شخصيّة من طرطوس.. المحامي النهضوي محمود يونس: هكذا ناضلنا

أُبي حسن- فينكس- طرطوس

لا يتوفر وصف.تمهيد

يروي لي والدي الذي عاش يتيم الأب مذ كان في الثالثة من عمره, فيما لم يكن شقيقه الأكبر يتجاوز الست سنوات, أن الأستاذ محمود يونس علّمه و شقيقه (الأكبر) في المرحلة الإعدادية, عام 1957, في مدرسته الخاصّة "الثورة" في بلدة "الشيخ بدر" بقسط ميسّر, فلم يأخذ منهما سوى قسط طالب واحد.

كما يروي لي, فيقول: "عندما نجحت في الثالث الإعدادي, في مدرسة الثورة, و كان ذلك آواخر خمسينات القرن الماضي, قصدتُ الثانوية الزراعية في بوقا باللاذقية بغية التسجيل فيها, لأجد أن التسجيل انتهى, كما كان قد انتهى في الثانوية العامة. ما شكّل احباطاً كبيراً لديّ, و لم يكن في ذلك الزمن حولي من أستعين به أو أستأنس برأيه كي أعرف ما يجب عليّ فعله؟ كما كانت بيئتي المحيطة تفتقد لمن بوسعه التوجيه في هكذا أمور"

فيما كانت حالة الوالد على هذا النحو, و هو في القرية المثقلة بالفقر و الجهل و الأمل نحو غد أفضل, إذ بالأستاذ محمود يونس يصادفه و هو في طريقه إلى قريته (بريصين) في قضاء الشيخ بدر, فيقف عنده ليسأله ماذا سجّل بعد الثالث الاعدادي, فيخبره بما جرى معه و عما يعانيه من إحباط, فيشير عليه الأستاذ محمود, الذهاب إلى مدير التربية (كانت طرطوس تتبع لمحافظة اللاذقية) و يقصّ عليه ما جرى معه, و هو (أي مدير التربية) سيتصرف بما يُرضي الطالب. و فعلاً كان ذلك, و كان مدير التربية (الأستاذ عز الدين العطّار) متعاوناً مع الطالب الذي طرق بابه, إذ طلب من والدي أن يقدّم له طلباً يشرح فيه وضعه و بذلك سجّل في الثانوية, و من ثمّ تغيّر مجرى حياته.

و قبل الغوص في الحديث عن الأستاذ محمود يونس, ذلك النهضوي الذي ناضل و ما زال, في سبيل رفعة الإنسان و كرامته, لا بأس أن نلقي لمحة على حال المدارس في طرطوس (أو بعضها) في هاتيك الفترة.

كانت طرطوس و ريفها تفتقران للمدارس الإعدادية و الثانوية في أربعينات و حتى خمسينات القرن الماضي, خاصّة المدارس الحكومية التي يمكن أن نذكر منها مدرسة "بني طرطوس" (مصطفى خلوف لاحقاً) و قد تأسست عام 1943, فيما يمكن أن نذكر من المدارس الخاصة, المدرسة المحمدية في نهر الخوابي قرية بيت ديبة قرب خربة الفرس, و التي يعود تاريخ البدء في بنائها إلى عام 1923 و استغرق ست سنوات, غير أن افتتاحها طال حتى عام 1941 لأسباب لا يتسع المجال لذكرها, كما كانت ثمة مدارس خاصّة كـ"ابن خلدون" التي افتتحها المناضل الشيوعي دانيال نعمة عام 1947 في مشتى الحلو, و مدرسة "حزور" للسوريين القوميين سنة 1950 أيضاً في مشتى الحلو, و كذلك مدرسة لطف الله الحموي (و كان غالبية طلّابها من الشيوعيين) في بلدة السودا, و أخرى في البلدة ذاتها باسم "النظام الجديد" و كانت للسوريين القوميين, و مديرها الأستاذ الراحل عيسى الحموي.

و كانت قد شهدت, مطلع القرن الماضي, بعض بقاع منطقة طرطوس بضعة مدارس ابتدائية خاصة, أسسها و أشرف عليها رجال دين, كتلك التي أنشأها الشيخ صالح العلي و الشيخ حسين حرفوش (المقرمدة) في قرية برمانة المشايخ, أو تلك التي أسسها جابر العباس في قرية الطليعي, و تلك التي عرفتها "عنازة بانياس" و كان من مدرّسيها العلّامة الشيخ سليمان الأحمد و الشيخ علي عباس بحوزة. و طبعاً لم يكن بمقدور الفقراء و هم الغالبية الساحقة من المجتمع التعلّم في هاتيك المدارس.

من صميم ذلك الواقع غير المرضي, أتى جيل يحمل أفكاراً تنويرية و نهضوية آمن بالتغيير سبيلاً نحو الأفضل, و من هذا الجيل برز المحامي التنويري محمود يونس الذي يقف فينكس عنده.

