4 عقود على رحيل كمال الحاج.. “ديكارت العرب” ومُنظّر “القومية اللبنانية”!

باستثناء مقتله الغامض وهو الجانب المحزن في حياة المفكر والفيلسوف والكاتب والبروفيسور اللبناني كامل يوسف الحاج، كل الدروب تؤدي بالقارىء العربي واللبناني الى شخصية فريدة ووازنة فكرياَ وثقافياً.

وعند الغوص في أعماله التي يطفو على سطحها «القومية اللبنانية». كان اعداءه ثلاثة: الماسونية، الصهيونية، والشيوعية. وكان العداء لكلٍ من هذه يقوم على أسسٍ مختلفة، وحاول كمال الحاج جمعها وتأصيلها في «القومية اللبنانية»، وبالتالي قد يذهب الخيال بعيداً في هذه الاتجاهات الثلاثة لمعرفة من له مصلحة في تصفية وإزاحته من دربه.
فلسفياً، بحث أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية في مشكلة «الجوهر والوجود»، معتبراً أنها مشكلة أساسية في «تاريخ الفلسفة»، بمعزلٍ عن الجديد الذي قدّمه في هذا الصدد آنذاك. اشتغل الحاج كثيراً على تفنيد التناقض بين الكوجيتو الديكارتي، وبين المباني السارترية (نسبةً إلى سارتر)، التي يسبق الوجود فيها أي شيء آخر، ومن دون أن يلغي ذلك اشتغالاته في أعمال برغسون التي تجعل الوجود لاحقاً للبقاء.
خلال عمله الطويل في الفلسفة، تصارع مع الديكارتية التي تؤله الجوهر وترفعه إلى ما فوق الوجود، وحاول تفسير سارتر الذي يقول بأولوية الوجود. إذاً، يمكن الحديث كثيراً عن جهد كمال يوسف الحاج في الفلسفة، لكن ما يطفو على سطح أعماله هو «القومية اللبنانية».
وفي سياق تنظيره لقوميته اللبنانية، اخترع كمال يوسف الحاج مصطلحاً طريفاً هو «النصلامية»، يدمج فيه بين «النصرانية» وبين «الإسلامية»، من دون تحقيق حتى في الخلل التاريخي الكبير باستخدام كلمة «نصرانية» للدلالة إلى المسيحيين الحاليين. «نصلامية» كمال يوسف الحاج، برأيهِ، هي «زواج حضاري» بين النصرانية والإسلامية، لأن لبنان «ليس مسيحياً ولا مسلماً»، وهنا تقول «عظمة القومية اللبنانية، أي في الميثاق الوطني الذي حافظ على الطائفية». نعم، كمال يوسف الحاج، يمدح الطائفية، لأنها تحافظ على «الزواج الحضاري». ويصح القول، بعد اجتراح شِعار «لبنان أولاً» العجيب، وبعد اجتهادات بعض الوزراء في ترسيخ الطائفية والاستمرار في اختراع اسمه «التوازن الطائفي»، يصح القول لكمال يوسف الحاج: «هيدا زمانك».

على غرار ورثته، كان كمال الحاج يرى أن «الإنسان كائن ديني أساساً، يعني لا وجود للالحاد، حتى الماركسية، فهي دين مقلوب». وهذه لم يسبقه أحد عليها، مثلها مثل قوله إن «السياسة كغيرها من النشاطات الاجتماعية تعبر عن دينية هذا الكائن فينا، فالدين نشاط اجتماعي أيضاً كسواه من النشاطات الاجتماعية، مما ساقني إلى عدم الإيمان بالعلمانية في مجالات السياسة». ولا قومية بمعزل عن تفسير ديني للكون برأي أحد أهم منظرّي القومية اللبنانية، واضع كتاب «الطائفية البناءة أو فلسفة الميثاق الوطني». «الفلسفة» التي انتهت بشعارٍ لحزب «القومية اللبنانية»، «حراس الأرز»، وما انبثق عنه، وما أفرزه من تيارات، يقول: «على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً»، من بين سلسلة شعارات أخرى، يكاد المرء لا يصدّق أنها ما زالت مستخدمة إلى يومنا هذا!

