image.png

حوار الدكتور اللواء بهجت سليمان مع قناة المنار

[ مضمون حوار ( د . بهجت سليمان ) مع قناة ( المنار ) ]أ بهجت سليمان في دمشق

[ في برنامج ( هنا دمشق ) : مساء الخميس 19- 12 - 2019 ]

[ مدير ومقدم البرنامج ( الإعلامي عامر أبو فراج ) ]

○ المقدم : له الكثير من المواقف السيادية التي تؤكد على حق الدولة السورية في الدفاع عن نفسها ، عاد إلى دمشق ، وله الكثير من المؤلفات والكتابات والرؤى والأفكار ، سنتطرق بهذا الحديث اليوم للاطلاع على رؤية ضيفنا لواقع سورية ومستقبل سورية خلال المرحلة القادمة ، أين يرى موقع سورية وحلفائها بعد ما يقرب تسع سنوات على بدء الحرب؟.. التي هي متعددة الأوجه ، حرب عسكرية ، حرب سياسية ، وحرب اقتصادية تدخل من بوابة الإرهاب الاقتصادي ، والإرهاب المالي الذي يعصف اليزم بسورية وبدول المنطقة..
كيف يرى ما يجري من ( حراك ) في العديد من البلدان التي تشكل اليوم عصب محور المقاومة : إيران – العراق – لبنان ؟ ) .. وما هو الربط بين ما يجري في هذه الدول وبين ما يجري وجرى في سورية؟.
رحبوا معي بضيفنا لهذا الأسبوع، وهو اللواء الركن بهجت سليمان
اشتقنا لك سعادة السفير..

■ د. بهجت : ونحن بشوق أكثر للمقاومة ولرجال المقاومة ولأشبال المقاومة دائماً وأبداً، والذين نتعلم منهم ، و نشد أزرنا بهم ، ونقف معهم ويقفون معنا ، دائماً وأبداً.

1 ▪︎ المقدم : دعنا نسأل سعادة السفير ، بمرور بانورامي إن جاز التعبير ، بعد مرور تسع سنوات على الحرب على سورية.. فآخر لقاء كان بيننا في 2015 ، وقتذاك كان هناك الكثير من الرؤى التي تحدثت بها حضرتك ، وتنبأت بمستقبل لسورية ، وقد حصل مما تنبأت به الكثير الكثير بنسبة ساحقة ؟.. حيث تنبأت أنّ الأدوات الإرهابية سوف تزيد بالمستقبل ، ونبهت إلى المشاريع الإسرائيلية التي تعصف في المنطقة ، ونبهت إلى الأنظمة التي تحيك اليوم المخاطر لسورية ، اليوم نظرة بانورامية لما جرى وحتى هذا التاريخ ، أين ترى موقع سورية وحلفاء سورية بعد ما يقرب من تسع سنوات حرب؟.

● ج1 : د. بهجت : عندما نتحدث عن الحرب الكونية الإرهابية التي تُشن على سورية ، لا بد لنا أن نعود إلى أبجدية الحروب بشكل عام ، فالصراع مستمر منذ خلقت البشرية ، والصراع الآن ومنذ قرون ومن ثم منذ عقود ثم منذ سنوات ، هو صراع منظومي بانورامي بين المحور الاستعماري القديم الأوربي ومعه الجديد الأمريكي ومعه الإسرائيلي الصهيوني الاستيطاني ، وأذنابهم الأخرى في منطقتنا ، من جهة .. والشعوب الحيّة وطلائعها وقواها التي ترفض التبعية وترفض الخنوع وترفض الذل ، وتصر على أن تكون مستقلةً بقرارها ، وأن تكون كرامتها مرفوعةً ومصانة ، وأن تشعر تماماً بأن قرارها يجب أن يكون بيدها ، وهذه المنظومة ما تسمى منظومة المقاومة والممانعة ، والبعض يسميها محور المقاومة والممانعة ..
وإذا ما عدت إلي التاريخ ، فإنّ الأب الأول الروحي والحقيقي لهذه المقاومة والممانعة ، هو القائد الخالد حافظ الأسد . وبعد أن جاء في عام 1970 ، حيث في ذلك الحين اجترح مصطلحات كثيرة طبقها على الأرض ، وكان من أهم ما طرحه وعمل على تنفيذه ، مسألة مقولة ( التوازن الاستراتيجي ) ، ف" إسرائيل " كما تعرف ، منذ أن أنشئت و أقيمت .. هناك قرار أمريكي وأوربي وغير أوربي وأمريكي ، أنها يجب أن تتفوق نوعياً على جميع دول المنطقة المحيطة بها ، ولذلك حتى عندما جرت حرب تشرين عام 1973، ونسقنا نحن ومصر والكثير من الدول العربية ساهمت معنا ، وكانت المنظومة الاشتراكية لا زالت موجودة ، وكان الاتحاد السوفيتي لا زال في مجده ، ومع ذلك لم نتمكن لا نحن من تحرير الجولان ، ولا المصريين من تحرير سيناء .
وهناك مجموعة عوامل لذلك ، ولكن أهم هذه العوامل هو عدم توازن القوى العسكرية ، فهناك سبق نوعي ، وهناك دعم أمريكي وأوربي هائل ، وهناك أحدث الأسلحة تعطى بشكل دائم ل" إسرائيل " .
في هذه الحالة انتقل الرئيس حافظ الأسد فقال : طالما أن الحروب المباشرة لم تحقق الغاية المنشودة منها ، حينئذ طرح مسألة التوازن الاستراتيجي بيننا وبين " إسرائيل " .
ثم طرح ما سماه الآخرين الحرب خارج الحدود ( أو خارج الأسوار ) ، يعني لا يكفي أن نحارب " إسرائيل" على الحدود السورية - الإسرائيلية ، بل يجب أن نحاربها من خارج الأسوار السورية ، ماذا تعني هذه ؟
تعني العمل على نشوء مقاومات حقيقية ، وهذه المقاومات تستطيع أن تعوض عن هذا الفراغ الاستراتيجي الذي تركه هذا التهالك في النظام الرسمي العربي ، الذي رمى عن كتفيه أي مهمة قتالية أو نضالية بمواجهة العدو الوجودي الصهيوني.
وفي ذلك الحين شاء القدر عام 1979، بعد أن غرد أنور السادات قبلها بعام أو عامين خارج السرب العربي ، وانتقل بمصر من خندق إلى خندق ، لكن القدر كان رحيماً ولطيفاً بنا ، فخرجت هذه الثورة العظيمة ، هي الثورة الإيرانية عام 1979 ، والتي هي كما أراها هي آخر الثورات الحقيقية في هذا العصر ، فالثورات الملونة هي ثورات مزيفة.
وحسب رأيي الشخصي أن آخر ثلاث ثورات في القرن العشرين ، هي الثورة السوفيتية عام 1917 ، والثورة ال صينية عام 1949 ، والثورة الإيرانية عام 1979 ، وبعدها لم يحدث ثورات.