 

محمود يونس.. النشأة, و التعلّم, و الانتساب إلى البعث.. و باكورة النضال

هو المحامي محمود يونس يوسف, لكن شهرته التي عُرف بها هي "الأستاذ محمود يونس". يخبرنا, و نحن نجلس في مكتبه بمدينة طرطوس, أنّه عندما كان في الصف الخامس الابتدائي كان يتحدّث في الوحدة العربية, و كانت تتملكّه رغبة النشاط في الشأن العام. و مما يتذكّره عن والده الذي كان يتبادل و الشيخ صالح العلي الودّ و الاحترام (دون أن تكون علاقتهما مميزة), أنّه طارد, هو وسليم شاويش و آخرون, قائداً فرنسياً يُدعى "رساك" من الشيخ بدر حتى الدريكيش, و باعتبار أن الأب كان معروفاً في المنطقة فقد زغردت له النسوة فرحاً, و هتفن باسمه, ما أدى إلى معرفة "رساك" بهويّة مُطارده, فشكاه إلى زعيم العشيرة (ج. ع), و انتهى الأمر بسجن الأب 90 يوماً في سجن الشيخ بدر مع أشغال شاقة, فافتداه آهالي قريته (بريصين) بمئة ليرة عثمانية و 25 بندقية. هذه الفدية اعتبرها الأب ديناً عليه على آهالي قريته, و هو سبب أدى إلى فقره.

يقول الأستاذ لفينكس: "وُلدت ونشأت, ترجيحاً 1931, في بيئة فقيرة في قرية (بريصين) التابعة للشيخ بدر, جُعت في صغري, و تركت المدرسة في الصف الثالث الإبتدائي, و من ثمّ قمت برعي الأبقار, و لمدة عام, لأسرتين في القرية, بغية تأمين ثمن الكتب و لوازم المدرسة. نلتُ الشهادة الابتدائية من مدرسة "الشيخ بدر" التي كان فيها معلّماً اسمه يوسف محمد غانم سلمان, و هذا المعلّم (رحمه الله) لعب دوراً كبيراً في تعليمنا و تأهيلنا و تفوقنا".

و عندما نعرج على تعلّمه في الإعدادية يقول: "فيما كنتُ أسجّل في الإعدادية ("بني طرطوس" في مدينة طرطوس) عام 1947, قابلت شخصاً بالمصادفة, رأى علاماتي و تفوقي, فقال لي إنّه وفق هذه العلامات يحق لي كرسيّاً مجانياً في مدرسة جول جمال باللاذقية, و طعامي و منامتي على نفقة المدرسة, فطلبت منه أن يتصرّف, و إن تمّ الأمر فله عندي فروجاً, و بعد شهر أتاني كتاب من ثانوية جول جمال مفاده أنّي مقبول فيها. في هذه المدرسة تعرّفت على الدكتور وهيب الغانم, و بالرغم من صغر سني كنتُ أجلس و إياه ساعات طوال, و على يديه انتسبتُ إلى حزب البعث و أقسمتُ اليمين عنده في العيادة عام 1947". أستطردُ هنا بغية القول إن ذلك البعثي الذي آمن بالبعث و تشرّب أفكاره هو ذاته البعثي (الوحيد ربما) الذي سيرفض حلّ حزب البعث لأجل تحقيق الوحدة, و ذلك في اجتماع حزبي في طرطوس عام 1958, و عندما أسألهُ عن السبب, يجيبني: "لإن الوحدة من دون حزب ثوري لا يمكن أن تنجح أو تستمر".

و حول ذكرياته عن مدرسة "جول جمال" يقول: "على حداثة سنّي سلّموني مكتبة الثانوية, و كنتُ أجلس فيها ساعات طوال ملتهماً الكتب التي فيها قراءة و مطالعة, و كنّا نخرج في مظاهرات وطنية و قومية تعكس الحراك الذي كان سائداً في هاتيك الفترة؛ و خطبتُ ارتجالياً, في إحدى المظاهرات, في نحو ألف طالب".

و بحسب ذاكرته المتوقّدة, فقد كان من زملائه في تلك المدرسة الدكتور ابراهيم ماخوس وزير خارجية أسبق لسوريا, و الرئيس الراحل حافظ الأسد, و علي أحمد سعيد اسبر (أدونيس), و عبد الله بنشي, و علي عنتر, و محمد عجيل, و عبد الله عجيل, و أسعد صقر (من قرية البودي بريف جبلة) الذي كان قائد الحركة الطلابية في ذلك العام.

و عن علاقته بزملائه المذكورين أعلاه في ثانوية جول جمال, يقول: "كانوا أكبر مني سنّاً, إذ كانوا هم في المرحلة الثانوية فيما كنتُ أنا في المرحلة الاعدادية, مع ذلك كانت علاقتي جيدة مع ابراهيم ماخوس و حافظ الأسد و أسعد صقر, أما مع علي أحمد سعيد اسبر (أدونيس, لاحقاً) فقد كانت أقل من عادية.

يتابع الأستاذ: "عندما نجحتُ و نلتُ الشهادة الإعدادية, فكرتُ – ونظراً للحالة المادية- الانتساب إلى دار المعلمين, بيد أن الدكتور وهيب الغانم مع اثنين ممن درّسوني (هما: أستاذ مادة الجغرافية مسعود الغانم شقيق الدكتور وهيب, و أستاذ مادة التاريخ أحمد ابراهيم العبد الله من قرية عين اللبن بريف اللاذقية) قالوا لي: "إن مستقبلك زعيم شعبي, و لذا يجب عليك أن تدرس جامعة, و خاصة الحقوق", و على ضوء ذلك, صاروا يرسلون لي, شهرياً, إلى طرطوس 25 ليرة سوريّة. و هنا من الجدير القول إنّهم كانوا يحترمون مواقفي التي عرفوها خلال مرحلتي الدراسية هناك".

