اردوغان والجولاني: ازدواجية مصالح وتناغم وخصوم

يختزل الخطاب الحالي الصادر عن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) معضلة العلاقة الغامضة التي تجمعها مع الجانب التركي. فمن الناحية الرسمية، يستخدم قياديّو الهيئة صفة "الحليف التركي" لوصف "العلاقة المتوازنة بين الجانبين". أما الخطاب الشعبي الذي يصدر بشكل خاص عن الأمراء الشرعيين فإنه يضرب بعرض الحائط الخطاب السابق، ويستسيغ بسهولة استخدام مصطلح "الاحتلال التركي"!
 
وقد حلّت ثنائية التحالف-الاحتلال محلّ سلسلة من الثنائيات المتتالية التي حكمت العلاقة بين الجانبين. كان أولها ثنائية الدعم – الوصاية التي حذّر أبو محمد الجولاني زعيم الهيئة، مبكراً، من مخاطرها على العمل المسلح في سوريا منذ العام 2012.
 
ويشير توالدُ هذه الثنائيات إلى السقوف المشتركة والتناقضات العميقة التي تتسم بها، في الوقت ذاته، سياساتُ كل منهما. ويبرز بشكل خاص هدف "استدامة الهدوء" لتجنب أي عملية عسكرية واسعة، باعتباره السقف الجامع الذي يلعب الطرفان تحت مظلته. ويتفرع عنه "شراء الوقت" بانتظار تطورات جديدة من شأنها تغيير معطيات الواقع وقلبه بما يلبي مصالحهما. 
وبالتوازي مع التعايش تحت السقف السابق، كانت السياسة التركية تتحرك في اتجاهين مختلفين: الأول، إرضاء شريكيها في أستانا، إيران وروسيا، لمراكمة مكاسبها في الساحة السورية أولاً، ولمواجهة تذبذب علاقاتها مع الدول الغربية، ثانياً. والثاني، السعي إلى ترتيب أوراقها في إدلب على نحو يجعل منها لاعباً رئيسياً يتحكم بورقة الفصائل المسلحة. 
 
وكان من الطبيعي أن تنعكس هذه السياسة المزدوجة على علاقة أنقرة بهيئة تحرير الشام وجرّها نحو سلسلة الثنائيات المضطربة. فمن جهة كانت أنقرة تتخذ إجراءات ضد الهيئة وصولاً لوضعها على قائمة الارهاب لديها. كما صدرت عنها، في مناسبات عدة، تصريحات نارية تهدد بإمكان شن عملية عسكرية، منفردة أو مشتركة، ضدها. ومن قبيل ذلك، ايضاً، الإعلان النادر الذي صدر عن وزارة الداخلية التركية في شهر أيار(مايو) الماضي حول تحييد عناصر ارهابية من هيئة تحرير الشام. 
 
لكنها من جهة ثانية، كانت حريصة على إبقاء "شعرة معاوية" بينهما، وهو ما تجلى في كثير من المنعطفات مثل منع "فيلق الشام" الممول تركياً من الانخراط في القتال ضد الهيئة، ومحافظة الفصيلين على روابط تعاون وتنسيق قوية، ما زالت حتى اليوم محل تساؤلات وشكوك.
 
وفيما كان من المفترض أن يؤدي اتفاق سوتشي الموقع بين تركيا وروسيا في أيلول (سبتمبر) من العام 2018، إلى كسر ثنائية العلاقة بين أنقرة وهيئة تحرير الشام، نظراً لما تضمنته بنوده من إجراءات قوية ضد الأخيرة، منها إنشاء منطقة عازلة وسحب السلاح الثقيل والعناصر المتطرفة، لعب التردد التركي دوراً رئيسياً في جعل الأمور تنقلب رأساً على عقب. إذ لم تمض سوى أربعة أشهر على توقيع الاتفاق حتى كانت هيئة تحرير الشام، تسيطر على معظم محافظة إدلب مستأصلةً فصائل كاملة مدعومة من أنقرة. 
 
وفيما يذهب البعض إلى اعتبار أن هيمنة الهيئة على إدلب يرقى أن يكون بمثابة صفعة قوية للسياسة التركية، يرى البعض الآخر أن أنقرة تبني سياستها على أمرين رئيسيين: الأول، احتضان الفصيل الأقوى، حتى لو كان على قوائم الارهاب، لأنها بحاجة إلى قوة على الأرض تستطيع الحفاظ على الاستقرار ومنع تهريب اللاجئين إلى أراضيها. والثاني، ممارسة الابتزاز إزاء مختلف اللاعبين الآخرين لإعطائها مزيداً من الوقت لترتيب البيت الإدلبي، بذريعة الصعوبات التي تواجهها نتيجة تمرد فصائل معينة على إرادتها. 
 
وقد تجلت السياسة السابقة، بشكل خاص، من خلال دخول ميليشيا "الجبهة الوطنية للتحرير" المشكلة والممولة تركياً في تحالف عسكري مع هيئة تحرير الشام ضمن غرفة عمليات "الفتح المبين"، وذلك بعد أن كان أحد أهم أهداف تشكيلها هو مواجهة نفوذ الهيئة وقتالها عند الضرورة. وقد كانت هذه الخطوة بمثابة تعبير عن استقرار ثنائية التحالف- الاحتلال عند نقطة توازن جديدة فرضتها التطورات السابقة.
لكن المكاسب التي قد يكون الجولاني حققها في هذا الاتجاه، لم تكن من دون ثمن اضطر إلى دفعه خلال وقت قصير. وهو ما تمثّل في الصمت التركي عن الحملة العسكرية التي قادها الجيش السوري وأعاد من خلالها سيطرته على مدينة خان شيخون. وكانت الغاية توجيه رسالة إلى الجولاني بأن السيطرة المكانية مشروطة بالتنسيق مع أنقرة، وإلا فإن مغامراته ضد سياساتها والتزاماتها الاقليمية ستجعله أميراً من غير أرض.
 