2▪︎ المقدم : وما عن الذي رأيناه خلال الفترات الماضية؟.

● ج 2 : د. بهجت : هي ثورات مضادة ، وثورات مزيفة ، وثورات ملونة ، لكنها تحاول أن تعتمر كوفية الثورة . وسنتحدث عنها لاحقاً.
فعندما انضم إلى هذا المحور ، الذي اجترحه القائد الخالد حافظ الأسد بعد الحركة التصحيحية منذ نصف قرن ، انضمت الثورة الإيرانية العظمى التي انتقلت بإيران من الخندق الأمريكي – الإسرائيلي ، إلى الخندق الوطني الإسلامي المقاوم الحقيقي ، والعروبي الحقيقي ، ضد العدو الأول للعروبة وللإسلام وللعالم ، الذي هو الصهيونية الإسرائيلية.
وفي عام 1982 ، نشأت تلك المقاومة الشريفة ، التي هي أشرف مقاومة في هذا العصر ، بدون مبالغة ، وأنبل مقاومة ، هي مقاومة حزب الله ، التي بدأت عام 1982 ، ثم خلقت حالةًً ، هذه الحالة تقفز فوق حتى القوانين ، والأعراف السائدة ، فقد كان البعض يقول - وذكرها الكثيرون - أن لبنان لا يحتاج إلاّ إلى فرقة موسيقية إسرائيلية لكي يدخلوا إليه.

3▪︎ المقدم : هي قلبت الموازين العسكرية التي كانت سائدة.

● ج 3 : د. بهجت : ليس ذلك فقط ، بل لا يوجد مقاومة في التاريخ عاشت الظروف الصعبة التي تعيشها هذه المقاومة ، فقد ولدت في ظروف صعبة، حيث كان هناك احتلال إسرائيلي ، وكان هناك نظام تابع ل" إسرائيل " ، وكان هناك قوى سياسية تتحكم بلبنان، هي ضدها ، كل الواقع الموجود في لبنان كان ضدها ، ومع ذلك استطاعت أن تجترح حالةً نضاليةً غير مسبوقة منذ مئات السنين ، في بلد صغير مقابل قوّة عملاقة هي " إسرائيل " ووراءها أوربا وأمريكا وثلاثة أرباع العالم الآخر ( دون أن أسميه)..
واستطاعت مع ذلك ليس فقط أن تغير الموازين ، وإنما استطاعت ، بشكل أو بآخر ، أن تحقق المسألة التي نادى بها الرئيس حافظ الأسد عام 1970 وهي ( توازن القوى الاستراتيجي ) ثم استطاعت أن تنتقل شيئاً فشيئاً إلى أن تمنع الإسرائيليين مطلقاً أن يدخلوا إلى لبنان ، فالآن يستطيع الإسرائيليون أن يدخلوا أي بلد عربي ما عدا لبنان ، وهذا بفضل مقاومة ثلة من الشرفاء الذين آلوا على أنفسهم ألا يسمحوا للإسرائيليين تحت أي عنوان أن يستبيحوا أرضهم ولا مياههم ولا سمائهم.
ثم استمرت هذه الثلاثية التي نستطيع أن نقول أنها الأساس لمنظومة المقاومة والممانعة ، حيث كان أسمها قبل الثورة الإيرانية وقبل دخول حزب الله ، كان اسمها ( جبهة الصمود والتصدي ) ثم تفككت هذه الجبهة ، لأن بعض زعماء العرب لم يكونوا جادين في عملية الصمود والتصدي ، لكن أطراف جبهة المقاومة والممانعة حاليا ، هم جادون حقيقةً ، وينذرون أنفسهم لقضية يؤمنون بها ، ومستعدون للتضحية من أجل نصرتها ، ولذلك هي تنتصر.
ثم أضيف لها الكثير من قوى المقاومة الفلسطينية الشريفة ، والكثير من قوى المقاومة العراقية الشريفة ، والكثير من قوى المقاومة اليمنية الشريفة ، وهذه بمجموعها تشكل منظومة المقاومة والممانعة ، والآن الصراع هو كرٌ وفر ما بين المحور الصهيو - أمريكي - ناتوي وأتباعه ، وما بين المحور الوطني الحقيقي ، والذي تشكل سورية الأسد قلبه ورئته ، وتشكل إيران الثورة رأسه ودماغه ، ويشكل حزب الله ذراعه الحقيقي وضميره ، وتشكل باقي القوى أطراف هذا الجسم وهذه الروح المقاومة التي تجسّد طموحات الشعوب ومصالحه ، وتقف بمواجهة الاستعمار القديم والجديد والصهيوني الإسرائيلي معه.

4▪︎ المقدم : هذا الاستعراض التاريخي كان جداً غني وجداً مفيد لكي نستقرئ منه ملامح المرحلة المستقبلية، التي تخص سورية وكل دول محور المقاومة..
هذا التكاتف الذي عبّرت عنه ، بأن انضمت إلى المقاومة الإسلامية مجموعة من الفصائل المقاومة ، وكان هناك حضور قوي للدور السوري والدور الإيراني منذ عام 1979 ولغاية 2011 ، ومما لا شك فيه أنّ محور المقاومة حقق الكثير من الانتصارات كماً ونوعاً.
السؤال: هذه الانتصارات التي حققها محور المقاومة ، كيف تقيمونها لناحية النوع؟ لناحية ترسيخ وتعزيز الردع الاستراتيجي الذي ثبته الرئيس الراحل حافظ الأسد ؟ ما هو المطلوب اليوم ما بعد هذه الانتصارات ؟ بمعنى ، الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ذكر في أكثر من مناسبة ، أنّ هذه الانتصارات يجب أن لا تثنينا عن المضي في متابعة هذه المعركة وهذه الحرب ، لأن أدوات الحرب لم تنته ، وربما لن تنتهي..
فما هي رؤيتك وقراءتك لهذه البانوراما.. وكيف يمكن توصيفها؟. وإلى أي مدى يمكن أن تتفق مع كلام سماحة الأمين العام؟.