يضيف الأستاذ محمود: "على ضوء ذلك النشاط في ذلك الزمن (مطلع خمسينات القرن الماضي), سبقتني سمعتي إلى طرطوس و أقضيتها, مما دفع بالدكتور زكي مهنا (طبيب من جبلة, افتتح عيادة في طرطوس أواخر أربعينات القرن الماضي) على إعطائي غرفة مجاورة لعيادته و مجاناً, و كان أخي سليم يدرس المرحلة الإعدادية فينام عندي. كان لي نشاطي في المدينة و الريف –ريف الشيخ بدر بالدرجة الأولى- لذلك كنّا ندخل بيوت جميع الناس بلا استثناء, و كذلك القرى في بقية الريف, و نشارك الناس أفراحهم و أتراحهم.

على خلفية زياراتي لقرى الشيخ بدر و معرفتي بهموم الفلاحين و مشاكلهم و فهمي العميق للغتهم و إدراكي لمعاناتهم و نيلي لثقتهم, حاربنا إساءة الدرك للفلاحين و ناهضنا طريقة تعامله معهم, كما قاومنا و بقوة ظلم شركة الريجي لعدم وطنيتها و لاستغلالها أتعاب الفلاحين, و واجهنا جشعها."

ذلك النشاط لم يكن حكراً على الأستاذ محمود وحده, فقد كان معه أصدقاء و رفاق يصرّ على ذكر أسمائهم احتراماً لهم و لجهودهم في تلك المرحلة, منهم بحسب إسعافات ذاكرته: المرحوم المهندس (لاحقاً) أحمد سليمان شاهين (بريصين), و المرحوم محمد عمار (الجباب), و المرحوم محمد حسن (الجباب), و المرحوم الشيخ علي عبد الحميد محرز (النمرية), و المرحوم علي محمد عباس (الأندروسة), و محمد علي محمد الملقب بمحمد زنوب, و أبو عز الدين - ابراهيم ديوب (مزرعة حميصية) و المرحوم يوسف محمد عباس (الأندروسة), و المرحوم المدرّس (لاحقاً) آصف غانم سلمان (المريقب), و المحامي (لاحقاً) محمد هاشم علي, و المرحوم محمد حبيب اسكاف, و المرحوم سليم محمد يوسف (بريصين), و المعلّم (لاحقاً) محمد عبد الحميد صبح (بوردة), و شقيقه علي الذي كان ينظم شعراً حماسياً (تمّ تكريمه منذ بضع سنوات من قبل وزارة الثقافة).

يتذكّر الأستاذ محمود حادثة عن الريجي و ظلمها, فيفيدنا بالقول: "عام 1953 كنت في مدينة طرطوس, فأتى من يخبرني أنّ قرية الفندارة (قضاء الشيخ بدر) ستقدّم صباح ثاني يوم محصولها من (الدخّان) التبغ إلى موظّفي الريجي في الشيخ بدر, و بوصفنا نشطاء كنّا نطالب الفلاحين و نحثّهم على مقاطعة لجان الشراء حتّى تعدّل الشركة (الريجي) أسعارها؛ فذهبت من طرطوس الساعة الثامنة مساء قاصداً قرية الفندارة التي وصلتها فجراً, و أقنعت الفلاحين بعدم تسليم محصولهم إلى أن تعدّل الشركة أسعارها, و حضرتُ عملية التسليم, لأنّي كنتُ أدرك أن موظفي تلك الشركة يهابونني, و بحضوري لن يبخسوا الفلاحين حقهم, و كان مجرد جلوسي بجانب الخبير أن زاد سعر كيلو التبغ الواحد نسبة 20 بالمئة".

و من جوانب نشاطه النهضوي مطلع خمسينات القرن الماضي أن اتفق هو و المحامي محمد حسن العلي (من قرية برمانة المشايخ) على انشاء مدرسة اعدادية في قرية "برمانة المشايخ", على أن يتكفّل محمد حسن العلي بالترخيص فيما هو يتحمّل هو أعباء الإدارة, وفعلاً أسسا المدرسة و كان اسمها مدرسة "عمار بن ياسر". كان ذلك في عهد الرئيس أديب الشيشكلي, لكن لم يتمكّن محمد حسن العلي من ترخيصها, وبالآتي, وفق ذاكرة الأستاذ محمود: "أزعجتنا الشرطة كثيراً, و أذكر أنّي كنتُ أذهب مشياً على الأقدام من قرية الشيخ بدر إلى قرية برمانة المشايخ (نحو 10كم) ليلاً و تحت الثلج.. لم تكن المواصلات متوفرة.. كنت حينذاك مسؤولاً عن المدرسة".

بعد نحو العام سيترك مدرسة "عمار بن ياسر" لأحد رفاقه, عاقداً العزم انشاء مدرسة في "الشيخ بدر", و هو لا يملك ربع ليرة. و مع ذلك, كما يقول لنا: "أحدثتُ المدرسة عام 1953م (كان اسمها مدرسة الثورة), و كنتُ في الوقت نفسه طالباً في الجامعة, و أذكر أنّي عانيت الكثير في بداية دراستي الجامعية, فمثلاً بقيتُ ثلاثة أيام متواصلة دون طعام, و خمسة و عشرين يوماً دون وجبة عشاء, كنتُ أتشارك هذا الجوع مع زميلي منير عبد الله (محامي و مناضل من قرى بانياس).

و يضيف: "تعرّفت في الجامعة على مجموعة من الطلّاب الأردنيين, فأتيت ببعضهم كمدرسين إلى مدرستي (الثورة), و الحقيقة كانوا مميزين في التدريس, كما استقدمت مدرّساً للرياضيات من مدينة سلمية, و وصل عدد الطلّاب فيها إلى نحو 300 طالب".

