د جورج جبور: صافيتا و محيطها في القرن التاسع عشر

هذه المحاضرة ألقيت في دمشق بتاريخ 8 آذار 1993
 
*صافيتا ومحيطها في القرن التاسع عشر*
 
الإهداء
إلى علامة صافيتا المعاصر
الاستاذ الدكتور خليل سمعان
الذي يدفع ،بقدر ما أوتي من قدرة ، من موقعه الأكاديمي في أمريكا ، محاولات تشويه تاريخ العرب والمسلمين، على نحو استحق معه وسام تهجم المشوهين عليه.
 
*دمشق في8/3/1993*
*جورج جبور*
 
 
أولاً: مقدمة عامة:
يهدف هذا البحث إل إلقاء بعض الأضواء على صافيتا ومحيطها خلال القرن التاسع عشر. وصافيتا بلدة (أو مدينة حسب قانون الإدارة المحلية ساري المفعول حالياً) تقع في محافظة طرطوس، على مسافة نحو عشرين كيلو متراً عن شاطئ المتوسط، وأقرب أكبر مدينتين لها هما طرطوس (حوالي عشرين كيلو متراً) وطرابلس (حوالي خمسين كيلو متراً).
وقبل مائة عام بالضبط، وبالتحديد في خريف عام 1892، بدأ صافيتي التدريس في ما أصبح يعرف باسم الجامعة الأمريكية في بيروت. هذا الصافيتي المتميز هو المرحوم العلامة جبر ضومط الذي لا يتمتع في صافيتا اليوم بشهرة واسعة. وربما كان ضومط أو أبناء ما أصبح سورية الراهنة الذي مارس التدريس الجامعي في الصرح العلمي العالي في بيروت، وكان ذلك منه في السنة الخامسة والعشرين لتأسيسها. وإذا اعتمدنا بعض ما وقعنا عليه من مصادر ثانوية ، فقد كان ضومط أول أستاذ عربي في الجامعة، وربما أول من حاز مرتبة أستاذ متميز (Emeritus). على كل حال لابد لنا لتأكيد ما سبق من العودة إلى أرشيف الجامعة الأمريكية وهو ما لم أفعله وأرجو أن أفعله في وقت قريب ولا سيما أن صافيتا تعتز بأنها واحدة من أهم المدن السورية تقدماً ثقافياً.
إلا أن صافيتا القرن التاسع عشر لم تكن وقفاً على جبر ضومط ، ولم تستمد أهميتها فقط من أنها كانت مسرحاً للفعاليات التبشيرية الغربية البروتستانتية والكاثوليكية- ولاحقاً للفعاليات الروسية الداعمة لمن في صافيتا ومحيطها من روم ارثوذكس-. يرد ذكر صافيتا القرن التاسع عشر في الكتب العامة عن بلاد الشام، أكثر ما يرد من حيث أنها كانت المنطقة التي في مدارها الجغرافي مارس اسماعيل خير بك السنجاري زعامة ثورية بمناهضة العثمانيين. وإذا كانت ذكرى جبر ضومط هي حافزي المباشر لاختيار موضوع بحثي، فقد كان لي إلى جانبها حافز آخر هو محاولة تنسيق معلومات عرفت بعضها شفهياً من المحروم والدي عن رجل كبير قل من عرف شأنه من سكان صافيتا المعاصرين.
ثم أن ابناً لإسماعيل ، وأعني بذلك هواش ، تابع على نحو أكثر تميزا رسالة أبيه اسماعيل. كان لهواش هذا دور في محاولة استقلالية أشمل في الثلث الثالث من القرن التاسع عشر، محاولة لم يكتب لها النجاح، إلا أنها كانت بارقة أمل لا يصح تجاهلها في مجمل تاريخ بلاد الشام.
وهكذا فإن صافيتا- القرن التاسع عشر- تستحق الدراسة ، ليس فقط لإسهامها الثقافي، بل أنها أسهمت في صياغة التاريخ العام لبلاد الشام.
بمقابل هذين الحافزين (حافز جبر ضومط وحافز اسماعيل خير بك وابنه هواش) كان ثمة كوابح شعرت بها لدى اختيار موضوع بحثي ومن الأمانة أن أذكرها.
