تميم دعبول: شاهد على الصحافة السورية 69

الجزء الرابع - العودة إلى "تشرين"
قبل أن أخوض في تفاصيل انتقالي إلى القسم الثقافي في الجريدة. أحببت أن أجيب على بعض التساؤلات التي طرحها الأصدقاء بخصوص تعامل قسم التحقيقات مع قضايا الفساد التي بدأت بالتفشي والانتشار أفقيا وعموديا في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية وحتى الإدارية..
فقد علق الصديق حكمت الشيخ سليمان على الحلقة الاخيرة والتي تحمل الرقم 68 بقوله لي:
"مع احترامي لطروحاتك عن الفساد. وبعض رموزه.. لكنك لا تزال بعيدا عن حيتانه واشك بانك تملك الجرأة بالاقتراب نحوهم ..ولامشكلة لديهم لو ذكرت جميع المحافظين ومدراء المناطق ووو".
الى هنا وينتهي تعليق الصديق حكمت..
لا شك أن حكمت محق بعض الشيئ في طرحه ولكنه لايملك كامل الحق للأسباب التالية:
- لقد غاب عن ذهنه اني اكتب شهادة عن قضايا الفساد التي تعرض لها الإعلام السوري وكذلك عن طريقة تعاطي الإعلام مع هذه القضايا.. وان أكون شاهدا فهذا يعني أن أتحدث عما شاهدت وعما عايشت وليس عما سمعت. اي بكل بساطة أن أتحدث عن القضايا التي عايشتها وكنت شاهدا عليها وامتلك الوثائق التي تمكنني من طرحها.
لقد ترددت في تلك الآونة أقاويل كثيرة عن شخصيات فاسدة موجودة في سدة المسؤولية والسلطة. ونحن الصحفيين كنا نسمع كما يسمع غيرنا عن فساد هؤلاء المسؤولين. ولكن لا الصحافة ولا الآخرين كانوا يملكون الوثائق الكافية والأدلة الدامغة عن انغماس هؤلاء بالفساد. ولذلك لم نكن نحن ولاغيرنا في أية دولة ديموقراطية تتمتع بنعيم الصحافة الحرة، لتخوض في مثل هذه القضايا بدون توفر أدلة ووثائق كافية لإدانة المسؤولين الفاسدين، وحماية الصحفي والجريدة من عمليات انتقامية أو قضائية أو جنائية يمكن أن توجه ضد الصحفي والنشر على حد سواء..
وهنا ربما يسألني أحد الاصدقاء:
- لو كنت حصلت على وثائق تدين مسؤولا كبيرا هل كنت تمتلك الجراة الكافية لتنشر تحقيقا مدعما بها؟
وجوابا على هذا السؤال اقول:
القضية في الصحافة السورية لا تتعلق بمسألة الشجاعة والجراة أو الجبن بل تتعلق بعدة عوامل لا يمكن تجاهلها.
- لنفترض اني أو زميل آخر. امتلك الشجاعة لنشرها. فهل امين التحرير ومدير التحرير ورئيس التحرير يملكون الشجاعة الكافية لنشرها أو مستعدون لتحمل مسؤولية نشرها؟!
وإذا اردتم الإجابة. سأقول وبكل شجاعة.
- لا انهم غير مستعدين. هل تعرفون لماذا؟
في سورية يا اصدقائي لا توجد جهات وصائية اوقضائية او دستورية تحاسب الفاسدين.. كم لا يوجد قانون يحمي الصحفيين بل يوجد قانون يحاسبهم ويعاقبهم بتهمة الكذب والتشهير ونشر اخبار كاذبة ومسيئة للأمة والوطن!؟ وهذا القانون غير محدد الملامح. هو شيء اشبه بالمطاط. يتحكم بمقاسه المتحكمون لينهوا به الشخص المناسب في الزمان والمكان المناسب.
- في سورية يوجد شيئ اسمه اتحاد الصحفيين. وهو يشبه أي شيئ عدا اتحاد أو نقابة الصحفيين في مسالة الدفاع عن أعضائه.