● ج 4 : د. بهجت : اتفق معه دائما وبشكل كامل ، ونحن نتعلم منه دائماً.
ياسيدي في عام 2000 عندما غاب القائد الخالد حافظ الأسد ، قال في ذلك الحين شيمعون بيرز ، وهو ثعلب " إسرائيل " الأكثر مكراً ، قال : الآن سوف يكون هناك شرق أوسط جديد بعد أن غاب هذا الرجل ، فهم ظنوا أنه بغياب حافظ الأسد ، سوف تكون الساحة فارغةً أمامهم ، على الرغم أنه لم يكن قد مضى سوى خمسة عشر يوماً على هزيمتهم المذلة وهروبهم من جنوب لبنا

ضمائرهم ، وأن تكون في مقدمتهم دائماً ، وأن تعرّض نفسك للمخاطر لكي تدافع عنهم ، وكل هذه الصفات تحلّى بها الأسد بشّار.

6▪︎ المقدم : كيف لنا أن نستفيد من مفاعيل هذا الانتصار؟

● ج 6 : د. بهجت : لنقارن ما نحن عليه عليه الآن ، بما كنّا عليه قبل خمس سنوات . مع أن الحقيقة هي أن المسألة ليست المقارنة بين ما كان وبين ما هو كائن وبين ما سيكون .. لكن أعتقد أنه من الأفضل أن نأخذ دروساً مستفادةً مما جرى في الماضي ، وأيضاً أن مضطر أن أعود دائماً إلى التاريخ حتى أصل إلى الحاضر ومن ثم إلى المستقبل ، فدائما كان الصراع بين الخير والشر ، وبين الحق والباطل ، حيث كان الباطل أو الشر يستغل ويستثمر النقاط الإيجابية والخلاّقة والضميرية في سلوك الطرف الآخر ، التي يعتبرها طيبةً وأحياناً سذاجةً ، ثم ينفذ منها إلى تحقيق الكثير من أطماعه ، على الرغم من أن ميزان القوى لم يكن في صالحه ، ولكنه بخبثه السياسي وبسبب الأخلاقية السياسية للقوى الوطنية الشريفة ، كانت قوى الشر هي التي تنتصر ، وهذا ما حدث في كثير من مراحل التاريخ..
ولكن منذ نصف قرن حتى الآن ، أصبحت هذه من الماضي ، وبات هناك دروسٌ مستفادة ، وقرر الشرفاء في هذا العالم ، أنهم سوف يمارسون الدهاء السياسي ، كما يمارسه أعداؤهم ، ولن يسمحوا لأعدائهم بأن يستغلوا هذه الأخلاقية التي يتمتعون بها ، لكي يجعلوا منها سلماً أو تكأةً ، لتحويل هزائمهم إلى انتصارات ، ولذلك منذ عام 1970 ، و1979 ، و1982 ، و2000 ، و2006 ، وفي اليمن وفي العراق ، وفي فلسطين ، وفي غزة ، كلها انتصارات ، تشي بأننا بدأنا نلعب لعبة السياسة على أصولها ، بمعنى أننا لم نعد نسمح نحن في محور المقاومة والممانعة ، أن يتلاعبوا بنا تحت حجة أخلاقية ، أو ذرائع أخلاقية ، فالحرب خدعة ، وطالما أنّ الحرب خدعة ، فيجبةعلينا أن نعامل الأعداء بما يستحقونه ، وليس بما نراه نحن فقط أخلاقياً ، ففي الحرب تسقط الكثير من المحرمات ، وإذا لم تسقط الكثير من المحرمات ، فبالتالي ستسمح لعدوك بأن يحوّل ضعفه إلى قوّة ، ويحوّل قوتك إلى ضعف ، وهذه انتهت ، ولذلك نحن الآن نحقق انتصارات.
لكن هناك نقطة أود أن أقولها ، هناك الكثير من جمهور المقاومة ، وأحياناً من بعض كوادر المقاومة ، وليس من قياداتها ، يظنون أن تحقيق انتصاراتٍ تكتيكيةٍ في الميدان ، يعني أننا حققنا النصر ، فتحقيق انتصاراتٍ تكتيكيةٍ في ساحات المعارك ، هذا لا يعني نصراً ، إنما هو نصر تعبوي ، ونصر جزئي ، فأنت تحتاج إلى سلسلة من مئات الانتصارات من هذا النوع من الانتصار ، لكي تصل إلى تحقيق الانتصار النهائي.
و الآن أقول : صحيح أننا في الهزيع الأخير من الحرب العالمية الكونية الإرهابية على سورية ، ولكننا كمنظومة لا زلنا في قلب الحرب ، فهذه الحرب بدأت تأخذ أشكالاً أخرى ، تتحول من الشكل العسكري والأمني ، إلى شكلٍ اقتصادي وماليٍ ونقديٍ ، أما الشكل الإعلامي والثقافي والتكنولوجي ، فكان منذ البداية ، وهو ترافق مع الحرب العسكرية والأمنية ، لكن الآن هذا الشكل الخطير من الحرب ، الحرب الاقتصادية ، والعقوبات الاقتصادية ، والحرب المالية والنقدية ، هو الشكل الجديد لهذه الحرب ، والشكل الأكثر خطورةً.

○ المقدم : دعنا سعادة السفير نؤجل الحديث عن هذا النوع من الحرب لما بعد الفاصل كون هذا النقاش مهم جداً ، ولا أريد أن أقاطعك..

