د. عبد الله حنا: سلاطين بني عثمان بين الجواري والخصيان

    د. عبد الله حنا: موقف الحكم في سورية من النقاب"آفة الإسلام أمراؤه.. كيف يُربىى أولياء العهود"؟
    هذا عنوان مقال لعبد العزيز جاويش منشور في جريدة المقتبس الدمشقية بتاريخ السادس من أيار 1909، ومما جاء في المقتبس:
    قد لعبت النساء الحسان في قصور بني عثمان أدوارا عظيمة، وجميع من تولوا الحكم من رجال الدولة كانوا تحت نفوذ النساء. ومنذ ايام سليمان القانوني أخذت القصور تعجّ بالعبيد وآغوات النساء والجواري الحسان. نساء القصر يُؤتى بهنّ صغيرات عن طريق تجّار الرقيق، وكان كثير من الوزراء والولاة يمارسون - هذه المهنة الحقيرة في إعداد الجواري والسراري للقصر، ومن هؤلاء يولد أولياء العهود.
    وتجمع مصادر تاريخ الدولة العثمانية ان غالبية السلاطين كانوا ابناء الجواري اللواتي اختطفهنّ تجار العبيد من منازل اهلهنّ وباعوهنّ في سوق النخاسة، والجميلات منهنّ وصلن الى قصور السلاطين لإنجاب حكام الدولة العلية. فلنتصور كيف ستكون نفسية ابناء الجواري وسلوكهم عندما يعتلون عرش السلطنة، وقد اعتادوا على معاقرة الخمرة، وتخلقوا بأخلاق مجتمع العبيد وعُقَدِه.
    ***
    كانت طبقة العبيد تُشكل جزءًا مهمًا لا غنى عنه في المجتمع العثماني وبخاصة قصور الطبقة الحاكمة. وكانت هذه الفئة من العبيد تتألف من مجموعتين: الصبية والبنات الأوروبيات، الذين يخطفهم القراصنة أو يتم سبيهم خلال المعارك والحروب، الأفارقة الذين كان يخطفهم تجّار الرقيق من قراهم جنوب الصحراء الكبرى. وعندما أُلغى (نظريا) السلطان محمود الثاني تجارة الرقيق الأبيض في أوائل القرن التاسع عشر، تحرر جميع العبيد من يونانيين وجورجيين وأرمن وشركس، وأصبحوا مواطنين عثمانيين يتمتعون بسائر الحقوق التي يتمتع بها الأحرار. إلا أن تجارة الرقيق الأسود استمرت قائمة حتى أواخر عهد الدولة العثمانية، وما بعده.
    وتفيد الوقائع التاريخية أن تجارة الآمات استمرت قائمة حتى سنة 1908. وعموما كان حريم السلطان يتألف بمعظمه من الآمات. وقد حقق بعض العبيد العثمانيين شهرة كبيرة ووصلوا إلى مراكز مهمة، ومنهم علي بك الكبير يوناني الأصل، الذي أصبح والي مصر والحجاز وتمرّد على الدولة العثمانية، وأحمد باشا الجزار بشناقي الأصل، الذي أصبح والي عكا وكان جزارا بالفعل واستطاع صد هجوم نابليون بونابرت على المدينة بفضل مساعدة الأسطول البريطاني له.
    ***
    أخذت الدولة العثمانية بنظام الخصاء في قصور السلاطين، على الرغم من أن الشريعة الإسلامية تحرّم مبدأ الخصاء.
    وتحايلا على الشريعة كان العثمانيون يشترون العبيد الخصيان من خارج حدود الدولة حيث تكون عملية الاخصاء قد أُجريت للعبد في صغره ليتم بيعه في سوق النخاسة في ديار الإسلام. وبقيت تجارة الخصيان رائجة في العصور القديمة والوسطى وشطر من العصور الحديثة قبل منع الرق دوليًا.
    وكانت هناك طائفتان من الخصيان: الخصيان السود وهم المخصيون خصاءً كاملاً، والخصيان البيض وهم المخصيون خصاءً جزئيًا، وكان يُطلق على رئيسهم "قبو آغاسي"، في حين كان يُطلق على رئيس الخصيان السود، الذي هو في الوقت نفسه الرئيس الأعلى في القصور السلطانية، "قيزلر آغاسي، أي "آغا البنات" و"آغا دار السعادة"، ووضعت الدولة أنظمة خاصة تُطبق على خدمتهم في القصور السلطانية. وقام تنافس شديد بين هذين النوعين كان مرده رغبة كل فريق الاستئثار بالنفوذ الأعلى في دوائر القصور السلطانية وفي شؤون الدولة. وقد ارتفع مقام رئيس الخصيان السود نتيجة اتصاله المباشر بالسلطان ووصل إلى المركز الثالث من حيث الأهمية بعد الصدر الأعظم وشيخ الإسلام، وأضحى الوزراء يتملقونه والمستوزرون يتقربون منه.
    الحلقة القدمة: أولياء العهود في "أقفاص ذهبية"
    عدد الزيارات
    16256187

    Please publish modules in offcanvas position.