العَلمانية و المشروع الوطني.. ح4

بعد كل هذا المخاض الطويل و العسير التي مرت به أوروبا , و التي فرضت رفع الصوت عالياً بضرورة إيقاف ذلك التغول المرعب للكنيسة و الذي أدّى إلى بحار من الدماء , و ضرورة أن يبقى دور الكنيسة في الكنيسة لا يخرج منها , و ما رافق ذلك من ثورات على كل الأصعدة كان لا بد من الكثير من الكتابات التي تحاول ان تجد تعريفاً محدداً للعلمانية الذي بدأ ينتشر كمصطلح ( Secularism ) ) بمعنى " الدنيوية " ويمكن القول أن أول من ابتدع هذا المصطلح هوالكاتب البريطاني جورج هوليوك ( 1817- 1906 ) الذي كتب في عام 1851... قائلاً :
( العَلمانية نظام اجتماعي منفصل عن الدين و ليس ضد الدين .. أي انه نظام مستقل عن الدين و هذا النظام يرفض وضع الدين كمرجع رئيسي للحياة السياسية والقانونية...
ويتجه إلى الاهتمام بالأمور الحياتية للبشر بدلاً من الأمور الأخروية.... أي الأمور المادية الملموسة بدلاً من الأمور الغيبية.... لايمكن أن تفهم العلمانية بأنها ضد الدين بل هي فقط مستقلة عنه.... ولا تقوم بفرض مبادئها وقيودها على من لا يود أن يلتزم بها.....المعرفة العلمانية تهتم بهذه الحياة وتسعى للتطور والرفاه في هذه الحياة...وتختبر نتائجها في هذه الحياة.) ...
و بعد أن قدم هوليوك هذا التعريف ظهرت تعاريف أخرى تحاول الاحاطة بمفهوم العلمانية و كل تعريف كان له خصوصية البيئة التي انتجته فها هو التعريف الذي قدمه الفرنسي " جان بوبير" و الذي شبّه العلمانية بمثلث :
الضلع الأول : وهو يتعلق بخاصية العلمانية وهوعدم تسلط الدين (أو أي نوع آخر من المعتقدات) على الدولة، ومؤسسات المجتمع والأمة والفرد.
والضلع الثاني : يمثل حرية الضمير والعبادة والدين والعقيدة، وذلك في التطبيق المجتمعي وليس كمجرد حرية شخصية باطنية.
الضلع الثالث : و هو المساواة في الحقوق بين الأديان والمعتقدات؛ مع ضرورة تطبيق هذه المساواة واقعيا ومجتمعيا
هذين التعريفين هما أهم التعريفات للعلمانية ...أي باختصار العَلمانية التي لا تعادي و لا تخاصم الدين لكنها ترفض وضع الدين كمرجعية لحياتنا السياسية و القانونية ...و بالتالي يجب ان ننطلق من مرجعية دنيوية بعيدة عن الغيبيات و رجال الدين... العلمانية تحترم كل الاديان و تحترم كل العقائد...و تؤمن بحق الناس بممارسة شعائرهم الدينية لكن بما لا يناقض سير و سيرورة الحياة العامة...
اي ان العلمانية بكلام مختصر جدا نلخصه في شعار : "الدين لله والوطن للجميع" " و كما جاء في الانجيل : اعط ما لقيصر لقيصر و ما لله لله...
و مما سبق نستنتج ان العلمانية كانت ضرورة لوقف تغول الكنيسة ووقف تديين السياسة و تديين الحياة العامة.... قد وصلت الى هذا الشكل و تبلورت بهذا الشكل في اوروبا بعد ان كانت اوروبا قد انجزت عدة ثورات في مجتمعاتها كما اسلفنا ...ثورة الاصلاح الديني ...و الثورة العلميه و الثورة السياسية الاجتماعية.....و الثورة الصناعية....أي أن العلمانية ليست ابنة قرار بساعة معينة و يطبق في تاريخ معين...العلمانية بهذا المعنى و هذا الشكل كانت عبارة عن علمنة أي كانت سيرورة متواصلة و متفاعلة و ديناميكية .....
لذلك نرى ان تطبيق العلمانية في الدول الأوروبية و امريكا مختلف من دولة الى اخرى...حسب بنية و تطور مجتمعاتها و حسب تطور الاحداث في تلك الدول و نتائجها...