ن ، ومع ذلك اعتبروا أن غياب روح حافظ الأسد – وحقيقةً أن روحه لم تغب إنما جسده هو الذي غاب – ظنوا أن الساحة قد صارت مباحةً لهم ومتاحة ً أمامهم ، لكنهم فوجئوا بهذا الرجل الشاب ، الأسد بشّار ، بعد الأسد حافظ ، هذا الرجل تصوروا أنه يمثل روح العصر ، و فعلاً هو يمثل روح العصر ، ولكن ليس بطريقتهم ، هو يمثل روح العصر بأنّ سورية ، يجب أن تدخل القرن الحادي والعشرين ، بتطوير مفاهيم المقاومة والممانعة التي يشكل هو أبنها البار ، هو أبن هذا البيت ، المدرسة الأسدية ، وبالتالي استمر في التعاضد والتآلف والتحالف مع قوى المقاومة.
وكما تعرفون أن البعض يحاول النيل من كلمة الممانعة ، فالممانعة هي المقاومة السياسية ، والمقاومة هي المقاومة المسلحة ، وبالتالي كلاهما وجهان لعملةٍ واحدة ، فما الفائدة من أي انتصاراتٍ عسكرية ، إذا كنّا لا نترجمها سياسياً ، وأضرب مثلاً في حرب تشرين عام 1973 ، عندما بدّد أنور السادات كل تلك الانتصارات ، وبالتالي ذهبت هباءً منثورا.
و حافظ الأسد هو صاحب مقولة وفكرة الممانعة السياسية الرافضة للإملاءات الأمريكية والاستعمارية . فإذا لم تصرف انتصارات المقاومة المسلحة ، بممانعة سياسية ، فبالتالي ستتبدد ، ولذلك كان هناك تكامل ما بين سورية الأسد وما بين المقاومة اللبنانية الشريفة العملاقة حزب الله ، وإيران في هذا التوجه والاتجاه ذاته .
وبالتالي عندما جاء الرئيس بشار الأسد في ذلك الوقت ، لم يتركوا وسيلة في الدنيا إلا واستخدموها لاحتوائه ، و حاولوا بها تطويقه ، ولكنهم لم يستطيعوا ، وفشلوا فيها فشلاً ذريعاً ، فشلوا بالإغراءات ، فشلوا بالإغواءات ، فشلوا بأن يجعلوا من سورية " دبي " جديدة - كما كانوا يقولون - ، فشلوا بأن يقدموا عشرات لا بل مئات مليارات الدولارات ثمنا لاقتلاع سورية من تاريخها وتربتها ودورها القومي العربي الوطني المستقل المقاوم الممانع ... إلخ أما الرئيس بشار ، ف كان يستمع لهم ماذا يريدون ، ولكن بالنتيجة هو لا يفعل إلا ما يريد.
وسأروي لكم الآن روايةً ، مع أنه يجب أن لا تروى ، أنه في عام 2009 كان هنا سيئ الذكر حمد بن خليفة ، وكان معه حمد بن جاسم بن جبر ، وكان الرئيس بشار الأسد قد دعاهم على مأدبة غداء في منزله ، ولأن حمد بن جاسم هو رئيس وزراء قطر ، فدعى الرئيس الأسد بالمقابل رئيس وزرائه المهندس ناجي عطري.
وروى لي المهندس ناجي العطري بالحرف الواحد : سمعت حمد بن خليفة يقول للرئيس بشار الأسد ( والله يا سيادة الرئيس ، والله يا سيادة الرئيس ، أنا بيشرفني أشتغل مدير مكتب عندك )
أي وصلوا إلى مرحلة هم جاهزون ومستعدون على أن يعملوا ما لا يعمل ، لكي يحاولوا إغراء الرئيس وإغواءه واحتواءه وتطويقه وتزليقه.. لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً ، لأن هذا الرجل - وهنا لا أتكلم من منطلق عاطفي ولا منطلق وجداني ، ولكن من منطلق عقلاني - أعتقد أنه سوف يسجل التاريخ بعد مئات السنين ، أنه كان هناك شاب كان يبدو وديعاً وجميلاً وظريفاً وساحر الطلة وبهي الطلعة ، لكنهم لم يتصوروا أن هذا الشاب سيصمد صمود الجبال الراسيات . لقد صمد أكثر من صمود قاسيون ، صمد في وقت كان الجميع وبدون استثناء يراهنون ، بأنّ النظام السوري – كما يسمونه – سوف يسقط ، وبأنّ الرئيس بشار الأسد لن يصمد ، وبأنّ الكثير من الحلفاء والأصدقاء كانوا يضعون يدهم على قلوبهم ، خوفاً منهم وظناً منهم ، أن الرئيس بشار الأسد لن يصمد.

5▪︎ المقدم : بعد هذا الصمود ، ما هو المنظر من سورية وحلفاء سورية ؟ بعد هذا الانتصار ، فالحرب لم تنته إلى الآن ، فما هو المنتظر ، وما هو المطلوب من محور المقاومة؟.

● ج 5 : د. بهجت : الحرب كما قلت هي موجودة من الأزل إلى الأبد ، وما بينهما ، وليس أنا فقط كرجل عسكري – وهذه نسيتها في التقديم – فأنا عملت في المجال العسكري ، أكثر مما عملت في المجال الأمني.
فالهدنة هي في الحقيقة هدنة مؤقتة بين حربين ، وبالتالي نحن في منطقة كما تعرف هي قلب العالم ، وهي مهد الرسالات السماوية الثلاث ، وخاصة سورية ( بلاد الشام ) فهي قلب العالم القديم ، وهي بشكل أو بآخر روح العالم ، وهي التي قالت عنها كما ذكرت لك في اللقاء الماضي " الإمبراطورة كاترين " : ( سورية هي مفتاح بيتي ) ، وهذا في عام 1760، وهذا منذ مئتين وخمسين عاماً.
وبالتالي صاحب القرار في سورية ، عندما يفعل هذا القرار ويرتقي بشعبه إلى المستوى الذي يريد ، ويرتقي بنفسه إلى مستوى طموحات شعبه ، يصنع المعجزات ، وهذا ما فعله الرئيس بشار الأسد.
الرئيس بشار الأسد الذي حاربه ثلاثة أرباع العالم ، من كانوا يسمونهم ( أصدقاء الشعب السوري ) وأنا سميتهم عندما كنت في الأردن بأصدقاء " إسرائيل " ، بدأوا ب /130/ دولة، فمائة وثلاثون دولة كانوا يحاربون سورية ، ومع ذلك كان هذا الرجل الرابض في قاسيون مصمماً وواثقاً ، بأنه سوف ينتصر ، لماذا؟..
لأنّ الانتصار قرار ، الانتصار إرادة ، الانتصار صمود ، الانتصار استعداد للتضحية ، الانتصار هو أن تعبّر عن وجدانات الشعب وعن

