيارين: تيار شريعة الغاب الرجعي المتخلف والموالي للاستعمار والمعارض لكل خطوة إلى الأمام في ميدان الحضارة، وتيار مستنير متحضّر يجمع فئات مختلفة المشارب والألوان ولكنها متفقة على السير في طريق الحضارة } .
    وبعد استراحة طويلة جرت فيها تهدئة النفوس المضطربة استؤنفت الجلسة في الساعة 11،43 من مساء 28 نيسان 1956 وهنا تكلم صبري العسلي زعيم الحزب الوطني وننقل فما يلي ما جرى من نقاش نظرا لأهميته لفهم عملية تطوير البدو وأوضاعهم.
    صبري العسلي... لقد تطاول الشيخ دهام الهادي* على زميل له في هذا المجلس وهو يعرب عن رأيه. وكما وقعت الحادثة علنا نطلب أن يكون غسلها علنيا أيضا، وأن يعتذر دهام الهادي إلى المجلس.
    دهام الهادي... الأعراف العشائرية تشبه القوانين الجذرية وتطال حتى الجد الخامس، وفي هذا ما يمنع المذابح بين العشائر من جراء أخذ الثأر من أهل القاتل. خذوا مثلا عشيرة الفدعان حكمتهم المحكمة العشائرية بثلاث سنوات ولكنهم قاموا وذبحوا بعضهم في اليوم الثاني أو الثالث تلبية لتقاليد الثأر.. البقارة ذبح عشرة أشخاص في حادثة... انه لو كان سجن الشخص يؤدي إلى نزع الشر، لأصررنا على هذا القانون، ولكن لا فائدة منه.. هذه عشيرة الجبور ذبح فرد منهم سبعة أشخاص من شمر، وقد ذبحه أهل القتلى. ولو كان الأمر بيد الحاكم لا تنتهي الأمور عند هذا الحد. ولكنه لدى العشائر لن ينتهي ولن يسكت أهل المقتولين السبعة حتى يقتلوا سبعة مثلهم. واذا ما توالى القتل والذبح فلا ندري كيف تحل القضية. ولذلك كانت أعراف العشائر تقضي بالجلاء ثم بالتصفية العشائرية كالزوره والودي وغير ذلك.
    مظهر الشربجي:.. ان هذا الحادث (أي حادث الاعتداء على النواب بالضرب) تكرر عدة مرات من نفس الشخص (أي من دهام الهادي) أنا أقبل الاعتذار الشخصي، ولكن الحادث موجّه للمجلس.
    ***
    وبعدها رفعت الجلسة. واستؤنفت في اليوم التالي في 29 نيسان 1956 لمتابعة التصويت على مواد قانون العشائر ونقتطف من الجلسة اللقطات التالية:
    خالد بكداش - ... أقترح: اذا وقعت جرائم في منطقة المعمورة فتعتبر مهما كانت من الجرائم العادية.
    منير العجلاني – (وزير العدل)... ان التعديلات التي طرأت على مواد هذا القانون في الجو العصبي الذي عملنا فيه جعل شيئا من الالتباس يحوم حول بعض المعاني للكلمات. لذلك فإني أعتقد انه لا بد من قراءته مرة ثانية.
    (عندما شعر العجلاني أن مشروع القانون الذي قدمه قد تغير باتجاه تقدمي – طلب القراءة الثانية لضرب التعديلات التقدمية على مشروع القانون وحذفها)
    أحمد جعفر – أقترح شمول قانون العشائر الحضريين (أريد بها نكتبة لاذعة ونقدا للراغبين في ابقاء التقاليد العشائرية كما هي. وهذا ما أراده أيضا فرزت المملوك)
    فرزت المملوك – أقترح اضافة المادة التالية لقانون العشائر: "كل من اجتاز حدود الحاضرة إلى البادية من سوريين وأجانب تطبق عليه أحكام هذا القانون مع حبة مسك"..
    مظهر الشربجي – (رادا على العجلاني): ان طلب اعادة التلاوة لا يقصد منه الأسلوب الأدبي وايجاد الانسجام بين مواد القانون فقط، وانما يراد منه التعرض لأساس المواد التي بحثها وعدّلها المجلس.
    رئيف الملقي – المقصود اعادة النظر في المادة / 13 / وحدها.
    (أي أن العجلاني وكتلة العشائر ومن والأهم يريدون نسف المادة 13، التي صاغها اليساري المستنير الشربجي).
    حسين مريود - ... قولهم (أي شيوخ العشائر) اننا لا نفهم الأعراف البدوية فمعنى ذلك أن نترك لهم أن يشرعوا لأنفسهم وأن لا نسمح لهم أن يشاركوا معنا في تشريعنا ... المادة / 13 / لم تأت وفقا لما كان يراد لها ولذلك أريد اعادة البحث.
    (من أجل تعديلها لصالح التخلف. وهذا رد آخر على العجلاني).
    صبري العسلي – هذا القانون (يقصد قبل ادخالات التعديلات عليه) فيه بعض الحصانات والميزات لأناس مخصوصين، وهو يخالف الدستور من بابه إلى محرابه . أرجو سحب اقتراح اعادة التلاوة. (نلاحظ أن العسلي رئيس الحزب الوطني وقف صراحة ضد الجانب المتخلف من القانون).