ففرنسا الكاثوليكية ذكرت اسم العلمانية في دستورها بشكل صريح و اعتمدت ما عرف بالعلمانية الصلبة التي تحرم فيه كل اشكال الدين او العلامات الدينية...او ما شابهها.......
في ألمانيا نشعر ببعض التسامح مع مسألة التماس بين السياسي المدني والديني، فالدولة تشرع رسوما خاصة بالكنائس، وتعترف بالأعياد الدينية وتؤطر برامج التربية الدينية في المدارس الرسمية، كما يمكن إبراز الرموز الدينية، دون حرج في المراكز العمومية، بالإضافة إلى كل هذا يمكن للأحزاب السياسية أن تؤسس برامجها على أسس دينية، كما هو الشأن بالنسبة للأحزاب المسيحية الديمقراطية التي تشترك اليوم في الائتلاف الحاكم في المانيا..
أما في هولندا فنجد مقاربة أخرى للعلمنة، تتيح للمجموعات الدينية الأساسية إمكانية تأسيس أحزاب سياسية بمرجعية دينية، كما يمكنها تأسيس نوادي ومصحات ومدارس ومؤسسات إعلامية خاصة، فالدولة لا تتدخل في نشاط هذه الجماعات الدينية، لكنها لا تساهم في تمويلها
اما في بريطانيا فسنجد مستوى اخر من العلمانية اللينة حيث انها ما زال الدستور البريطاني يعترف بالكنيسة الأنجليكانية ككنيسة رسمية للمملكة، وتعتبر الملكة دستوريا رئيسة لها، كما يسمح لأساقفة الكنيسة بتعيين أعضاء الغرفة البرلمانية العليا، وتعتمد الدولة على الشرائع الكنسية كجزء من القانون المدني، ...الخ
لكن الوجه الآخر للعلمانية ظهر لاحقاً في تركيا مع سقوط الامبراطورية العثمانية و تزعم كمال أتاتورك الدولة الجديدة الناشئة حيث قام بأكبر عملية سلخ الدولة و المجتمع عن الدين وصلت الى حد الغاء حتى الازياء و اللباس الذي يدل على المظهر الديني فكانت علمانيته قاسية و صلبة تركت آثارها عميقا في المجتمع التركي .
كما ظهرت العلمانية القاسية و الصلبة في الاتحاد السوفييتي منذ تأسيسه و نجاح ثورة البلاشفة السوفييت عام 1917م حيث تم الغاء أي مظهر ديني الى حد القمع و الاقصاء الكامل , فأغلقت الكنائس و المساجد و منع رجال الدين من الظهور و العمل...و لاحقا مع الكتلة الشرقية في أوروبا إبان الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي و المعسكر الغربي.
كما يوجد اليوم العلمانية القاسية في كوريا الشمالية و الصين و هي علمانيات ايضا تسمى بالصلبة القاسية .
مما سبق نجد أن مفهوم العلمانية كان مفهوماً و ممارسة تختلف باختلاف النظام السياسي , و هي بهذا المعنى لم تكن نظاماً سياسياً و لم تكن ايديولوجية بعينها , لا بل خرجت من تحت عباءتها الكثير من الايديولوجيات و خاصة الليبرالية بأشكالها المتعددة و الماركسية و بعض الايديولوجيات القومية .
وبهذا المعنى نفهم ان العلمانية لا علاقة لها بالنظام السياسي هل هو ديموقراطي ام ديكتاتوري أي أن شكل الحكم لا علاقة له بالامر فيمكن ان تكون ديكتاتوري علماني أو ديموقراطي علماني ..لا بل يمكن أن تكون رجل دين علماني ...
و هنا مشكلة الاصدقاء في طرح العلمانية عندما يطرحونها و كأنها نظام سياسي و يعولون عليها الحلول لمشاكلنا السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية....
هذه النقطة الهامة جداً سنعود اليها في نهاية هذه الحلقات لنرى أهمية ربط العلمانية بالمشروع الوطني ...و لنصل الى اي شكل من العلمانية نريد....
الدكتور علي مخلوف
عدد الزيارات
17369669

Please publish modules in offcanvas position.