كان أهم كابح من طبيعة فكرية وهو يختص بفائدة (وضرر) الإلحاح على التاريخ المحلي. وفي هذا النطاق تساءلت: هل يحسن بي، وقد كرست معظم جهدي البحثي لدراسة الوحدة العربية والعمل من أجلها، ولصيانة الوحدة الوطنية وما يترتب عليها، أن أقدم على مغامرة الكتابة في موضوع يختص بالتاريخ المحلي بما قد يتضمنه ذلك الموضوع من (تفتيح) جروح بين شيع وعشائر وعائلات يقضي حرصنا على الوحدة الوطنية ألا (تفتح) ؟ بل قد يقضي حرصنا على الوحدة الوطنية أن نبتعد عن الموضوع كله، وقد درجنا تاريخياً في الوطن العربي بعامة، وفي سورية بخاصة، على الابتعاد عن مواضيع التاريخ المحلي بقدر ما يمكننا ذلك. ولا ريب أن لنا من تاريخ التدخل الأوروبي في شؤوننا، وما عناه هذا التدخل من استغلال لمشاكل تاريخنا المحلي بغية تفتيت وحدتنا القومية ووحداتنا الوطنية، لا ريب أن لنا في هذا الأمر ما يدفعنا إلى فرض التعمية على جوانب من تاريخنا المحلي. قم أن مشاكل التاريخ المحلي ما تزال حتى الآن تتجسد كعبء على المؤرخين الأوربيين بالذات، وفي الدول الأوربية الأرسخ وحدة وطنية مثل فرنسا، لكل لا نذكر دولة مهددة بين لحظة وأخرى، بالتفتت، مثل بلجيكا. وفي اعتقادي أن موضوع التاريخ المحلي وكيف ينبغي أن نعالجه عبء على المؤرخين العرب جملة، وعلى مؤرخي كل دولة عربية على حدة، وهو إلى ذلك وكما ألمعت ما يزال عبئاً في معظم الدول الأكثر تقدماً في أوروبا وأمريكا.
إلى جانب هذا الكابح الفكري كان ثمة كابح من طبيعة تخصصية، فكاتب هذه الأسطر مختص بالعلوم السياسية، في حين أن موضوع البحث تاريخي. وإذا كان من الصحيح أن التناقض بين الحقلين ليس صارخاً ، فمن الصحيح أيضاً أن لحقل العلوم السياسية أساليبه التي هلي ليست عينها أساليب البحث في حقل التاريخ.
ثم أن مصادر البحث ليست متوفرة بقدر كاف ضمن ظروف صاحب هذه الأسطر. ولعل أكثر أو من أكثر المصادر جدية عن صافيتا القرن التاسع عشر، كما عن معظم تاريخ بلاد الشام كانت وما تزال تقارير الأجانب عن هذه المنطقة سواء كان هؤلاء الأجانب رحالة أو تجاراً أو قناصل أو سياسيين أو صحفيين. معظم ما كتب هؤلاء موجود فعلياً في الدول الغربية لا في الدول التي كتبوا عنها. وهكذا فالباحث الجاد في تاريخ بلادنا لابد له إلا أن يجد نفسه على أبواب المؤسسات الغربية وأهمها دوائر الأرشيف الغربية. وهنا مجال لنقطة لابد من قولها: من النافع خدمة للتوازن الحضاري في العالم، التفكير بوسائل لكل تكون المصادر الأساسية والثانوية لتاريخنا موفرة حيث تحفظ الآن، وأيضا ًفي البلاد التي تضيء هذه الصادر تاريخها. تلكم مهمة المؤسسات الثقافية العربية- الأوربية وهي أيضاً مهمة اليونسكو والمؤسسات الثقافية الدولية. على كل حال، وفي غياب بعض المصادر الأساسية، كان اعتمادنا على ما هو متوفر من مصادر ثانوية ، وعلى بعض المعلومات الشفهية المتداولة.
 
ثانياً: مجمل تاريخ صافيتا مع تركيز على القرن التاسع عشر:
ليس اسم صافيتا بالمشهور تاريخياً في معناه- كان يطلق على منطقة بكاملها ، بينما كان يطلق على مدينة صافيتا الراهنة اسم البرج أو البرج الأبيض.
ومن الأمور الثابتة أن البرج وقع تحت سيطرة نور الدين زنكي أتابك حلب عام 1166-1167م.