7▪︎ المقدم : في المحور الأول أجرينا استعراضا تاريخيا ، وحاولنا أن نسقط التاريخ على الحاضر ، ونضع اللمسات الأولى لاستقراء المستقبل.
في هذا المحور سنستقرئ المستقبل بشكل أكبر ، وسنخوض أكثر ، بأدوات الحرب التي تستخدم اليوم ، وليس فقط ضد سورية ، وإنما ضد محور المقاومة ككل ، وإحدى هذه الأدوات هي الإرهاب الاقتصادي ، فاليوم الإرهاب الاقتصادي ، الحصار المالي ، وربما سياسة التجويع ، إن جاز التعبير التي تستخدم بحق هذه الدول ، لمحاولة تفجير الوضع من الداخل ، ونرى في العراق نموذجاً وفي إيران نموذجاً وفي لبنان أيضاً نموذجاً ، فربما الصورة التي تصل إلى العالم ، التي تصورها وسائل الإعلام ، لا تمت للواقع بصلة ، هذا النوع من الحروب اليوم ، إلى أي مدى لا يقل خطورة عن الحرب العسكرية ؟
بالمقابل ماذا يجب على محور المقاومة أن يفعل؟.. وأيضاً ما هي رسالتكم للنخب السياسية والثقافية ؟ وللشعوب قبل النخب ؟ للتنبه لمخاطر مثل هذه الأدوات ؟

● 7 ▪︎ ج : د. بهجت : سؤال جميل .. الحروب ، سواء العسكرية أو الاقتصادية ، هي وسيلة وليست غاية لتحقيق هدف ، فما هو هذا الهدف؟..
هم يقولون أحياناً : نحن لا نريد إسقاط النظام في سورية ولا في إيران ، ولكننا نريد تغيير سلوكه ، ( شو هالشطارة يعني ) يعني مطلوب من سورية وإيران أن تأتي و تصبح تابعة لنا نحن الأمريكان وتقوموا بالتطبيع مع الإسرائيليين، ولن لا نريد أكثر من ذلك !!!
فهذا النوع من التذاكي هو أسوأ أنواع التغابي ، ولا علاقة له بالذكاء.. فإذاً عندما فشلوا في الحرب العسكرية بتحقيق غايتهم ، وليس بكرم أخلاق منهم ، انتقلوا إلى الحرب الاقتصادية ، والحرب المالية ، والحرب النقدية ، فهذه عملية تجويع وخنق لشعوب بكاملها ، لكي تدفع هذه الشعوب للتمرد على قيادتها ، ولكي تخلق هوّةً عميقة بينها وبين قياداتها الوطنية.
فإذا كان الأمريكان وأتباعهم يتصورون أنّ منظومة المقاومة والممانعة ، سوف تقف مكتوفة الأيدي ، بمواجهة هذه الحرب الاقتصادية والمالية والنقدية الخانقة على شعوبها وعلى أبنائها ، فهم مخطئون .
نعم هم مخطئون إذا كانوا يتوهمون ذلك ، وبالتالي لا يمكن للجائع ظلماً وعدواناً وقهراً ، وطعامه قريب منه ولكن لا يسمح له أن يمد يده إليه ، فهذا النوع من الخنق غير المسبوق في التاريخ لا يمكن أن يجري السكوت عليه إلى مالا نهاية.. كيف؟
هذه الأمور مرهونة بأوقاتها ومواقيتها ، لا نقول لهم ولن نقول لهم ماذا سنعمل ، ولكن قد تصل الأمور إلى مرحلة قلب الطاولة ، لأن ما لم يحققوه بالحرب العسكرية ، لن يسمح لهم بتحقيقه بالحرب الاقتصادية ، مهما كانت الظروف ومهما كانت التحديات ومهما كانت المصاعب ، ومهما كانت النتائج ، ومهما كانت التداعيات .. لأنّ المسألة مسألة حياة أو موت ، لعشرات الملايين لا بل لمئات الملايين ، من أبناء هذه المنطقة ، وبالتالي نحن لسنا لعبة بيدهم ، كي يتلاعب بنا الأمريكي كما يريد ، تحت عنون عقوبات أو غير عقوبات . نحن لسنا عاجزين ، عن أن نجترح الوسائل الكفيلة تماماً ، لإفشال هذه الحرب الاقتصادية ، وأدواتها ، وبأن نعيد الحجر ونرده من حيث أتى.. وسأذكر لك أيضاً روايةً :
إثر نشوب الحرب الكونية علينا ، بعد 18 آذار 2011 ، بعدها بشهر واحد ، اتصل بي السفير الفنزويلي في عمّان ، وهو بروفيسور مستشرق ورجل مفكر ومثقف من الطراز الرفيع ، وجاءني بزيارة ، وقال لي : يا دكتور جئت لأسألك سؤالاً واحداً ، فقلت له تفضل.. فقال لي : كم تستطيعون أن تصمدوا اقتصادياً؟.. فقلت له سأجيبك على طريقة اليهودي الذي يجيب على السؤال بسؤال.. برأيك كم نستطيع أن نصمد نحن؟..
فصمت حوالي ثلاثين ثانية ، ثم أجاب أتصمدون لسنة؟..
فقلت له : – وكنا حينها في عام 2011 – كم صمد كاسترو في كوبا؟ فسكت.. فقلت له خمسون عاماً ، فقال نعم ، فقلت له : نحن مستعدون أن نصمد مئة عام.. فقال كيف؟ وعلى ماذا تبني هذا القول؟..
فقلت له نحن لدينا ، في هذا الشرق العربي، وخاصة الفلكلور السوري واللبناني ، أغنية شعبية تقول: ( طعميني خبز وزيتوني وتعشيني بطاطا ) وهذا بالنسبة لهم عشاء متواضع وفقير ، ثم قلت له هل تعلم بأنّ هذا العشاء كان لعشرات الملايين ، وهي تعتبر عشاء وغداء مترفا ، أن يأكلوا خبزاً وبطاطا ، هل تعلم أن آباءنا وأجدادنا كانوا يعيشون على الخبز ، وليس خبز القمح وإنما خبز الشعير . فنحن عندما نحاصر وتُشن الحروب علينا ، إلى درجة ( To be or not to be) .. في ذلك الحين نحن على استعداد أن نعيش على رغيف الخبز ، وليس فقط خبز القمح وإنما خبز الشعير ، كما كان آباؤنا وأجدادنا .. بل وكل منتجات هذه التكنولوجيا العصرية والحضارية ، نحن على استعداد لأن نستغني عنها ، وأن نعود مقاتلين ليس في الجبال فقط ، بل في الجبال والسهول ، وفي الروابي وفي المدن . وقد أثبت الشعب اليمني العظيم صحة ذلك ، - رغم أنه لم يكن قد تعرض لهذه الحرب وقت الحديث -.
والحمد لله نحن الآن غير مضطرين لأن نعود إلى ذلك ، وإنما أنا أذكره لك الآن ، لأننا كنّا م