تلك المدرسة سيدرس فيها الروائي السوري عبد الكريم ناصيف (ابن قرية المبعوجة قرب سلمية, فيما جذوره من بريصين), و من ثمّ سيصبح فيها مدرّساً لمادة اللغة الانكليزية قبل أن يلتحق بالكليّة العسكرية مطلع ستينات القرن الماضي, و يصبح ضابطاً, قبل تفرغه الكلي للأدب أواسط سبعينات القرن المنصرم.

 

مهرجان الشيخ بدر و فكرة العمل الشعبي

شهدت مرحلة خمسينات القرن الماضي, حراكاً كبيراً في سورياً, و ليس من قبيل المبالغة القول, إن تلك المرحلة, بالرغم مما شهدته من ديكتاتوريات متقطّعة, و على الرغم من وجود اقطاع متوحّش, غير أنّها كانت المرحلة الذهبية للحراك في المجتمع السوري الفتي. و من ضمن ذاك النشاط المجتمعي ما كان يقوم به الأستاذ محمود يونس الذي يحدثنا:

"كنّا نحيي المهرجانات الوطنية و القومية و ندعو إليها الأهالي باعتبارهم هم المادة المعنية بأهداف المهرجانات, و في هذه المهرجانات اقترحنا فكرة العمل الشعبي, فبدأنا بإعادة تأهيل الطريق الذي يربط الساحل (طرطوس) بوادي العيون.. كانت كلّ قرية تقوم بالعمل في منطقتها, و بذلك أنهينا هذا الطريق, و اقتصر دور الدولة على تقديم الاسفلت و المدحلة فقط. و أذكر أننا عندما قمنا بشق طريق (الوردية- الدبيبية- بيت ملحم) أننا استطعنا في يوم واحد تقديم ثلاثة آلاف مواطن متطوع للعمل في الطريق, و يومذاك شاركنا قائد المنطقة الساحلية (في اللاذقية) في العمل. و العدد ذاته من المتطوعين جمعناه أثناء حفرنا للسواقي بغية تمديد قساطل المياه فيها في حي الرمل في مدينة طرطوس, و هو حي كان يفتقد لمياه الشفة, أنجزنا عملية الحفر خلال خمس ساعات, قمنا بعدها بمسيرة بالفؤوس و الرفوش من حي الرمل إلى مكتب الحرس القومي الذي كان مقرّه في حي المينا (الحرس القومي, كان تنظيماً شبه عسكري, بعد ثورة 8 أذار 1963, خاص بالبعثيين, و لم يطل به الأمر حتى التغى).

و عندما نتطرق إلى مهرجان الشيخ بدر عام 1956 (مهرجان للفلاحين), يؤكّد أن عدد الحضور فيه بلغ قرابة الخمسين ألف مواطن و ناشط و مثقف أتوا من جميع المحافظات السورية و غالبية قراها, كما حضره 15 نائباً بعثياً أغلبهم من حماه. هذا المهرجان الذي سيتحدّث عنه مطوّلاً الكاتب الفلسطيني الراحل "حمدان حمدان" في كتابه "أكرم الحوراني.. رجل للتاريخ", و كما أفادني حمدان حمدان أنّه استقى معلوماته عن ذلك المهرجان من منذر موصللي, الذي كان مدير ناحية الشيخ بدر سنتذاك, و نسب لنفسه زوراً و بهتاناً بطولة تنظيم ذلك المهرجان, و هو بذلك ضلل حمدان حمدان الذي عبّر لي عن انزعاجه (و كنّا نجلس في مقهى الروضة بدمشق عام 2002) عندما أخبرته بأن منذر موصللي ليس صادقاً فيما نسبه لنفسه من دور كما أتى في كتابه عن الأستاذ الحوراني.

أياً يكن الأمر, أسأل الأستاذ محمود إن كان الأستاذ أكرم الحوراني قد حضر المهرجان, فيفيدني بأنّه لم يحضره لأسباب أمنية ارتأها حزب البعث و القائمون على المهرجان, لكنهم أشاعوا أنّه سيحضر, غير أنّ شخصيّات عربية من الأردن و من لبنان و العراق حضرته, و يتابع الأستاذ قائلاً: "أذكر أن الشاعر العراقي علي الحلّي ألقى قصيدة فيه, و كذلك فعل الشاعر نديم محمد إذ ألقى قصيدته الفلّاح, كما خطب في المهرجان الدكتور وهيب الغانم, و الأستاذ عبد الكريم زهور من حماه, و محمد الخيّر, و الشاعر نجم الدين الصالح, و الأستاذ عبد الهادي عباس".

يضيف الأستاذ محمود قائلاً: "هذه النشاطات بمجملها انعكست ايجاباً على الحزب (حزب البعث), خاصّة في طرطوس من بحرها إلى سهلها و جبلها. قبالة ذلك كنتُ أُدعى لحضور مهرجانات في مختلف أنحاء القطر منها "الشريعة" في ريف حماه.. أذكر أنّهم في الشريعة أرادوا حمل الأستاذ أكرم الحوراني, فرفض قائلاً للجماهير: اتركوني رجاء, فمكان القائد المناضل هو أمام الشعب و ليس فوق أعناقه", لعل هذه الحادثة تُذكّرنا بحملهم لسيارة أكرم الحوراني في قرية قارة بريف دمشق, خلال زيارة الرئيس جمال عبد الناصر للإقليم الشمالي في شباط عام 1959, إذ انقطع بهما الطريق في قارة بسبب الثلج, فباتا (عبد الناصر و الحوراني) عند وجيهها عبد الحليم قدور.