وفي وقت لاحق عاد البرج فوقع في أيدي صليبي المعبد (Templiers) كذلك من الثابت أن المنطقة تعضرت لهزة أرضية عام 1170م. وفي العام اللاحق (1171م) شن نور الدين زنكي حملة على البرج أدت إلى تدميره، وحين شن صلاح الدين هجومه الكبير الناجح على شمال سورية عام 1188م بقي البرج الأبيض مستعصياً عليه. ولم يحرره العرب المسلمون إلا عام 1271م بقيادة الظاهر بيبرس الذي تابع طريقه فحرر قلعة الحصن.
ولم أجد إشارات إلى صافيتا في الكتب العامة عن تاريخ المنطقة من بعد فترة الصليبيين وحتى القرن السابع عشر. وفيمايلي أثبت أهم ما عثرت عليه من وقائع متصلة بصافيتا منذئذ وحتى نهاية القرن التاسع عشر.
- في ربيع عام 1649من وفي أثناء فترة الصوم الفصحي زار البطريرك مكاريوس الزعيم منطقة صافيتا (وقدس في كنيسة مار ميخائيل المعظمة في البرج. ثم ذهب إلى تنورين ومرمريتا والحصن وتفرج على قلعتها (نجمة الصبح) وقام منها إلى عناز وقدس أحد الشعانين في مار جرجس الحميرة، ويوم الاثنين الكبير ذهب إلى رباح وأفيون.
- في عام 1688م (1079) ه ـ التزم أحمد بن حمادة من خليل باشا والي طرابلس ناحية عكار وصافيتا وجبة بشرة.
- في بدايات القرن الثامن عشر ظهراً في آل المرعبي الشيخ شديد الناصر الذي عمل ضابطاً في مقاطعة صافيتا وحصن الأكراد، ونظراً لمؤهلات الشيخ شديد لزمه حسن باشا والي طرابلس – عام 1714م (1127)هـ جباية أموال عكار.
- في حوالي مطالع القرن الثامن عشر وصل إلى صافيتا ثلاثة أخوة هم أولاد ديب الحداد من قرية رخم الحورانية كما يقال. هؤلاء الأولاد الثلاثة هم بشور وجبور وحنا وكانوا يكنون باسم آل الحداد . قم في عام 1769م وصل صافيتا الفتى سمعان بن القسيس سليمان بن القسيس ابراهيم وكان في عامه الثاني عشر وهو والد الخوري ابارهيم الذي ولد عام 1798 وكان له أن يترك أثراً كبيراً في تاريخ صافيتا في القرن التاسع عشر. كان لأبناء هؤلاء القادمين الجديد إلى صافيتا أثر في تاريخها في القرن التاسع عشر.
- في منتصف القرن الثامن عشر (بين عامي 1741م و 1758م على وجه التقريب) استقرت قبائل كردية في مناطق عكار وصافيتا استقراراً سلطوياً راسخاً، وكان ذلك بالاتفاق مع مصطفى باشا والي طرابلس.
- في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر نبغ في منطقة الاسحل الشيخ خليل النميلي الذي وحد العشائر العلوية وقاوم السلطة العثمانية.
الشيخ النميلي هو الذي أوكل آل العباس بوقف الخضر في تلة الطليعي قرب صافيتا ، وأنشأ وقف جعفر الطيار في أعالي جبال العلويين الشمالية. كذلك للشيخ النميلي فضل على أحفاد آل الحديد في صافيتا.
- أوائل العقد الثالث من القرن التاسع عشر : يوهان لودفيغ يوكهارت رحالة ألماني يزور المنطقة ويصف صافيتا بأنها عاصمة بلاد النصيرية حيث يقطن بها رئيس المنطقة الفكاتر (El- Fakkar) ويصف صافيتها بأنها تقع على طرف جبال النصيرية وبالقرب منها توجد قلعة قديمة وهي برج ما ميخائيل. كتاب الرحالة مطبوع عام 1823 وبه يذكر الخلافات بين الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك.
- 1828م (1244)هـ وثيقة الاتفاق بين وجهاء وشيوخ العلويين وبين آل الحداد.
- 1832: لدى دخول ابارهيم باشا المصري بلاد العلويين كانت سلطة الرسالنة قد تضاءلت وأخذ مكانهم كقوة مسيطرة آل شمسين في صافيتا وهم نظموا مقاومة زحف ابراهيم باشا لصالح العثمانيين ، ولكنهم هزموا.
- 1837: ثورة علوية ضد حكم ابراهيم باشا الذي انتهت هيمنته على سورية أواخر عام 1840.
- 1839: صدور خط غولخانة.