    وعندما طرح اقتراح العجلاني بإعادة قراءة القانون من أجل الخلاص من التعديلات المتحضرة المستنيرة سقط اقتراح العجلاني. ثم وافق المجلس بأكثرية واحد وأربعين صوتا على المشروع وأمسى قانونا.
    ***
    3 – قانون العشائر في صيغته النهائية:
    نقدم فيما يلي بعض مواد قانون العشائر التي أقرها المجلس النيابي وهي:
    المادة الأولى – يتألف القانون الخاص بالبدو الرحل من الأحكام التالية التي ترعى تقاليدهم ريثما يتم تحضيرهم.
    المادة الثالثة – يجوز عزل رئيس العشيرة بقرار معلل من وزير الداخلية بناء على اقتراح مدير العشائر العام كما يعزل المختار ...
    المادة الرابعة – اذا شغرت رئاسة العشيرة فيدعى مخاتيرها إلى انتخاب الرئيس الجديد... ويجري انتخاب المختار من قبل أفراد فخذه.
    المادة الخامسة – يشطب اسم العشيرة من الجدول المنوه عنه بقرار يصدره وزير الداخلية وذلك عندما تجد المديرية العامة للعشائر بعد التحقيق ان أفراد العشيرة قد انتقلوا من حياة البداوة إلى حياة الزراعة المستقرة سواء بالتملك أو بالاجارة أو بالاستخدام على أن يجرى التحقيق مكتب تفتيش الدولة.
    المادة الحادية عشرة – تفصل في القضايا الخاضعة للقواعد العشائرية وفقا للعُرف وتحت اشراف رئيس شعبة العشائر لجنة تحكيمية مؤلفة من محكمة ومرجّح.
    المادة الثالثة عشرة – (ورد ذكرها قبل قليل وحولها جرت المناقشات الحادة، بل المعركة بين التقدم والرجعية).
    المادة الرابعة عشرة – الغزو جرم جنائي. وهو كل تجمع من ثلاثة أشخاص بدو أو أكثر يتجمعون مسلحين ويهجمون على عناصر عشائرية أخرى في البادية وليس لهم دافع سوى السرقة والسلب والنهب.
    المادة التاسعة عشرة – يسمح لأفراد العشائر أن يظلوا مسلحين مدة اقامتهم في البادية، أما في حالة وجودهم في الحاضرة فيخضعون إلى القوانين.
    المادة الحادية والعشرون: تتألف منطقة البادية من الأراضي التي ترتادها العشائر انتجاعا للكلا وتحدد بقرار من وزير الداخلية.
    المادة الثالثة والعشرون – يخضع أفراد العشائر لشرف خدمة العلم.
    المادة الخامسة والعشرون – تخصص مبالغ من المال في الميزانية لتحضير البدو واسعافهم.
    المادة السادسة والعشرون يسمح لأصحاب الأغنام الحضريين بحمل السلاح في مناطق البادية.
    *****
    ***
    *
    ان قانون العشائر، الذي أقره مجلس النواب في ربيع / 1956 / بعد صراع عنيف، لم يوافق عليه رئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي كان يسعى دائما للوقوف في منتصف الطريق ومسْك العصا من وسطها للمحافظة على التوازن من جهة ولمحاولة عدم اغضاب مشايخ العشائر من جهة أخرى.
    ولهذا فإن قانون العشائر صدر – اعتمادا على دستور / 1950 / باسم رئيس مجلس النواب.
    وننقل فيما يلي حيثيات القرار رقم / 31 / تاريخ 13-6-1956 الصادرة عن رئاسة مجلس النواب بشأن نشر قانون العشائر لما له من مغزى لا يغيب على قارئ محاضر جلسات مناقشة القانون.
    "ان رئيس مجلس النواب
    بناء على الفقرة الثانية من المادة الحادية والستين من الدستور.
    وبناء على كتاب رئاسة مجلس الوزراء رقم 560 وتاريخ 11 حزيران 1956 والمتضمن اعلام رئاسة مجلس النواب ان قانون العشائر الذي أقره مجلس النواب بجلسته المنعقدة بتاريخ 19 رمضان 1375 الموافق 29 نيسان 1956 لم يقترن بتوقيع رئيس الجمهورية.
    يقرر:
    مادة 1 – ينشر قانون العشائر المرفق في أول عدد يصدر من الجريدة الرسمية.
    مادة 2 – يبلّغ هذا القرار لرئاسة مجلس الوزراء لتنفيذه.
    دمشق في 4 ذي القعدة 1375 و 13 حزيران 1956.
    رئيس مجلس النواب
    ناظم القدسي"
    ***
    *
    تهرّب شكري القوتلي رئيس الجمهورية عن توقيع قانون العشائر لسبب نجهله. ونقدر أن السبب يعود إلى رغبة القوتلي بعدم إغضاب شيوخ العشائر لكسب أصواتهم. وظاهرة توقيع رئيس مجلس النواب دليل على زخم قوة الحكم البرلماني، الذي سرعان ما هوى مع ظهور أنياب النظام الرئاسي بعد الوحدة بين مصر وسورية بمدة وجيزة. وبقيت سورية تعاني من وطأة النظام الرئاسي واستبداديته، إلى أن حلّ الخراب بالجمهورية السورية ........... كما ترون.
    عدد الزيارات
    15554752

    Please publish modules in offcanvas position.