و بالعودة إلى نضال الأستاذ محمود و نشاطه في خمسينات القرن الماضي, يقول: "عندما كنتُ طالباً في الإعدادية, في ثانوية الشهيد جول جمال, أرسلني الدكتور وهيب الغانم إلى لبنان لمساعدة الدكتور عبد المجيد الرافعي في الانتخابات فيها, و لا أذكر إن كان قد نجح الدكتور الرافعي في تلك الانتخابات أم لا, لكنه نجح في انتخابات لاحقة على الأقل نظراً للخدمات التي كان يقدّمها مجاناً و بطيب خاطر للفقراء و المحتاجين, فكان من الطبيعي أن ينتخبوه.. ذات مرة نال أصواتاً في الانتخابات النيابية التي جرت في طرابلس أكثر مما نال رشيد كرامي.. كما أرسلني الدكتور وهيب إلى حمص لمساعدة أحمد الحاج يونس في الانتخابات النيابية, و نجح و هو عامل في مطحنة".

و في سياق المساعدة في الانتخابات النيابية, سبق أن رشّح المحامي محمد حسن العلي (سبق ذكر اسمه) نفسه للانتخابات في فترة الانفصال عن بانياس, و قد جال الأستاذ محمود جميع قرى بانياس, تساعده الفرق الحزبية البعثية في القرى, و بقي يجوب القرى ابتداء بالشيخ بدر مروراً بالقدموس وصولاً إلى عنازة بانياس مدة 45 يوماً لأجل دعم صديقه الذي نجح في تلك الانتخابات بفارق صوت واحد. فيما غطى صديقه  منير العبد الله منطقة ساحل بانياس دعماً لرفيقهما محمد علي حسن, و عندما فاز الأخير في الانتخابات, قام العبد الله بمظاهرة في بانياس ابتهاجاً بالحدث المنطوي على فوز رفيقهما. 

 لا يتوفر وصف.

وأد الفتنة من خلال الاستعانة بالوجهاء والاحتكام إلى القضاء

قبل تاريخ الثامن من آذار 1963 بنحو العام أو أقل, حدث سوء تصرّف يمسّ الشرف بين شخص من إحدى مكونّات محافظة طرطوس (و كان سائقاً على مدحلة) و بين أخوة شبان من إحدى القرى المنتمية لمكوّن مذهبي آخر, و كان البادئ بالاساءة (سائق المدحلة), و تطور الأمر إلى أن انتهى بقتل سائق المدحلة, و تم رمي جثته في قرية الأندروسة في "الشيخ بدر".. باتت القرية الآن من صلب مدينة الشيخ بدر. الأمر الذي كاد ينتج عنه فتنة لا تبقي و لاتذر بين مكوّنات قرى ريف الشيخ بدر.

و كان للأستاذ محمود يونس الدور الرئيس في وأد الفتنة, و حول هذا الموضوع يحدّثنا قائلاً: "قبل الثورة (يقصد 8 آذار 1963) كنت متجهاً إلى الشيخ بدر حيث صادفتُ نحو 200 شخص من الشيخ بدر و المريقب متجهين بفؤوسهم و مناجلهم نحو القرية التي يعتبرونها قتلت "الشخص" المسيء و رمت بجثته في "الأندروسة" المجاورة لهم. فأوقفتهم و استفهمت منهم عن الأمر, و عندما عرفت حيثيات القصة منهم, طلبت منهم العودة, على أن أتصرف أنا, فكان أن تواصلت مع (محمد حسين- أبو غاندي, من قرية خربة الفرس) و هو محامي محترم و وجيه معتبر في قومه, و على هذا الأساس جمعنا نحو مائة وجيه من كل طرف و معنا مدير منطقة طرطوس و اجتمعنا في المدرسة الابتدائية في "الشيخ بدر", جلس عن يميني مدير المنطقة و عن يساري "أبو غاندي", و بدأت حديثي قائلاً: تجمعنا المودة و العروبة, و عشنا دوماً مع بعضنا دون منغصات, و ما يجمعنا أضعاف ما يفرقنا, و اثنان منّا أخطأا, لا يعني أن يسمح لنا خطأهما أن نحارب بعضنا.. و تركت الحديث للآخرين كي يقول كل شخصّ من المجتمعين ما يريد قوله. و في الختام عاد الحديث لي, فاختتمت بالقول: الطرفان من الأقليّات, و ما يجمع هذه الأقليّات هو العروبة, و يفترض أن تكون هذه الأطراف مع بعضها و ليس ضد بعضها, فالنظام القبلي و العشائري انتهى, لذلك الحلّ الأمثّل لهذه المشكلة هو اللجوء إلى القضاء, و عرضت اقتراحي على التصويت, فنال موافقة 90 بالمئة من الحضور".

و يضيف الأستاذ محمود: "و بعد هذه الحادثة أصبحت أكثر حرصاً على حضور مناسباتهم و دعوتهم لحضور مناسباتنا, خاصّة في الأفراح و الأتراح, و لم أكن أذهب وحدي, بل كنت –غالباً- أصطحب وفداً تعبيراً عن الاحترام لهم من جهة, و تعليماً للبسطاء من الناس على المودة و المحبة و التواصل مع الآخرين من جهة أخرى؛ و الأهم أنّه منذ ذلك التاريخ حتّى اللحظة لم تحدث أية شائبة في العلاقات بين ذينك المكونين, بل باتت العلاقات بينهما مُرضية, لا بل و مثالية إلى حدّ كبير".