- 1843: تعديل إداري تحولت اللاذقية بموجبه إلى قائمقامية تابعة لطرابلس.
- 1850: " في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري قام نفر من أفاضل علما المسلمين العلويين بجهود إصلاحية مباركة نتج عنها بناء عدد من المساجد في قرى بيت الحاج معى، بين الشيخ يونس، بين الشيخ عمرات الزاوي في ضهر بشير ، بيت لاشيخ جابر تلة الطليعي، الدريكيش وغيرها. ولا تزال هذه المساجد قائمة حتى يومنا هذا". وثمة شعر يؤرخ بناء جامع بيت الشيخ يونس عام 1267 هـ الموافق 1850 م.
- 1854: اسماعيل خير بك يضم صافيتا إلى نفوذه وبذلك أصبت المنطقة الخاضعة لنفوذه واسعة تشمل حوالي (120000) نسمة. وفي العام نفسه 1271 هـ وقع وجهاء وشيوخ المسلمين العلويين وثيقة ينهون بها النزاعات العشائرية. وبالطبع فقد كانت انتفاضة اسماعيل خير بك متزامنة مع انشغال العثمانيين على جبهة القرم.
-1855: بدء قبول المسيحيين في الجيش العثماني.
- 1856: وجود ما يشير إلى تعيين نائب شرعي في قضاء صافيتا. وفي العام نفسه صدر الخط الهمايوني الذي يساوي بين مواطني الدولة العثمانية على اختلاف دياناتهم.
- 1858: في تشرين أول من هذا العام قتل اسماعيل خير بك. وفي العام الذي يليه رفض أهالي صافيتا دفع الضرائب للدولة العثمانية.
- 1858: أواخر العام: طانيوس شاهين يعلن الجمهورية في لينان.
- 1865 : صدور نظام إداري جديد: لكل قضاء مدير يتبع طرابلس تأسيس مدرسة المبشرين البروتستانت في صافيتا.
- 1867: العودة إلى تسمية قائمقام القضاء لا مدير القضاء.
- 1870: ثورة علوية جديد ضد الحكم العثماني.
- 1874: انشاء نظام حصر التبغ في اللاذقية الاتفاق بين آل الأطرش وآل أبو عسلي في جبل العرب.
1876: صدور الدستور العثماني.
- 1879: تعيين مدحت باشا والياً على سورية وفي نفس العام زار حمص وحماه واجتمع بزعماء المسلمين العلويين في دار نوري الكيلاني بحماة.
- 1881: محاكمة مدحت باشا بتهمة قتل السلطان عبد العزيز عم السطان عبد الحميد الثاني. عام 1884 توفي مدحت باشا في الطائف.
- 1883: افتتاح الطريق بين حمص وطرابلس ، وبدأ الديلجنس خدمته بين المدينتين عام 1884 واستمر حتى عام 1911.
- 1892: جبر ضومط يبدأ محاضراته فيما أصبح يعرف باسم الجامعة الأمريكية في بيروت.
- 1895: وفاة حنا مقدسي جبور.
- 1896: وفاة هواش اسماعيل خبر بك منفياً في رودس.
- 1897ك وفاة تامر اسبر بشور ، ابن أخت حنا مقدسي جبور وكان أبيه وبين خاله تنافس حسم لصالحه – أي لصالح تامر.
- 1899: تولى البطريريك ملاتيوس دوماني شؤون طائفة الروم الأرثوذكس بعد معارك كنسية قاسية تم بموجبها التخلي عن تقليج تولي بطريرك يوناني شؤون الطائفة.
ثالثاً: شخصيات بارزة في صافيتا – القرن التاسع عشر:
للشخصيات البارزة دورها في التاريخ وفي مدينة صافيتا ظهرت شخصيات كان لها أثرها فيها وفي غيرها.
ولعل من أهم الشخصيات التي برزت فيها وانحصر دورها فيها وفي منطقتها الخوري ابراهيم. وبالمقابل ثمة شخصيات من صافيتا كان لها دور كبير خارج حدود المدينة والمنطقة. أبرز الشخصيات التي مارست أثراً خارج حدود المدينة والمنطقة هي: اسماعيل خير بك وابنه هواش، ثم العلامة جبر ضومط، وعلى كل حال يحسن أن نثبت هنا نقطة تحفظ: الأسماء الأربعة التي وردت أعلاه هي ما أعرفه بالذات عن تاريخ صافيتا وربما أهر البحث المدقق وجود شخصيات أخرى ووجوج أحداث تنافسية (كما كان عليه الحال بين تامر اسبر ابراهيم بشور وبين خاله حنا مقدسي جبور) تستحق أن يفرد لها حيز مناسب.ولنبدأ الحديث عن شخصيات صافيتا البارزة في القرن التاسع عشر بالخوري ابراهيم.