في المقابل، كان قرار الجولاني بعدم الانخراط الكامل في التصدي لحملة الجيش السوري والانسحاب المفاجئ من مدينة خان شيخون، بمثابة جواب على الرسالة التركية مفاده أن الهيئة ليست مستعدة للقتال مجاناً في معارك معروفة النتيجة مسبقاً. وأن رؤيتها الاستراتيجية باتت تنحصر في إطار ما بات يعرف بـ "إدلب المفيدة" التي تشمل مدينة إدلب مع الشريط الحدودي مع تركيا.
 
هذه المواجهة المكتومة، الأولى من نوعها بين الطرفين، أتاحت لكل منهما اكتشاف الطرف الآخر عن قرب ومعرفة غاياته الاستراتيجية وطرق وأساليب عمله، وإن كان كلّ منهما خلال فترة الاكتشاف لم يتنازل عن مساعيه لتعزيز مركزه وتحديد مركز الطرف الآخر. 
 
في هذا السياق جاءت معركة سراقب التي انخرطت فيها القوات التركية بشكل مباشر، لتشكل نقطة جديدة رجحت الكفّة فيها لصالح أنقرة التي استغلّت عدم قدرة الهيئة على الدفاع عن المدينة لتحاول وضع قواعد جديدة في العلاقة بين الطرفين تكون فيها هي القائد الفعلي للعمليات العسكرية. 
 
وقد استُتبع ذلك بتغير استراتيجي مهم طرأ على الأرض، تمثل في الانتشار الكثيف للجيش التركي على خطوط التماس وفي أكثر من خمسين نقطة ومركز عسكري.
 
في البداية، وقع الجولاني والحلقة الضيقة المحيطة به في فخّ الارباك حول طريقة التعاطي مع هذا المستجد الاستراتيجي الذي بات يهدد بنسف جميع الثنائيات الحاكمة لعلاقة الطرفين وإجبار الهيئة على أحد خيارين إما التبعية للوافد الجديد بكل ثقله العسكري، أو أن تقرر حلّ نفسها والاندماج مع الفصائل الأخرى.
 
في هذا المناخ المتوتر، سارع الجولاني إلى فتح صندوقه وأخرج منه أهم أوراق اللعب التي كان يحتفظ بها لمثل هذه الأوقات. فكانت الورقة الأولى ملفّ "المقاتلين الأجانب" بما يمثله من حساسية أمنية عالية على مستوى دول العالم، واضعاً هذا الملف في بازار التفاوض من خلال فتح ثغرة أمام تنظيم "حراس الدين"، المبايع لتنظيم القاعدة، لتفعيل نشاطه. 
 
وقد كان الأخير عند حسن ظن الجولاني عندما استهدف دورية تركية في منتصف شهر آذار (مارس) الماضي. وبينما كان "حراس الدين" يهدف إلى منع تنفيذ اتفاق آذار (مارس) بين موسكو وتركيا، كان الجولاني يريد إبراز الخط الفاصل بين التنظيمات القاعدية الأكثر تطرفاً وبين تنظيمه باعتباره أقل تطرفاً.
 
وتولّى الجولاني تفسير هذه الخطوة في مقابلته مع "مجموعة الأزمات الدولية" من خلال تأكيده أنه يعمل على منع التنظيمات القاعدية من العمل خارج الحدود السورية بما فيها "حراس الدين" و"الحزب الاسلامي التركستاني" الذي يتكون من مقاتلين أيغور. 
 
وكانت الورقة الثانية عبارة عن تهديد الجولاني، عبر تحركات تكتيكية، أنه مستعد للمغامرة في الاشتباك المباشر مع القوات التركية ما لم تُراعى مصالحه ومصالح جماعته. وقد تمثل ذلك في الاشتباك المحدود، الأول من نوعه، بين قوات تركية ومجموعات من الهيئة في نيسان المنصرم. 
 
وبينما تمثلت الورقة الثالثة في تحذير الهيئة من خطر تنظيم داعش واستعداده لتنفيذ عمليات في إدلب، تمثلت الرابعة في الحرص على الإمساك بزمام الإدارة المدنية وإبقائها بمثابة ندّ للحكومة المؤقتة التي ترعاها أنقرة.
 
وقد جاء اكتمال مسار الدورية المشتركة الروسية –التركية في السابع من شهر تموز (يوليو) الماضي، بمثابة صيغة وسطية لإدارة ملف إدلب وفق معادلة رابح – رابح لجميع اللاعبين. إذ بينما كان تسيير هذه الدورية من قرية الترنبة إلى قرية عين الحور مؤشراً على نفاذ الاتفاقات الدولية وعدم جدوى الوقوف بوجهها، فإن الدور الذي لعبته هيئة تحرير الشام في تسهيل مرور هذه الدورية، أكد في المقابل أن الهيئة ما زالت لاعباً رئيسياً لا يمكن تخطيه بسهولة. 
 
وهكذا فإن ثنائية التعامل بين الهيئة وأنقرة ما زالت متواصلة، وقد تستمر في التوالد بأشكال مختلفة، إلى أن تأتي ظروف جديدة تسمح بتفجيرها والتخلص من تداعياتها على مجمل المشهد الإدلبي، أو ربما الانتقال بها إلى مراحل أعلى من التناغم.
 
عبد الله علي
النهار العربي