 

السفر إلى امريكا اللاتينية على خلفية حرب 1967 و فقدان إحدى الشيكات..

على خلفية هزيمة حزيران 1967, كلّفت القيادة السياسية في الوطن, الأستاذ محمود يونس برئاسة وفد اعلامي  للسفر إلى بعض دول امريكا اللاتينية بغية مقابلة أبناء الجالية السورية و العربية من جهة, و بغرض الاجتماع مع الأحزاب اليسارية التي كانت ناشطة هاتيك الفترة في دول القارة السمراء من جهة أخرى, و شرح القضية الوطنية السورية.

و في هذا الصدد يقول الأستاذ: "سافرنا إلى الأرجنتين والبرازيل و ترينداد و وجزر المارتينيك, و تشيلي و فنزويلا, و الاكوادور, بصفتنا وفداً إعلامياً, مهمتنا شرح القضية الوطنية للأحزاب اليسارية و للفعاليات و الجمعيات العربية هناك, على خلفية حرب حزيران 67, اجتمعنا بنحو 3500 شخص في النادي اللبناني السوري في البرازيل, و بنحو 2500 شخص في بيونس أيرس بالارجنتين, حيث كان الحزب البيروني المعارض هناك يتمتّع بشعبية طاغية, و أذكر أن السفير الجزائري هناك حضر لقاءنا و دعانا ثاني يوم على الغداء, و حسب ما أذكر أن السفير السوري لم يحضر ذلك اللقاء.. في إحدى خطاباتي هناك أتذكّر أن الجالسين في الصف الأوّل بكوا". .

و يضيف: "أتينا بشيكات من الجالية العربية في تلك المغتربات, منها شيكات باسم رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي سنتذاك, و رئيس الحكومة الدكتور يوسف زعيّن, و وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد, و للعلم إن هذه الشيكات, و إن كانت بأسماء من ذكرت, إلّا أنّها صرفت بمجملها لصالح الدولة. و هنا أضيف أنّ وفدنا كان مقسّم المهام, فلدينا أمين صندوق و لدينا محاسب.. الخ, و كنت أضع الشيكات عند أمين الصندوق. كنّا في عاصمة كلّ دولة نجتمع كوفد مع الجالية و مع الأحزاب اليسارية و هذه الأخيرة كنّا نلتقي بعضها في أماكنها السريّة تحت الأرض و في الأقبية.. أما عند نشاطنا ضمن الولايات في كلّ دولة, فكنا نوزّع نشاطنا, إذ كل شخص من الوفد يذهب إلى ولاية محددة, و في فنزويلا كان دور أمين الصندوق (اسمه: أبو يوسف, كان من رشّحه للذهاب معنا عبد الحليم خدّام الذي كان محافظاً لدمشق, و هو من جوار يبرود) ذهب الى ولاية "بورتو لاكروز" و هناك بعد نهاية مهمته نسي الحقيبة, و في طريق العودة كنّا قد وصلنا الى فرنسا فيما الحقيبة المنسية في فنزويلا لم تصل. في باريس ستخبرني السيدة دعد طائع (زوجة الدكتور المرحوم هيثم كيلاني) و كانت معنا في الوفد, ان الشيكات في الحقيبة, لحظتذاك صعد معي السكري دون معرفة مني انه السكري خاصة أنّي لم أكن أعاني منه من قبل.. عند وصولنا الى سوريا, و إبّان عودتي لعملي في مهامي كمحافظ لإدلب, اقترح عليّ أحد الأصدقاء إجراء تحليل للسكر خاصّة أني كنت أشعر بالتعب على غير العادة و وأنرفز دونما سبب فيما الفحوصات البدائية لم تكن تشير إلى شيء؟ وكان ذلك و اكتشفت ان السكري معي 300؟.. و بخصوص الحقيبة المنسية في فنزويلا, اتصل بي محمد عشاوي, كان وزيراً للداخلية, بعد أربعين يوماً على وصولنا من مهمتنا ليخبرني أن الحقيبة المنسية وصلت. فاتصلت برئيس دائرة الأمن السياسي في اللاذقية, و كان اسمه يحيى أبو عسلي (كان رائداً, صار بعد عام 1970 وزيراً)  و كان معنا في الوفد, طالباً منه الذهاب إلى مطار دمشق الدولي لاستلام الحقيبة, و اللافت في الأمر –وفق ما أفادني أبو عسلي- أنّه صادف في المطار (أبو يوسف, رفيقي الذي نسي الحقيبة في فنزويلا), و كان يطوي جذعه فوق الحقيبة التي استلمها و يدسّ فيها الشيكات المفترض أنّها كانت أساساً في الحقيبة(؟).

و في هذا الجانب, يختم الأستاذ محمود أن تكلفة سفر كل شخص من الوفد التي استمرت نحو الأربعين يوماً لم تتجاوز الخمسمائة ليرة سوريّة, و أن جولتهم تلك اُعتبرت مهمة من قبل الدولة ما ترتب دفع تعويضات لأعضاء الوفد, غير أنّه هو لم يأخذ شيئاً.