ولد الخوري ابارهيم عام 1798 من والد هاجر إلى صافيتا من قرية بهرمين الواقعة بين نهر الاسماعيلية وقرية بملكة. ويقول حفيده- واسمه أيضاً الخوري ابراهيم- أن العائلة كانت تعمل في سلك الكهنة. وفي عام 1835 رسم كاهناً على صافيتا واستمر كذلك حتى وفاته عام 1862- أي أنه خدم ككاهن مدة (57) عاماً. وفي حياته أحداث تشير إلى بعض التوتر مع واحد (هو المطران زخريا 1811-1866) وربما أكثر من مطارين عكار واليها يتبع. كذلك يشاع أن حياته اقترنت بمعجزات آمن بها أتباعه من طائفته وبعض المنتمين إلى المذهب المسلم العلوي. وله ما يزال ضريح مشهور في صافيتا يقصد للزيارة. والحق أن الخوري ابراهيم ما يزال مكرماً حتى الآن ومازال رمزاً للتآخي الديني بين المسيحيين والمسلمين. ويبدو أن سمعته امتدت في المنطقة بدلالة وجود عديد من الشعراء من أرجاء بعيدة كاللاذقية وبيروت أرخو لوفاته.
أما اسماعيل خير بك فهو لا ريب نجم المنطقة الأبرز في القرن التاسع عشر.
ولد اسماعيل بن عثمان بن خيري بك بن اسماعيل ابن معطي بن كنعان بن حيدر حوالي سنة 1822- 1238هـ وتوفي عام 1858م0 1275هـ فكانت مدة حياته /37/ عاماً هجرية". ويصعد نسبة إلى المكزون السنجاري. وكانت ولادته في قرية اللقبة وهي تتبع مصياف الآن. وكان ثاني أربعة أولاد لأبية، إذ كان بكر أبيه هو خيري بك وهو الذي ترأس عشيرة المتاورة بعد وفاة والده . أما اسماعيل فقد عين أردالي باش بحماه أيام السلطان عبد المجيد ، ولمع اسمه عسكرياً باسلاً وكانت له مواقف ضد البدو شرقي حماة. كما كانت له مواقف شجاعة مشهورة. وقد كلف بمحاربة الأرمن في جبال كاورداغ فأبلى بلاء مجيداً. ولما عاد من مهمته عين متسلماً على صافيتا. ومن هناك أخذ يمد نفوذه إلى المناطق المجاورة.
أما الصورة العامة للمنطقة آنذاك فكانت انسحاب جيوش ابراهيم باشا، وولادة فراغ ملأه شجعان مثل اسماعيل. وتزامن كل ذلك مع انشغال الدولة العثمانية بحروب القرم والتي انتهت كما هو معلوم بمعاهدة باريس عام 1856م، وكان أعلن الخط الهمايوني قبل عقد معاهدة باريس بقليل.
وبين 1854، تاريخ تعيينه متسلماً لصافيتا وتاريخ اندحاره عام 1858م كان يحكم قضاء صافيتا (حيث إقامته) وقضاء مصياف وقضاء طرطوس وقضاء حصن الأكراد وبعض قرى منطقة الوعر القريبة من حمص.
ويحفل كتاب مخطوط بذكر تفاصيل حياة اسماعيل مسجلاً لها بمحبة ، كما يذكر المخطوط معراكه الكثيرة ومنافساته مع الزعماء الآخرين، وأعماله العمرانية ولاسيما بناءه دور الحكومة (السرايات) ، وأشهرها دار الحومة في الدريكيش وفي تل كلخ.
ولما رأت الدولة العثمانية تعاظم نفوذه أخذت تؤلب عليه منافسيه من الزعماء، كما – ألبت عليه- بحسب ما يورد القنصل مور إلى الكونت ملبوري في 27/10/1958- " الأهالي المسلمين (يقصد المسلمين السنة) في النواحي المجاورة". وتتفق الروايات على أن عشيرة الدنادشة بقيادة عبود آغا كانت من القوات الهامة التي هاجمت قوات اسماعيل. أما القوات العثمانية التي تولت القضاء على ثورة اسماعيل فكانت بقيادة مصطفى باشا أولاً ، ثم بقيادة طاهر باشا.