ستعدين لأن نعود لو حدث ذلك ، ولكننا لن نعدم الوسيلة و نستطيع أن نوجد ونفتح خروقاتٍ وفتحاتٍ وفجواتٍ وثغراتٍ كثيرة في هذا الحصار الاقتصادي الخانق الموجود علينا ، ولكننا في الوقت نفسه لسنا عاجزين عن أن نجد الردود المناسبة على هذه التحديات ، التي ستظهر في حينها.

8 ▪︎ المقدم : الرد على هذه التحديات ، ربما يجب أن ينطلق أولاً من إرادة الشعوب ، وهذا ما أكد عليه كثيراً الرئيس السوري بشار الأسد ، وأستذكر من أحد اللقاءات مع الإعلام السوري حيث سألوه عن الشرق السوري ، وأجاب نحن نعوّل على إرادة الشعب وعلى المقاومة الشعبية ، فنحن اليوم كأنظمة نعول على أي شيء ينتج ثمرة إيجابية وعلى الشعوب أولاً وأخيراً ، فما هي رسالتك إلى شعوب المنطقة؟ وأخص بالذكر شعوب دول محور المقاومة؟
دعنا نتحدث عن إيران وعن ما يجري ، والعراق وعمّا يجري ، ولبنان وعمّا يجري؟ حيث أشرت سيادتك بأن السياسة الأمريكية اليوم تتبع سياسة التجويع والتفقير من الداخل ، والمحاصرة من الداخل لكي تنتفض هذه المكونات الشعبية على حكامها ؟ ولكن كما ندري الأهداف هي أبعد بكثير من مجرد مطالبات شعبية.. فاليوم هناك الكثير من المطالبات الشعبية تحرّف عن مسارها ، وهناك أيضاً أدوات إعلامية تعمل بجهد كبير على هذا الموضوع..
وأعلم بأن لك كتابات ومنصات على السوشيال ميديا، وعلمت مؤخراً أيضاً بأنهم حجبوا كتاباتك؟ ربما هذا الصوت أزعجهم وأقلق سريرتهم؟.

● ج 8 : د. بهجت : أتذكر دائما الفيلسوف العظيم ( ابن رشد ) الذي مزقوا له كتبه فبكى صديقه ، فقال له لماذا تبكي ؟ لا داعي للبكاء ، فإذا كنت تبكي لأنهم مزقوا الكتب.. فللأفكار أجنحة ، تستطيع أن تصل إلى حيث يجب أن تصل .. و أمّا إذا كنت تبكي حال العرب والمسلمين ، فلو بكيت بدموع تملأ البحار والمحيطات ، فلن تستفيد شيئاً.
و يُقال بأنّ الأحمق لا يتعلم من خطئه ، ولا من خطأ غيره .. وأن العاقل هو من يتعلم من أخطائه .. وأن الحكيم هو مَن يتعلم من أخطاء غيره..
وما حدث منذ نهاية عام 2010 وحتى اليوم ، يجب أن يكون درساً بليغاً ، وعبرةً حقيقيةً ، لجميع الشعوب العربية ، ولجميع الأنظمة العربية ، ولجميع النخب الفكرية والثقافية والمهنية والأكاديمية ، ولكن للأسف وكأن البعض ذاكرتهم قصيرة...
فما الذي حدث بالذي سمّي ربيع عربي؟ فالحقيقة هو ليس ربيعاً ولا عربياً ، وإنما هو إعصار صهيو - أمريكي ، بإدارة صهيو - أمريكية ، بتمويل أعرابي ، بأدوات محلية ، تعينها أدوات إسلامية متأسلمة ، مجلوبة ومستوردة من جميع بقاع العالم ، فهذا ما سمّي الربيع العربي.
وبالتالي سواء سمي ربيعاً أو ثورةً أو انتفاضةً أو حتى حراكاً ، فالنتيجة هي ما وصلنا إليه الآن.
نحن في منطقةٍ – لا بل العالم بأكمله وليس نحن فقط – هناك ما يمكن أن نسميه الحطب اليابس أو الهشيم ، القابل للاشتعال ، موجود في كل مكان في العالم ، فما هو هذا الحطب اليابس؟.. هو صعوبة تأمين الحياة المعيشية ، هو البطالة ، هو التضخم، هو التهميش ، هو القلق من المستقبل..
فهذه الهواجس موجودة لدى جميع شعوب العالم بدرجاتٍ متباينة ، بدليل المظاهرات التي تحدث في فرنسا ، إذا الهشيم موجود في كل مكان في العالم ، وهو بحاجة فقط إلى عود ثقاب لكي يشتعل ، وهذا هو الفرق بين ما حدث في سورية ، وبين ما حدث لدى الآخرين ، فعند الآخرين جاؤوا بصهاريج من الماء وأطفؤوا الهشيم عندما اشتعل ، أو عندما أشعلوه لغاية في نفس يعقوب . ولكن نحن بعد أن أشعلوا هذا الهشيم ، وهذا الحطب اليابس ، جاؤوا بعشرات آلاف صهاريج البنزين والمازوت وسكبوها عليه ، ولازالوا حتى الآن يصبونها عليه.
كان المطلوب أن يصلوا إلى قلب العروبة النابض ، وأن يصلوا إلى قلب الشرق ، وأن يصلوا إلى قلب هذا العالم ، الذي هو دمشق عاصمة الأسود ويستولوا عليها ، ولو وضعوا يدهم عليها وصادروا قرارها ، لانتهت القضية الفلسطينية ، ولانتهت القضية العربية، ولانتهت المقاومة ، ول أصبحت المنطقة بكاملها عبارة عن أجرامٍ تدور في الفلك الأمريكي وفي الفلك الإسرائيلي.
وبالتالي عندما خرجت أقسام لا بأس بها من الشعوب ، ورأوا ما ظنوه ماء وكان سراباً ، في نهاية عام 2010 ، وفي بداية عام 2011 ، خرجوا بموجب معاناة حقيقية ، نعم ، ولكن هذا الخروج بموجب معاناة حقيقية مسألة أيام ، لا شهور . ولكن جرى امتطاؤها وجرى ركوبها ، بشكلٍ أو بآخر ، ثم حوّلوها حقيقةً ، كما كانوا قد خططوا لها منذ زمن ، إلى ثوراتٍ ملونة ، والثورات الملونة كما تعلم هي صناعة وفبركات أمريكية وأوربية ، وبالتالي هذه الثورات الملونة هي ثورات مضادة ، الغاية منها أن ينتقلوا بنا ، من الثلاثيات الموجودة ، مثلاً في لبنان عندما يقال ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة ، وفي سورية عندما يقال ثلاثية الشعب والجيش والقائد الأسد . هم يريدون الانتقال بالمنطقة بكاملها ، سواء عبر الحرب العسكرية أو عبر الحرب الاقتصادية ، إلى ثلاثية أخرى، فما هي هذه الثلاثية؟؟.. هذه الثلاثية هي : ( التبعية سياسياً ، الريعية اقتصادياً

