مراحل النهوض.. وظهور الدولة الوطنية السورية

كتب الدكتور عبد الله حناد. عبد الله حنا: موقف الحكم في سورية من النقاب:

قبل ظهور النهضة في منتصف القرن التاسع عشر كانت الإيديولوجيات الصوفية هي المسيطرة سواء في المدن أو الأرياف. وربما استغرب القُرّاء اعتبار الطرق الصوفية بمثابة أحزاب الناس أيام زمان.
ومع التغيرات الاقتصادية الاجتماعية ونتيجة التأثر بأوروبا البورجوازية أخذت تظهر معالم الدولة الحديثة والمجتمع المدني وما يُعرف بالنهضة، التي مرّت بعدد من المراحل هي:
• مرحلة ظهور النهضة المتزامنة مع الاصلاحات في الدولة العثمانية في الربع الثالث من القرن التاسع عشر، وما أعقبها بعد عام 1876 من الحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد.
• مرحلة ثورة الاتحاد والترقي وإزاحة الحكم الاستبدادي للسلطان عبد الحميد عام 1909 مما مهّد الأجواء للعودة إلى بناء الدولة الحديثة.
• مرحلة الانتداب الإفرنسي 1920- 1943 المتصفة ببناء وترسيخ هيكلية الدولة الحديثة من جهة والقبضة الاستعمارية الساعية لحكم البلاد واستثمارها بوجهين تحديثي وحداثي. أما فيما يتعلق بموقف سلطات الإنتداب من ملكية الأرض فثمّة إتجاهات مختلفة داخل تلك الدوائر.
الملفت للإنتباه ما سمعته من أفواه الفلاحين من مختلف الطوائف، قولهم "ايام الفرنسوية أرحم من ايام الوطنية". وأيام الوطنية المقصود بها الحكم الوطني، الذي أعقب الإنتداب الفرنسي، وهو تحالف إقطاعي – بورجوازي كانت الغلبة فيه في الريف لكبار ملاك الأرض، الذين أذاقوا الفلاحين الأمرين دون حسيب أو رقيب. أما أيام الفرنساوية (الانتداب) فكانت الإقطاعية في كثير من الحالات مقيدة بقوانين الإنتداب، وبتعاطف بعض أجهزة الإنتداب الحاملة لأفكار الثورة الفرنسية. ومن هنا يمكن فهم جملة الفلاحين بـ"رحمة" حكم الفرنساوية وقساوة الحكم الوطني بعد الإستقلال على الفلاحي المحصصين (المرابعين).
ومثال آخر فيما يتعلق بملكية الأرض و "رحمة" الفرنسيين هو وقوف المحاكم المختلطة (الفرنسية) إلى جانب عشيرة البوعابد إلى الجنوب من حلب فيما يتعلق بملكية الأرض، في حين وقف القضاء الوطني مع آل المدرس أصحاب الكلمة النافذة في دوائر الدولة في حلب. ولكن هذا لا يعني أنّ دوائر الإنتداب وقفت دائما مع الفلاحين في الصراع على ملكية الأرض. فثمّة أمثلة كثيرة وقف موظفو الإنتداب الفرنسي إلى جانب الوجهاء من ملاك الأرض.
• مرحلة فجر الاستقلال 1943 – 1958 حيث أُطلقت حرية الأحزاب من جهة وسعي الحكم البورجوزي الإقطاعي لضبط البلاد قدرطاقته المحدودة. ولكن نهاية هذه المرحلة شهدت أزهى عهود سورية الحديثة في الحكم البرلماني والحريات الديموقراطية وصعود الفئات الوسطى واحتلال الطبقة العاملة الناشئة دورا في الحياة السياسية.
وقد تميّز الوعي الوطني في مرحلته الثالثة عن المرحلتين السابقتين بامتداده في أعماق المجتمع وانتشاره نسبيا بين فئات واسعة من الشعب، في حين كان الوعي الوطني مقتصراً في المرحلتين السابقتين على نُخَب محدودة من المثقفين المتأثر معظمهم بالثقافة الغربية البرجوازية. وقد أسهم تنامي الوعي الوطني في ظهور الأحزاب، التي ضمّت (فيما عدا الاخوان المسلمين) جميع أبناء الوطن بغض النظر عن دينهم أو طائفتهم أو عشيرتهم أو عائلتهم أو مناطقهم. ومعنى ذلك أن ظهور هذه الأحزاب الوطنية كان أول اختراق كبير للمجتمع الأهلي السابق القائم عموماً على التكتلات المذهبية والطائفية أو العشائرية والعائلية, التي تراجعت لصالح الولاءات الوطنية والقومية.
***
إتصفت هذه المرحلة بالتوازن الطبقي بين الفلاحين والإقطاعيين، الذين تمكنوا من الإستيلاء على أراض جديدة. وعندما صدر قانون الإصلاح الزراعي في أيلول 1958، وجد في سورية قرابة 8088 مالكاً كبيراً حدّد القانون سقف ملكيتهم الزراعية. و استولى على الباقي من أراضيهم حيث جرى توزيعه على الفلاحين.
الحلقة القادمة:
من الجمهورية السورية
إلى الجمهورية العربية المتحدة
والعودة إلى الجمهورية السورية
عدد الزيارات
16305572

Please publish modules in offcanvas position.