ثم إن من المؤكد أن السلطات العثمانية استخدمت سلاح البحرية في تضييق الحصار على اسماعيل. وقد ورد في مراسلة القنصل مور المشار إليها آنفاً أن بارجة حربية تركية غادرت طرابلس للاشتراك في تضييق الحملة على الثوار.
كذلك من المؤكد أن الحرب على اسماعيل لم تكن وقفاً على قوات السلطة العثمانية وعلى المنافسين من العشائر الأخرى ولاسيما المسلمة السنية، بل يورد أحد الكتب أن بعض مسيحي عكار ساهم فيها، رغم أن من المدون أن معظم- وربما كل- مسيحي المنطقة كانوا من مؤيدي اسماعيل. وقد أشارت إحدى الرسائل القنصلية أن "المسيحييين يمدحونه والظاهر أنه يحسن إداره ناحيته".
كما أن من المؤكد أن اسماعيل حاول الاستعانة بالفرنسيين والإنكيز عن طريق قناصلهم في الساحل والداخل السوريين ، ولكن دون جدوى. والحق أن فترة القضاء على ثورته كانت فترة شهر عسل بين القوى الأوربية وبين السلطنة العثمانية بعد معاهدة باريس.
وهكذا كانت جهود الوساطة الأوربية بين اسماعيل وبين طاهر باشا جهوداً باردة لم تكلل بالنجاح.
وجاءت النتيجة المأساوية- وهي قتل اسماعيل- في منتصف شهر تشرين ثاني 1858 على يد قريب له لم يستطع مقاومة السلطة العثمانية. ولم يكن قتله كافياً بل قتل معه كل أبنائه وسبيت نساؤه، ونقل رأسه ورأس شقيقه ناصيف إلى دمشق، ولم ينجج من أقراد عائلته إلا عدد قليل بينهم بكره هواش.
ولد هواش عام 1846 وتوفي في رودس منفياً عام 1896. وإذا لم نستطع الوقوف بعد على تفاصيل نشاطاته (وليس لها ، بالمناسبة إلا ارتباط ضعيف بصافيتا)، فمن الواضح لنا أنه تابع ثورة أبيه اسماعيل على العثمانيين ، وفي هذا الإطار تحالف مع المتصرف هولو باشا العابد الذي كان يؤازر مدحت باشا والي دمشق والمشهور باسم أبي الدستور. ومن المعلوم أن مدحت باشا أبدى تفهماً ملموساً لوضعية المسلمين العلويين، وأنه عمل لما فيه رفع الغبن عنهم وإنهاضهم من حالة الجهلوالتخبط الت يكانوا يرزحون تحت نيرها وبالطبع كان لمدحست باشا وضعه الخاص المهدد كوال لدمشق ، وقد أقيل من الولاية بعد فترة ليست طويلة لتسلمه لها وحوكم. أما علاقته بهواش فقيل أنها صبت في مجرى تحالف كبير لوجهاء بلاد الشام – بزعامة الأمير عبد القادر الجزائري- أريد من خلاله إعلان استقلال بلاد الشام قاطبة وإقامة دولة عربية فيها بزعامة الأمير الجزائري – أريد من خلاله إعلان استقلال بلاد الشام قاطبة وإقامة دولة عربية فيها بزعامة الأمير الجزائري. وقيل أيضاً أن فرنسا كانت تود أن تظلل بحماتيها تلك الدولة التي نهض بمشروعها مدحت باشا وهواش وصحبهما.
أما نصيب هواش فكان أنه اعتقل عام 1882 من قبل حمدي باشا والي دمشق ثم نفي إلى عكا لمدة أربع سنوات، ونفي بعدها إلى رودس عام 1890 حيث وافته المنية عام 1896. وله في رودس ضريح جليل.
إلا أن من الجميل في سيرة هواش استقطابها اهتماماً سورياً واسعاً. وبين يدي صاحب هذه السطور قصائد شعرية زاخرة مقدمة إلى هواش من رجل كان له أثر كبير في سوريا – أواخر – القرن التاسع- هو الشيخ سليمان الأحمد، المصلح والعلامة المسلم العلوي الشهير.