، المذهبية دينياً ) ، هذه هي الثلاثية التي يريدون إغراق المنطقة بها ، وبالتالي اذهبوا وتقاتلوا كما تشاؤون ، وحن نعمل حكماً بينكم ، ونصبّ الزيت مرةً ، ونصب الماء مرةً أخرى ، إلى أن يعاد تكوين هذه المنطقة بأجرام تدور في فلك إسرائيل.

9▪︎ المقدم : اليوم مطلوب شيء من هذه الشعوب؟.. والتنبه من هذه الأخطار المحدقة، فأنت قد ذكرت اليوم بأن هناك مطالب محقة لكثير من الشعوب ، وبالتالي يجب أن لا نعطي فرصة للطرف الآخر وهو العدو ( يروحني ويروح البلد) فهذا خطر حقيقي.. فما تعليقك؟.

● ج 9 : د. بهجت : المسألة ليست فقط مسألة الشعوب ، وإنما هناك مسألة النخب ، وبعدها مسألة الأنظمة السياسية.
فمسألة النخب الثقافية ، والنخب الفكرية ، والنخب المهنية ، والنخب الأكاديمية ، هذه النخب للأسف في منطقتنا العربية ، إن لم أقل معظمها ، فقسم كبير منها ، لم تكن في الموقع الصحيح ، فقد سيطرت عليها نرجسيتها المتورمة ، وانتهازيتها المتكتمة ، وبالتالي عملت لحسابها الشخصي ، وعلى حساب شعوبها ، وباعت نفسها لأعداء شعوبها في الخارج ، ووضعت نفسها في خدمته ، وبالتالي بدأت تنفث سمومها وتحرّض الشعوب في الداخل ، على الوقوف ضد أنظمتهم الوطنية ، وعلى الوقوف في خدمة أعدائهم في الخارج ، فهذه الرسالة للنخب الموجودة . فالنخب الوطنية يجب أن تعوّض بشكل أو بأخر هذا الفاقد وهذا الفراغ الموجود ، ولكن للأسف أقول بأنّ نخبنا الثقافية والفكرية العربية لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب ، وكانت دون المستوى المطلوب.
في معظم دول العالم ، في والحروب والأزمات والمصاعب ، تتحول النخب إلى طليعة تقود شعوبها ، وتكون قدوةً لها ، وتضحي بنفسها ، وتكون في المقدمة ، بينما ما حدث لدينا أنهم يحرضون ، أنهم يهوشون ، أنهم يستغلون نقاط الضعف ، وكأنهم يدعون الناس إلى حالة فوضى ، وهم ينسون أنّ الفوضى ، هي أسوأ من أسوأ أنواع الديكتاتورية في العالم ، وطبعاً هم جاؤوا بالفوضى من عند أسيادهم الأمريكان ، الذين يتحدثون عن الفوضى الخلاقة ، وكأنّ هناك فوضى خلاّقة في العالم!!.. (Creative chaos ) فهي خلاّقة لهم وليست خلاّقة للشعوب ، فهي خلاّقة لهم عندما تدمرنا نحن.
إذاً يجب على هذه النخب أن تتخلى عن نرجسيتها ، وأن ترتقي بوجدانها وعقلها إلى مستوى التحديات الموجودة ، ويجب أن تقتدي بالنخب الأوربية ، وبالنخب الروسية ، التي كانت نموذجا يحتذى في الحروب العظمى والحروب الأهلية التي حدثت ، وأن يكونوا طليعة شعوبهم، وهذا ما لم يحدث.
والمسألة الثالثة نتعلق بالأنظمة السياسية الحاكمة بدون استثناء ، من المشرق إلى المغرب ، ومن الشمال إلى الجنوب ، صار من الواجب عليها أن تعرف أن العالم قد تغير ،

والمسألة الثالثة هي في الأنظمة السياسية الحاكمة بدون استثناء ، من المشرق إلى المغرب ، ومن الشمال إلى الجنوب ، صار من الواجب عليها أن تعرف أن العالم قد تغير ، وبأنّ هذه المبتكرات التكنولوجية الحديثة جداً ، وخاصةً في عالم الاتصال والتواصل ، لم تعد تسمح للأنظمة السياسية ، أن تحكم شعوبها بالطريقة السابقة التي كانت تحكمها بها ، وأنّ عليها بشكل أو بآخر أن تجترح صيغاً سياسيةً جديدةً ، هذه الصيغ تكون كفيلة ، بأن تجتذب وأن تشد إليها القسم الأكبر من أبناء شعوبها ، والطاقات الخلاّقة والفاعلة ، ومن النخب الموجودة ، بما فيها النخب السياسية ، ليس على النمط القديم الآلي الأوتوماتيكي ، وإنما على النمط التفاعلي الجديد ، الذي فرضته هذه المبتكرات التكنولوجية الحديثة في عالمي الاتصال والتواصل ، هذه هي نصيحتي لهذه الجهات الثلاثة.