ولادته
كمال يوسف الحاج (1917 -1976) فيلسوف لغوي لبناني. ولد في قرية الشبانية. حصل على شهادة الأستاذية في الأدب العربي من الجامعة الأميركية،‌ وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة باريس سنة 1950،‌ وعين أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. له آثار ودراسات فلسفية مختلفة في مجالات اللغة والقومية اللبنانية. أغتيل في مسقط رأسه في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية.
سيرته
ولد في قرية الشبانية من قرى قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان عام 1917. حصل على شهادة الأستاذية في الأدب العربي من الجامعة الأميركية ببيروت،‌ وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة باريس سنة 1950،‌ وصار بعد ذلك أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. ومات في مسقط رأسه غيلة في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976.

آثاره
نقل إلى العربية عام 1946 رسالة في معطيات الوجدان البديهية لبرغسون، ثم أصدر دراسة عن رنية ديكارت (1954)، وثانية عن هنري برغسون (1955)، وفي عام 1956 أصدر فلسفيات (الجزء الأول)، وفلسفة اللغة، وهو أطروحته للدكتوراه. ثم أصدر في القومية والإنسانية (1957)، من الجوهر إلى الوجود (1958). وكان آخر كتبه موجز الفلسفة اللبنانية (1974)، الذي كان يفترض فيه أن يكون تهميداً لموسوعة فلسفية «ملحمية» في اثني عشر مجلداً عن «الفلسفة اللبنانية» و «الفلسفة العربية» و «الفلسفة العالمية.»

آراؤه
يقول جورج طرابيشي في معجم الفلاسفة حاول كمال يوسف الحاج في فلسفة اللغة ينشيء أنطولوجيا للغة باعتبارها «أرقى مظاهر النشاطات في الوجدان». وانطلاقاً من المعادلة بين اللغة والأم، شدد على الدور القومي للغة العربية باعتبار أن «الدفاع عن اللغة القومية هو دفاع عن أدق ما في وجدان الأمة.» وفي الوقت الذي نقد فيه «دعاة قتل اللغة العربية»، دعا إلى أن يكون اتصال لبنان بحضارة الغرب «من حرف العربية»، لأنه بدون أن «يصون لبنان عفاف اللغة العربية» لا يستطيع أن يلعب دور «الأستاذ» و«الإمام» في العالم العربي: «اللغة العربية هي من جملة ضوابطنا التاريخية، التي ينبغي لنا أن نقدسها حتى نزاول القيم العالية. بدون هذه اللغة لن يكون لنا عمارات فكرية شاهقة نتحدى بها الزمن الهروب.»
هذه النزعة القومية اللغوية، التي حاولت «إحياء حرمة فلسفية خلاقة تكون اللغة العربية قالبها الأوحد»، وهط محاولة تكرر من أكثر من وجه – وأن عن غير سابق معرفة – محاولة مماثلة لزكي الأرسوزي، تسجل تراجعاً كبيراً في آخر كتب كمال يوسف الحاج موجز الفلسفة اللبنانية لتخلي مكانها لنزعة قومية لبنانية «تلبنن الفلسفة» و «تفلسف لبنان»، على أعتبار أنه «لا فاصل بين القومية اللبنانية والفلسفة اللبنانية»، وعلى اعتبار أن «الفلسفة اللبنانية موجودة منذ مئات السنين بل آلافها». و «اللبنانولوجيا» هو الاسم الذي اختاره كمال يوسف الحاج لمذهبه الرؤيوي هذا. أما كيف تكون اللغة عربية والقومية لبنانية، فهذه صعبة لا تجد لها في موجز الفلسفة اللبنانية حلّلا إلا عن طريق تمييز مصطنع وغير مقنع بين مفهومي «الأمة العربية»‌ و«القومية اللبنانية.»

تقارير

عدد الزيارات
16225731

Please publish modules in offcanvas position.