بعد هذا العرض المختصر لحياة ثائرين كان لهما دورهما النضالي البارز نقدم نبذة عن حياة صافيتي كتب له أن يكون أول أو من أوائل الأساتذة الوطنيين في جامعة بيروت الأمريكية ونعني به العلامة جبر ضومط.
ولد ضومط في محلة الضهر من صافيتا في 27/9/1859
وبعد عشر سنوات من ولادته تولى يعقوب صروف شؤون مدرسة صافيتا التي أنشأها البروتستانت عام 1865، وكان جبر ما يزال يافعاً عام 1870 حين أخذه معه معلمه صروف إلى مدرسة عبية لمتابعة تعلمه.
وبعد عامين أي في 1872 دخل الكلية الأنجيلية السورية في بروت التي كانت أسست عام 1866، وتخرج منها عام 1876. وبالطبع كان أول خريج جامعي من صافيتا. وبعد فترات تدريس في صافيتا وحمص وطرابلس وفي دير كفتين الأرثوذكسي الشهير في الكورة (1886و 1889) وعمل في مجالات شتى منها الصحافة (جريدة المحروسة المصرية، عام 1884) وعودة إلى الدراسة (مع تركيز على اللغات القديمة ولاسيما السريانية والعبرية) استدعته الكلية ( حيث درس وكان اسمها قد أصبح الجامعة الأمريكية في بيروت) إلى التدريس فيها عام 1892. واستمر ضومط في التدريس حتى عام 1923 حين تقاعد فأعطي لقب أستاذ شرف متميز (Emeritus) وتوفي بعد ذلك في 17/1/1930. وفي السنوات الأخيرة من عمله وحياته حاز على شهرة واسعة وكرم بمناسبات عديدة ففي 12/10/1920انتخب عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق (أي أوائل أيام إنشاء المجمع الذي يعرف الآن باسم مجمع اللغة العربية) ، كما حاز وسامي الاستحقاق السوري واللبناني، وأقيم له حفل تكريمي خمسيني في الجامعة الأمريكية ببيروت يوم 28/4/1928 حضره رئيس الجمهورية اللبنانية إذ ذاك وساهم في تكريمه فارس الخوري مندوباً عن المجمع العلمي العربي بدمشق. وفي كلمة رئيس الجامعة الأمريكية أثناء التكريم وصف بأنه "أول معلم وطني تولى التدريس وترقى إلى الأستاذية الكاملة في هذه الجامعة". ولما نوفي نعته وأشارت إلى علمه كبريات الصحف العربية ورثاه كبار الشعراء العرب وفي طليعتهم معروف الرصافي. وليس هنا مكان إظهار إبداع جبر ضومط في دراسة العربية ، ذلك الإبداع الذي استند على زاده العظيم في معرفة اللغات القيمة ولاسيما السريانية والعبرية. إلا أن من المفيد الالحاح على حماسة ضومط للعربية ولما يعنيه انتشارها سياسياً وقومياً. وفي هذا الإطار يقول:" لو كان لي من الأمر شيء وعندي مال أنفقت على تعليم العربية، أو قل على تعزيزها، في الصين والهند وتركستان مليون جنيه في السنة على الأقل وأكون مع الأيام الرابح أدبياً ومادياً".
رابعاً: خاتمة ونقاط لبحوث مقبلة:
تظهر الصفحات السابقة أن صافيتا في القرن التاسع عشر لم تكن بلدة خاملة، بل كان لها دورها سياسياً وعلمياً. وإذا كان ما سبق رؤوس أقلام ترسم الخطوط العريضة لهذا الدور، فما يزال المجال واسعاً لبحوث مقبلة أكثر دقة وتفصيلاً . إحدى النقاط التي تنبثق من حديثنا عن شخصيات صافيتا البارزة تختص بنمط تفاعل هذه الشخصيات واحدها مع الآخر. هل كان لجبر ضومط مثلاً موقف من جهود هواش اسماعيل الهادف إلى إقامة كيان سياسي مستقل أو شبه مستقل في بلاد الشام؟ كذلك من النقاط التي تتطلب الدرس المعمق نقطة الشعور بضرورة تجاوز العشائرية وعلاقة هذا الشعور بالتطورات السياسية في المنطقة والساحل ومجمل بلاد الشام. اشتهر العلامة والقيادي خليل النميلي بعمله في تجاوز العشائرية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ثم نشاهد وثيقة بهذا الشأن أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وثيقة تزامنت مع قيام ثورة اسماعيل خير بك.ألا تدل هذه الظواهر على بدايات وعي مجتمع معين بنفسه وبدور " حداقي" يتطلع إليه ويسعى؟ ولنلاحظ أن محاولة النميلي سبقت حركة الاصلاحات في الدولة العثمانية، وأن وثيقة إنهاء العشائرية سبقت الخط الهمايوني، بل وسبقت إعلان جمهورية طانيوس شاهين في لبنان.