10▪︎ المقدم : سؤالي الأخير اللواء الدكتور بهجت سليمان ، الآن بعد استعراض ما يجري في سورية ، من هذه الأدوات التي تستخدم ، وخاصة أدوات الإرهاب الاقتصادي ، ومع ما يجري في لبنان والعراق وإيران ، وكل دول الإقليم ، كيف لك أن تستقرئ ملامح مرحلة مستقبلية ، وهذه المرحلة تراعي ضرورة أن تتنبه هذه الشعوب للمخاطر التي تحيط بإرادتهم.. نعم توجد مطالب معيشية ومحقة ولكنها سيست وأخذت إلى غير مكانها ، واليوم يتم الاشتغال على أداوت أخرى ، وهي ليست أقل خطورة ، فما ملامح المرحلة القادمة ، التي تبنى على التنبه على هذه الأخطار ؟.
أين ترى سورية ؟
أين ترى حلفاء سورية؟
وهل هناك خطر كبير جداً يحيط بدول الإقليم ؟
أم لا ، إذا حافظنا على مكتسبات الانتصار واستفدنا من مفاعيل الانتصار ، فهل باستطاعتنا أن نحقق الانتصار النهائي؟.

10▪︎ ج : د. بهجت : أنا مطمئن وواثق بأنه ليس هناك خطر وجودي على محور المقاومة والممانعة ، رغم كل ما يحصل، لكن الحرب مستمرة ، وتأخذ أشكالاً أخرى متباينة ، بين شهرٍ وآخر ، وبين عام إلى آخر ، وبين عقد وآخر .
ولكننا سننتصر في كل هذه الحروب ، ولكننا لن ننتصر بدون أثمان غالية ، وبالتالي فالحرب الاقتصادية والمالية والنقدية والمعاشية الموجودة علينا وعلى إيران وعلى لبنان وفي اليمن وفي العراق وفي فلسطين ، مشكلة مَن يسمون أنفسهم النخب الجديدة الفيسبوكية أو غيرها ، هي لا ترى إلا الجانب السلبي ، وتحاول إظهار السلبيات الموجودة ، التي هي بعض تداعيات هذه الحرب الكونية التي علينا ، ثم يفصلونها عن هذه الحرب الكونية التي تسببت بها ، ولا يرون الأسباب وإنما يرون النتائج فقط.
فحقيقة الأمر إذا كنّا موضوعيين ومنطقيين وعادلين ، علينا أن نقول بأن سبب ما نعيشه : 90% منه هو بسبب الحرب الكونية علينا ، التي قام بها الأمريكيون والأوربيون والإسرائيليون والأتراك و الأعراب ومن لف لفهم .. فهؤلاء مسؤولون عن 90% مما نعانيه ، فسورية اليوم بلد صناعته قسم كبير منها مدمّر ، زراعته قسم كبير منها مدمّر ، سياحة لا يوجد ، نفط لا يوجد ، الغاز قسم كبير منه مدمّر ..فإذا كان لا يوجد موارد ، ونريد من الدولة أن تخرج الزير من البير !!
هناك 10% أنا اعترف بأنها تقصير حكومي ، وتقصير إداري . ومن حق المواطنين السوريين والمواطنين اللبنانيين – طبعا الوضع في لبنان مختلف .. فأنا أحمل النظام السياسي هناك القسم الأكبر من اامسؤولية - ، ..
أما هنا فعلى الجهات الإدارية والحكومية أن تضاعف جهدها أكثر ، وعليها أن تتواصل مع مواطنيها أكثر ، وعليها بأن تكون شفافة أكثر ، وعليها أن تقتدي بالرئيس بشار الأسد ، الذي لا يخفي شيئاً عن مواطنيه ، ويقول لهم بشكل دائم الواقع كما هو ، وبدون تجميل أو تزويق .
هم يهربون من مواجهة المواطنين ، تحت حجة بأن ليس لديهم جواب ، لكن يجب عليهم أن يشرحوا الواقع للمواطنين ، فمواطننا واع وهو على استعداد أن يعود كما قلنا للخبزة والزيتونة ، لكن على أن تكون واضحاً ، وصادقاً وصريحاً وشفافاً معهم ..
ولكن هذا لايعني أن يفسح المجال تحت أيّ عنوان ، لا للخبثاء ، ولا للعملاء ، ولا للبلهاء ، أن يصطادوا في الماء العكر ، ولا أن يؤلبوا الناس ولا أن يهوشوا الناس ، لأن هذا التهويش هو عملية استعادة لماض قريب ، وهذا الماضي لا زال قائماً ، وآثاره موجودة ..
فإلى أين قادت مثل هذه الأمور ؟! .. لم تقد إلا إلى خراب المنطقة ، وبالتالي عليهم أن يأخذوا دروساً وعبرا .. فالإنسان يُعْمِل عقله ، ومن لا يُعْمِل عقله ، ليس جديراً بأن يسمّى إنساناً.

11▪︎ المقدم : بدقيقة سعادة السفير . أنا عندما كنت أستشهد بما قاله سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في هذا الحوار لمرتين ، فقلت أنت ( نحن بنتعلم منو ).. فما هي رسالتك للسيد حسن نصر الله؟.

11▪︎ ج : د. بهجت : ماذا يمكن أن تعطي رسالة لسيّد المقاومة ، في هذا العصر ؟ .. كل ما أقوله له ، أنه أطال الله في عمره وحفظه نبراساً وعلماً لهذه الأمة ، ولهذا الوطن ، ولهذه المنظومة .. وبالتالي باستمرار هذا الثنائي الحقيقي ، أسد الشام وسيّد المقاومة ، بشكل خاص

في هذه المنطقة العربية ، أنا متأكد بأنّ النصر هو قادمٌ ، حكماً وحتماً.

○ المقدم : دعني أشكرك سعادة السفير جزيل الشكر لهذه الاستضافة ، ولتخصيصك لوقتك لنا ، ولكل هذه المعلومات ، ولكل هذه الإسقاطات ، وللاستقراءات ، ولرسالتك الأخيرة طبعاً.

● د. بهجت: شكراً لكم.

عدد الزيارات
11203669

Please publish modules in offcanvas position.