 

أوجه أخرى للنضال 

الاستاذ محمود الذي هو أوّل أمين فرع حزب من أبناء محافظة طرطوس, إذ كان أمين فرع حزب البعث في اللاذقية قبيل حركة 23 شباط 1966 ببضعة أشهر. و هو أوّل شخص من أبناء المحافظة يصبح محافظاً في عهد البعث, فقد استلم محافظة إدلب آواخر عام 1967, و محافظة الرقة آوائل عام 1970. هو كذلك أوّل مشترك بصياغة الدستور عام 2012 من أبناء محافظة طرطوس, و كان في اللجنة الدكتور كمال شرف (وزير تعليم سابق) حيث كانا يقيمان في الفندق ذاته (في دمشق) طوال أربعة أشهر, و كانا يتجاذبان الأحاديث الفكرية العميقة مما أدى إلى نشوء علاقة صداقة قوامها المودة و المحبة بينهما ماتزال مستمرة حتى اليوم.

و المهم في الأمر أنه ترك بصمته في صياغة دستور 2012, إذ كانت الفقرة (ب) من المادة العاشرة تنصّ على: "على أن الملكية الخاصة مصونة و لا يجوز استملاكها أو نزعها إلّا للنفع العام و بتعويض عادل وفق القانون", و هنا يُعقب الأستاذ محمود: "بمعنى ان الأرض كانت تؤخذ بطريقة شبه مجانية, فمثلاً كان ثمن دونم البعل (في الساحل) 60 ألف ليرة سورية, فيما دونم المروي 224 ألف ليرة سورية, و ثمن الشجرة فوق عمر 10 سنوات 4000 ليرة سورية.. الخ, فكما ترى إنها تعويضات جائرة بسبب جور القانون أو قدمه. فكان ان وضعنا فقرة في المادة العاشرة من الدستور تنصّ أن: "التعويض العادل للملكية المستملكة هو السعر الحقيقي للملكية المستملكة", و المادة 154 و التي تنصّ على "الدولة أن تضع القوانين التي تنسجم و أحكام هذا الدستور خلال ثلاث سنوات على الأكثر, لكن, مع الأسف, لم يفعلوا شيئاً حتى الآن".

و في هذا الخصوص يفيدنا أنّه "جرى استملاك, في الشهر السابع من عام 2015 في منطقة الشيخ بدر, لصالح سد البلوطة, انتخبني المالكون (و كنت في أمريكا) لتمثيلهم في لجنة إعادة النظر. اجتمعنا في اللجنة, و لم تكن الدولة قد عدّلت الأسعار, إذ كان القانون القديم مازال ساري المفعول, فأرسلت اللجنة كتاباً إلى الجمعية العمومية للفتوى و التشريع في مجلس الدولة بخصوص أي سعر نضع؟ هل وفق القانون القديم أم وفق المادة العاشرة من الدستور الجديد لعام 2012م؟ و بعد أربعة أشهر من المتابعة أتينا برأي من مجلس الدولة أنّه بعد نفاذ الدستور بثلاث سنوات يجب أن يكون كلّ استملاك وفق السعر الحقيقي للملكية المستملكة. و بعد مجادلات تمكّنا من جعل الـ 60 ألف ليرة سوريّة 700 مئة ألف ليرة سوريّة لدونم البعل, فيما صار ثمن دونم المروي مليون ونصف ليرة سوريّة, و في قرى أخرى كقرية (النيحا) صار 2 مليون ليرة سوريّة. أما الشجرة فقد وضع ثمنها حسب العمر, و يصل ثمنها حتى 25 ألف ليرة سوريّة.

يوضّح الأستاذ محمود قائلاً: "كان سينال الفلاحون المستملكة أراضيهم, وفق الدستور القديم, 40 مليون ليرة سوريّة, و بعد جهودنا أخذوا 453 مليون ليرة سوريّة, و كان هذا أوّل قرار في سوريا وفق السعر الحقيقي للملكية المستملكة.".

 و إذا ماعدنا إلى الماضي البعيد نسبياً (خمسينات و ستينات القرن الماضي) سنلمس نضاله من خلال جمعه للتبرعات و إرسالها لمنكوبي السيول في الجزيرة السورية تعزيزاً للشعور الوطني و تكريسه في نفوس المواطنين الكادحين, و كذلك جمعه للتبرعات (و إن كانت رمزية) للثورة الجزائرية و كذلك لثوّار عُمان تقوية منه للشعور القومي و غرسه في وجدان المواطن.

و لعل قلّة يعرفون إنّ الأستاذ محمود يونس هو من سعى لتشكيل لجنة نصرة العراق التي تمّ تشكيها مطلع القرن الحالي قبيل سقوط بغداد, و عندما نسأله عن السبب الذي دفعه لذلك, يقول: "العراق بلد عربي عظيم, و ينطوي على طاقات اقتصادية و بشرية و عسكرية جبّارة, و هو سند لنا في أي معركة مصير, كان من الواجب علينا الوقوف معه, و هذا أضعف الإيمان".

و قد زاره أعضاء تلك اللجنة (المرحوم منصور الأطرش, و د. نجاح العطار, و أحمد عبد الكريم- وزير أسبق أيام الوحدة, و حسان مريود, و المرحوم أديب اللجمي, و المرحوم د. هيثم كيلاني, في طرطوس. و أتذكر شخصيّاً عندما نظّمت تلك اللجنة مؤتمراً, أواخر تشرين الأوّل من عام 2002, في دمشق لدعم العراق, و قد حضره يومذاك السياسي العراقي الرفيع طارق عزيز. و علمنا سنتذاك, من خلال مصادرنا الخاصة, أن الدكتور أحمد برقاوي و الأستاذ محمود يونس هما من حالا دون توجيه تحية, في ختام المؤتمر, إلى الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين لإيمانهما بدوره السلبي في تدمير العراق, لذلك وجّه المؤتمر التحية إلى العراق و الشعب العراقي.