وثمة نقطة أخرى تستحق مزيداً من البحث وهي الخاصة ببدء البعثات التبشيرية في المنطقة وتغلغلها ونفوذها، وما عنته فعالياتها من ربط المنطقة بالعالم الأوسع حولها، حتى أصبح رجل من صافيتا أستاذاً له تلاميذه من مختلف الأقطار العربية. كيف كان نمط التفاعل بين التربية الحديثة وبين علماء الدين التقليديين الذين، كما لاحظنا في حديثنا المختصر عن النميلي، لم يكونوا هم أيضاً غافلين عن تطورات العصر، بل كانوا متيقظين لها وعاملين على دفعها إلى الأمام؟
وفي الإطار ذاته ينبغي أن ينعم النظر في صراع المذاهب المسيحية المدعمة دولياً مع المذهب الأرثوذكسي وهو مذهب الأكثرية المسيحية الذي قيض له في وقت لاحق دعم روسي. وفي إطار الصراع ضمن المذهب الأرثوذكسي ثمة واجب تبيان نمط تفاعل قمة الهرم الكهنوتي الأرثوذكسي المرتبط باليونان مع القاعدة الأرثوذكسية العربية العريضة التي أصرت على أن يكون رأس كهنوتها الأعلى عربياً. ومن المعلوم أن عام 1899 كان عام انتصار لهذه القاعدة العريضة، انتصار وصفه الحصري ، فيلسوف القومية العربية، بأنه تاريخي.ماذا كان دور أرثوذكسي صافيتا ومحيطها في هذا الصراع.
وتثير ثورة اسماعيل خير بك أسئلة كبرى أعمق وألصق بصلب المجرى العام للأحداث، ولاسيما بشأن محاولة القائد الشاب (الذي استشهد ولم يتجاوز إلا بقليل منتصف العقد الرابع من العمر) الاستفادة من الظروف الدولية للنهوض بمشروعه الاستقلالي.
أما جهود هواش ابن اسماعيل فتدل دلالة قاطعة على رؤية وحدة مصير لبلاد الشام تتجاوز- واعية حدود الطائفة والمنطقة والساحل.
ولا ريب أن من الواجب القومي التوفر على تاريخ مفصل لنصف قرن من النزوع السياسي – القومي المستقل، ابتدأ مع انسحاب ابراهيم باشا واستمر يحمله الأب والابن لمدة تقترب من نهاية القرن التاسع عشر. وفي هذا التاريخ المفصل الذي نقترحه لابد الاعتماد على الوثائق الثابتة لتلك الفترة. وأهمها المعروف ما كتبه الأجانب. إلا أن جهداً خاصاً ينبغي أن يبذل لكشف مصادر قد تكون أهم مما كتبه الأجانب ، أعني بذلك المصادر التي كتبها أبناء بلادنا وسجلوا بها أحداثهم وأفكارهم ورؤاهم.
وثمة ، بعد ، خاطرة أود أن أختم بها هذه الصفحات . لست مختصا ًعلى نحو جدي بتاريخ بلاد الشام تحت الحكم العثماني وإن كنت منذ نحو عقدين أكثف مطالاتي عن تلك الفترة. يبدو لي أن روح الوحدة الوطنية كما نقول الآن، كانت أوثق مما نظن، أو بالأحرى مما رسمته عنا كتابات الأجانب. لن أطلق العنان الآن لحديث مكرور عن الاستعمار واستشراقه، ولن أخلص إلى نتائج وطنية وقومية باسم العلم، إلا أنني أرى فائدة في الالحاح على ضرورة أن نكتب نحن بأنفسنا تاريخنا، ومن مصادرنا أولاً ضمن نطاق الثابت من منهجيات العلم ، وأرجو أن تكون الصفحات السابقة شهادة ، ولو متواضعة، على ما أدعو إليه.
دمشق في 10/3/1993
 
 
جورج جبور
عدد الزيارات
16892974

Please publish modules in offcanvas position.