فأنا وطيلة فترة عملي الصحفي. لم اشهد حالة واحدة دافع فيها اتحاد الصحفيين عن أحد أعضائه أمام جهات أمنية اوسياسية أو حكومية تجرأ وخرج بها عن سراطهم غير المستقيم!؟
إذن القضية ليست قضية ان أملك الشجاعة أم لا. وعتقد ان أغلب أصدقائي وزملائي يعرفون اني لم اهادن ولم أتردد ولم تنقصني الشجاعة اللازمة للتصدي لقضية فساد حتى ولو كان ابطالها مسؤولون من عيار ثقيل. لكذلك اضطررت اكثر من مرة للكذب على المدير العام لاتمكن من تمرير مادة تطال أحد المسؤولين الكبار أو من أسماه صديقنا بالحيتان. وعلى حد علمي ايضا فان زملاء لي سواء في جريدة تشرين أو في صحف اخرى تصدوا لقضايا فساد واهمال وتقصير يتطلب نشرها بعض الجراة.
وبرايي فإن هؤلاء - وبغض النظر عن خطورة القضايا التي تعرضوا لها أو حجم الأشخاص الفاسدين الذي واجهوهم - هم ابطال حقيقيون بغض النظر عن النتائج والانجازات التي حققوها لأن بلدنا - وكما المحت في الحلقة الماضية- لا يحوي جهة أو جهات قضائية أو تشريعية أو دستورية منوط بها مكافحة الفساد وحماية المبلغين عنه سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات اوشخصيات اعتبارية.. وبذلك يصبح التصدي لقضايا الفساد مغامرة غير محسوبة النتائج.
في البرازيل حيث أعيش الآن. يوجد عدة جهات منوط بها التحقيق في قضايا الفساد. التي يرتكبها أي شخص بدءا من رئيس الجمهورية وحتى أصغر موظف أو مسؤول أو مواطن. ويحق لهذه الجهات ان تعتبر اي مقال أو خبر ينشر في أية وسيلة إعلامية ويشير إلى قضية فساد بلاغا رسميا وتباشر التحقيق فيه.. عدا عن ذلك فان مجلس الشيوخ يملك الصلاحيات الكاملة للتحقيق مع كبار مسؤولي الدولة المنتخبين ديموقراطيا. ويكفي أن أخبركم بأن مجلس الشيوخ والمحكمة العليا ازاحا خلال الثلاثين سنة التي امضيتها في البرازيل رئيسين للجمهورية قبل انتهاء مدة حكمهما الدستورية. وسجنا رئيسا سابقا بموجب معلومات بثتها او نشرتها وسائل الإعلام. إضافة إلى عشرات الأحكام التي اصدراها بحق مسؤولين فاسدين كبار..
نتيجة لذلك. أحببت في النهاية أن أؤكد -وكما قال الصديق راجي القلموني- أن قضية الفساد في سورية كانت وما زالت مشروعا ممنهجا ومدروسا بعناية. وان مكافحته لا تحكمها عوامل الشجاعة أو الجبن. بل هي مرتبطة وبشكل حاسم بالقوانين الغائبة والواجب توفرها في البلد وقبل كل شيئ بوجود إرادة حقيقية للتصدي له..
ان وجود مثل هذه الارادة هذه الإرادة يتطلب انشاء جهات وصائية قانونية وحقوقية تتولى النظر في كل قضايا الفساد المشتبه بها خارج نطاق الاعتبارات السياسية والأمنية، وتكون محمية ومصانة من قبل دستور ديموقراطي. يساوي بين جميع المواطنين ويعاملهم على قدم المساواة. وهو شرط لم يتوفر في بلدنا حتى الآن. وليس في الأفق ما يشير إلى أنه سيوفر في المستقبل المنظور.!؟
 
"يتبع"
عدد الزيارات
16305967

Please publish modules in offcanvas position.