الوقاحة الأمريكية في العراق وسوريا

    افتتاحية فينكس هذا الأسبوع بقلم الأستاذة الزميلة ربى يوسف شاهين

    كثيراً ما تتخذ الدول الغربية في سياساتها الخارجية، نمطاً ديبلوماسياً أقرب إلى التمثيل السياسي، والذي تعتمد عليه لتبدأ بتفعيل قراراتها المسبقة، والتي من خلالها تتحول إلى القرار العسكري او السياسي المبطن بالعسكري، او العسكري المبطن بالسياسي، والذي يتناسب ورؤيتها واهدافها التي تُريدها من المنطقة المراد تنفيذ الاستراتيجية المناسبة عليها.

    في العراق انتهج جورج بوش الابن ذريعة وجود الاسلحة المحرمة دوليا، ليبدأ حربه تحت هذا البند، ومنذ احتلال العراق وإضعافه كدولة قائمة بذاتها، استطاعت عبر الفوضى التي ادرجتها في سلم اولوياتها ان تُحقق مرتعاً لتنظيم داعش الإرهابي، وذلك عبر استغلال الثغرات في المجتمع العراقي القائم على التنوع الطائفي، والذي لا يخلو كأي مجتمع من اختلافات ايديولوجية، ولكن المتربص بهذه الثغرات قد يجد له مكاناً للولوج إلى إعمال الخراب والدمار تحت مسمى الديمقراطية المزيفة، ولتبدأ عملية فكفكة  سلطة الدولة بالتدريج، وهذا ما حصل في العراق بداية الحرب عليه في 2003 وحتى ديسمبر 2011، حين أعلنت الولايات المتحدة سحب قواتها من العراق، لتُمكن واشنطن الفرصة لتنظيم داعش الإرهابي من اعلان خلافته، ذلك لان انسحابها كان محتوم بسبب صمود الشعب العراقي ومقاومته للمحتل الامريكي، ناهيك عن إبطال الذريعة امام المجتمع الدولي، والذي تقرر كشفه بعد ان تم تخريب الدولة العراقية. عليه وللإبقاء على "الوكيل" المتمثل بداعش، بررت إقامة قواعدها التي انطلقت منها إلى سوريا هي وتنظيمها الداعشي.

    سوريا ايضا ومنذ اندلاع الحرب الكونية عليها 2011، عمدت الولايات المتحدة على شرعنة وجودها مع حلفائها البريطانيين والفرنسيين، من خلال ذريعة الأسلحة الكيمائية، مع العلم أن سوريا دمرت مخزونها من السلاح الكيمائي وبإشراف أممي كامل، بالإضافة الى مكافحة الإرهاب الذي صنعته في معسكراتها الاستخبارية، لتنكشف حقيقة تواجد قواتها في شمال شرق سوريا، خاصة بعد عدة تصريحات سياسية كاذبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن انسحاب القوات الأمريكية من سوريا في 2018 "وان الارض السورية هي ارض رمال وموت".

    وليعود ترامب ويصرح بضرورة البقاء لحماية النفط السوري، بعد إعلانه الانسحاب من شراكته لميليشيات قسد، وليجعل الساحة السورية في حالة من التخبط في كشف صدق الاعلان عن الانسحاب بالكامل، او بالابقاء على قوات قليلة لمصالح خاصة تهم الاقتصاد الامريكي، الذي يقوم على النهب والسرقة والاحتلال والعربدة، وليعود التعاون الامريكي مع قسد تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وهذا ما ترجمه تصريح القائد العام لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي في 6/11/2019 إن "قواته استأنفت برنامج عملها المشترك مع التحالف الامريكي لمكافحة تنظيم "داعش".

    كما ان قوات سورية الديمقراطية تُساند القوات الامريكية ببناء محطة كهربائية جديدة إلى الجنوب تماما من حقل الجبسة للنفط والغاز، تحت بند تحسين إنتاج النفط والغاز والاستفادة القصوى من كافة الحقول والآبار لصالح المحتل الامريكي والاسرائيلي والتركي.

    سوريا استطاعت تغيير المعادلة الامريكية التي قامت عبر عقود خلت  على التحالفات، ولكن حروبها في الشرق الاوسط ورغم التطور العالمي في شتى المجالات، وبالرغم من اتخاذها اشكال متعددة ما بين حروب عسكرية وسياسية  وناعمة، إلا انها لم تصل إلى المبتغى الاول لها وهو القضاء على الدول التي تُشكل عائقاً أمام الهيمنة الاسرائيلية.

     في المحصلة تتناغم الحروب في أهدافها ونتائجها، والتي اساسها القضاء على البنية الاولية والجوهرية لأي دولة، وبالتالي على البنية التحتية، والتي بدورها تُفسح المجال لغطرسة واشنطن من ان تنتشر لتصل حدود الاحتلال الناعم. وعليه، يبدو واضحاً أن الوقاحة الأمريكية في سوريا والعراق لا حدود لها، سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، لكن في المقابل، يبدو أو واشنطن نسيت أو تناست أن دول محور المقاومة لا يمكن أن تستكين مع وجود مُحتل في اراضيها، وهذا ما أكده الرئيس السوري بشار الأسد حين وجه رسالة صريحة للقوات الأمريكية والتركية في سوريا، حيث شدد الأسد على ضرورة وقف العدوان وانسحاب كافة القوات التركية والأمريكية من سوريا، ومعتبراً أنها قوات احتلال وأن التصدي لها حق مشروع للشعب السوري.

    عدد الزيارات
    14332227

    Please publish modules in offcanvas position.