 

محمود يونس.. صديق المثقفين و علاقة خاصّة مع العجيلي

كان ثمة علاقة مميزة تربط بين الأستاذ محمود يونس و بين الدكتور و الروائي الكبير عبد السلام العجيلي, و في هذا الصدد يحدّثنا الأستاذ النهضوي محمود يونس: "عندما ذهبت إلى الرقة محافظاً مطلع عام 1970, كان في ذهني زيارة الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي, لكن تراكم العمل و زحمته منعاني في الأشهر الثلاثة الأولى من زيارته كما تمنيتُ, لأفاجأ بمدير مكتبي يخبرني أن الدكتور العجيلي على باب مكتبي, فسرعان ما نهضت لاستقباله قائلاً له ما كان في نيتي, فيبادرني القول: "في زماني صرتُ وزيراً بالخطأ, و هذا المجمّع (يقصد مبنى المحافظة) لم أدخله من قبل, لكن صوتاً في الرقة يقول كل صاحب حق سيناله إذا وصل إلى عند المحافظ.. صوت العدالة هزّني و دفعني إلى التعرّف عليك"... طبعاً, و لم تكن ثمة معرفة شخصيّة مسبقة له مع د. العجيلي.

و كانت هذه الزيارة, فاتحة صداقة جمعت بين يونس و العجيلي, الذي صار كلّما يزور طرطوس يتصّل بيونس و يأتيه إلى منزله, و عندما انتقل العجيلي إلى الرفيق الأعلى عام 2006 قصد يونس عائلة العجيلي في محافظة الرقة كي يقدّم لهم واجب العزاء.

العلاقة التي جمعت و ماتزال, بين الأستاذ محمود يونس و كبار المثقفين و الكتّاب العرب والسوريين تعود إلى أكثر من نصف قرن, فقد كان من أصدقائه الروائي الاردني الفلسطيني غالب هلسا و الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي زاره, بصحبة صديقهما المشترك الكاتب الأردني غانم زريقات, في منزله في طرطوس مطلع القرن الحالي و استمرت علاقتهما حتى وفاة درويش, و الدكتور طيب تيزيني, و الروائي د. عبد الرحمن منيف, و د. يوسف سلامة, و د. أحمد برقاوي, و د. منير الحمش, و الفكّر الراحل حافظ الجمالي, و المغني المصري شيخ إمام, و الشاعر أحمد فؤاد نجم, كما زاره شاعر البعث و العروبة سليمان العيسى بصحبة 25 شاعر و أديب, و عبد المعين الملوحي, مثالاً لا حصراً.

و لعل جيل أربعينات القرن الماضي, في طرطوس, ما زال يتذكّر كيف دعا الأستاذ محمود يونس المفكّر العربي زكي الأرسوزي إبّان الوحدة السوريّة المصرية كي يلقي محاضرة, عن تجربته في لواء اسكندرون السليب. (تمت المحاضرة في سينما العباسيين- سابقاً). كما دعا محمد الغسيري سفير الجزائر في سوريا في تلك الفترة, لإلقاء محاضرة عن تجربة الثورة الجزائرية.

 

 نختم بالقول: إن الأستاذ محمود يونس الذي يحمل على منكبيه تاريخاً حافلاً و مشرّفاً من النضال و العطاء و النشاط في الشأن العام, مازال يمارس مهنة المحاماة, و هو مذ تفرّغ لممارسة هذه المهنة قبل نحو 43 عاماً لم يستلم أي دعوى من مالك ضد فلاح, و لا من رب عمل ضد عامل, و إنما بقي ملتزماً بالطبقة الكادحة, فقد ثبّت نحو 100 ألف عامل خلال سنوات ممارسته لمهنته, و لم يكن همّه ما سيتقاضاه ثمن أتعابه, بل شاغله هو إنصاف موكليه, تحديداً الفقراء منهم و أبناء الطبقات الكادحة. ولا بأس أن نشير هنا أن 3648 عامل مرفأ في طرطوس وكّلوه -في تسعينات القرن الماضي- بغية تحصيل حقوقهم جرّاء "فروق ساعات إضافية" كانت إدارة المرفأ تهضمها لهم, فكان أن حصّل للعمال حقوقهم, و أخذوا تعويضات عن تلك الساعات قيمتها 17 مليون ليرة سوريّة, فيما لم يأخذ هو أتعاباً له سوى 50 ألف ليرة و بالتقسيط على ستة أشهر, يومذاك كان مدير المرفأ العميد علي عمران في حين كان رئيس نقابة عمال المرفأ محمد حسن (أبو رولا). الدعوة ذاتها قام بها عمّال مرفأ اللاذقية, و في الفترة نفسها, لكنّهم خسروها.

تعقيب من فينكس: روى لنا مقربون من عائلة المربي الراحل الأستاذ يوسف محمد غانم سلمان, أن تلميذه الأستاذ محمود يونس, كان يزوره باستمرار طوال فترة مرضه, و كان يواظب على اصطحابه, خلال عجزه, في رحلات قصيرة بغية الترويح عن النفس.

و علمت من الأستاذ محمود أنّه لم ينقطع عن زيارة أستاذه يوسف غانم سلمان طوال حياته, و في أي موقع كان فيه.

عدد الزيارات
15638768

Please publish modules in offcanvas position.